بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

لينين – بناء الحزب

« السابق التالي »

النضال ضد الليبرالية

مقدمة

“حين يُشتم الليبرالي يهتف: حمداً لله، لم يضربوني. وحين يتعرض للضرب يشكر العناية الإلهية لأنه لم يُقتل. وحين يُقتل يشكر السماء لأنها حررت روحه من جسد زائل” (1).

في 8 و9 فبراير 1904، اندلعت الحرب الروسية اليابانية، واستخدمت الحكومة الروسية هستيريا الحرب كذريع لقمع التحركات الثورية التي كانت لا تزال في مهدها. ولعل ما قاله رئيس الوزراء الروسي بليهف يعطينا مثالاً شفافاً على ذلك: “نحن بحاجة لحرب صغيرة منتصرة كي نصد هجوم الثورة” (2).

الليبراليون، من جهتهم، كانوا الأجدر على الاندماج في لعبة القيصر، إذ كان رد فعلهم الأول هو الانجراف في تيار الوطنية. وفي “أوسفوبوجدنيه”، الجريدة التي أصدرها الليبراليون بالخارج، طرح الليبرالي الصميم، ستروف، شعار “يحيا الجيش”. وعندما أظهر اليابانيون تفوقهم العسكري براً وبحراً، تقلص الميل الوطني لدى الليبراليين وأصبحوا في المقابل معارضين معتدلين. هذا الموقف المعارض صار أكثر حدة بعد أن انتصر اليابانيون في معركة ليويانج في يوليو، حينها صار من الواضح أن الروس لن ينتصروا في تلك الحرب، وأن الحكومة قد دخلت بالفعل نفقاً مظلماً. في ذلك الحين، أظهر قادة الطبقة العليا والوسطى الكثير من الهمة في مواجهة القيصرية، فكتبت أوسفوبوجدنيه: “إن احتلال منشوريا ومنفذ البحر هو شيء أحمق بالنسبة لروسيا من الناحية الاقتصادية” (3). ومن ثم اتبع الليبراليون موقفاً انهزامياً من الحرب؛ إذ رأوا أن هزيمة روسيا في الحرب سوف تضعف القيصر وتجبر الأوتوقراطية الحاكمة على المساومة وتقديم التنازلات: “لن يدخل اليابانيون الكرملين، بل سيفعلها الروس” (4).

ومع كسبهم المزيد من الثقة، شن الليبراليون حملاتهم السياسية مستخدمين الهيئات المحلية للحكومة الذاتية (الزمستفوات) (1*) منبراً لهم، والتي من خلالها عرضوا آرائهم ومواقفهم وأعدوا مؤتمراً قومياً لمندوبي الزمستفو. عُقد المؤتمر في نوفمبر، وتلاه لقاء واسع ضم الإقطاعيين الليبراليين وأصحاب الصناعات الكبرى وأساتذة جامعيين ومحاميين وأطباء واقتصاديين، إلخ. أُلقت الكثير من الخطب المطولة ونوقشت خطط الإصلاح السياسي، لكن السؤال هنا هو هل كان الهدف من كل ذلك هو الإطاحة بالقيصرية أم عقد صفقات معها؟

تحمس المناشفة لتلك اللقاءات؛ فقد كانت سياستهم أن يدعو العمال لدعم الليبراليين وتحفيز شجاعتهم، وفي المقابل أن يتجنبوا أي فعل “متطرف” يرتعد على إثره الليبراليون ويرتدون إلى الوراء.

واتساقاً مع ذلك، أرسل محرر الإيسكرا رسالة إلى كل منظمات الحزب، نقتطف منها هذا الجزء:

“بخصوص ليبراليو الزمستفو والدوما، فإن علينا أن نتعاون مع أعداء عدونا، هؤلاء الذين لا يستطيعون ولا يرغبون في النضال ضد هذا العدو كما تتطلب مصالح البروليتاريا. لكنهم حال يقفون ضد الحكم المطلق ويواجهونه بالمطالب التي تسعى لتدميره، فإنهم فقط من خلال ذلك يظهرون أنفسهم حلفاءاً لنا ضمن إطار النضال ضد الحكم المطلق، في هيئته الراهنة بشكل خاص. إن موقفنا تجاه الليبرالية البرجوازية إنما يكمن في السعي لصبغها بالشجاعة وحضها على تضمين المطالب المقدمة من البروليتاريا تحت قيادة الاشتراكية الديمقراطية (5).

إنه لخطأ قاتل أن نحاول إجبار الزمستفوات والأشكال الأخرى للمعارضة البرجوازية، تحت تهديد البروليتاريا، على الوعد بتقديم مطالبنا إلى الحكومة. إن مثل هذا التكتيك سوف يدمر مصداقية الاشتراكيين الديمقراطيين، إذ سيحول من حملتنا السياسية إلى آداة لنهوض الرجعية.

“وبالنظر إلى الزمستفوات حالياً.. فإن مهمتنا تنحصر في تقديم المطالب السياسية للبروليتاريا الثورية إليها، تلك المطالب التي عليها دعمها إذا كان لديها الحق في التحدث بإسم الشعب..” (6).

فيما بعد هذا البيان، رسم أكسيلرود، أحد القادة المناشفة البارزين، مجموعة من التكتيكات التي تُبذل فيها الجهود لجذب الجماهير:

“للاتصال مباشرةً بجمعية الزمستفو، وأن نركّز المظاهرة أمام مقر الزمستفو حين تبدأ جلسة النواب. بعض المتظاهرين ينجحون في دخول القاعة، وفي لحظة مناسبة يطلب المتحدث الرسمي من الجمعية الإذن بإلقاء بيان نيابةً عن العمال. وإذا لم يتم الأمر على هذا النحو، يحتج المتحدث بصوت عال ضد رفض الجمعية التي من المفترض أن تتحدث بإسم الشعب أن تسمع صوت ممثلي الشعب الحقيقيين.

لابد أن تضمن اللجنة التنفيذية أن ظهور آلاف من العمال خارج مقر الزمستفو، وعدد كبير (بالمئات) داخله، لن يسبب الذعر للزمستفويين، حتى لا يهرعوا للاحتماء بالشرطة والقوزاق ليتحول الأمر برمته من مظاهرة سلمية إلى حالة من القتال والكر والفر مما سيشوّه معنى المظاهرة تماماً” (7).

أما المتحدث الرسمي بإسم المناشفة، مارتينوف، في كتيبه “ديكتاتوريتان”، فقد أوضح التبرير وراء هذا الموقف على النحو التالي:

“الثورة القادمة هي ثورة برجوازية، وهذا يعني أنها بدرجة ما ستؤمن وصول كل الطبقة البرجوازية أو جزء منها إلى الحكم. وإذا كان الأمر كذلك، فإن الثورة القادمة لن تستهدف أية إصلاحات سياسية تخرج عن إرادة البرجوازية، فالبرجوازية هي سيدة الغد. وهكذا فإن انتهاج العمل على مطالب قد تخيف أغلبية عناصر البرجوازية سوف يعني أن النضال الثوري للبروليتاريا لن يكون له سوى مردود واحد، وهو إعادة إحياء الحكم المطلق في أكثر أشكاله شفافية.

وبالتالي، يكمن الهدف الثوري في أن تجبر الطبقات الدنيا من المجتمع الطبقة العليا منه لقيادة الثورة البرجوازية..” (8).

أوضحت جريدة الإيسكرا المنشفية المجتمع الروسي والمهمات العمالية فيه على النحو التالي:

“حينما ننظر إلى ساحة الصراع في روسيا، ماذا نرى؟ هناك قوتين لا ثالث لهما: الأوتوقراطية القيصرية، والبرجوازية الليبرالية. والقوة الثانية تتسم بالتنظيم ووزنها الهائل، أما الجماهير العمالية فهي منشقة ولا تستطيع فعل شيء. وإذا اعتبرنا أنفسنا قوة مستقلة، فنحن غير موجودين، وهكذا فإن مهمتنا تتلخص في دعم هذه القوة الثانية – البرجوازية الليبرالية – علينا أن نحفزها، لا أن ننفّرها بتقديم المطالب المستقلة للبروليتاريا” (9).

ردد بليخانوف أصداء نفس الفكرة، فكتب في 1905:

“إن عاطفة الجماهير أمر في منتهى الأهمية، هذه العاطفة يمكننا كسبها باتجاهنا، أو بالأحرى كان لدينا الكثير من الفرص لفعل ذلك، من دون حتى أن نغير قيد أنملة في برنامجنا. لكن ذلك يتطلب بالتأكيد براعة في تحويل ما هو ممكن إلى واقع، الأمر الذي نفتقده أحياناً. لذا فإن مصالح الليبراليين تدفعهم بالفعل للعمل بشكل مشترك مع الاشتراكيين ضد الحكومة” (10).

لم يسطر بليخانوف مقالة واحدة إلا وهاجم البلاشفة لما رآه من غياب التكتيك لديهم، وقد كتب بالفعل سلسلة من المقالات التي سُميت “رسائل حول التكتيك وانعدام التكتيك” (11). وعلى العكس تماماً من ذلك، ندد لينين دوماً وبلا هوادة بالبرجوازية الليبرالية الروسية باعتبارها قوة معادية للثورة. وهكذا كتب، في نوفمبر 1904، معلقاً على تكتيكات مارتينوف بازدراء شديد:

“في الوقت الذي يتضح فيه أن تحالفاً بين الزمستفويين الوسطيين والحكومة ضد البروليتاريا الثورية لهو أمر محتمل وممكن، فإننا نحد من مهامنا، لا أن نضاعف جهودنا في النضال ضد الحكومة، بل أن نضع شروط الاتفاقات مع الليبراليين من أجل الدعم المتبادل” (12).

“إذا كنا في وضع يسمح بتنظيم مظاهرة ضخمة للعمال إلى قاعات الزمستفو، كنا لنفعل ذلك بالتأكيد (وإذا كان لدينا قوى كافية لتنظيم مظاهرة جماهيرية، لكان من الأفضل أن “نركز” هذه المظاهرة ليس “أمام مقر الزمستفو”، بل أمام مقرات الشرطة والدرك، إلخ). لكن أن نتمايل ونتردد حيال ذلك باعتبارات مثل أن الزمستفويين قد ينتابهم الذعر.. فذلك هو قمة السخافة والعبثية” (13).

“ما نحتاجه هنا ليس “التفاوض”، بل حشد حقيقي للقوى، ليس للضغط على الزمستفويين، بل للضغط على الحكومة وعملائها” (14).

لم يتوان لينين في شرح تحليله الذي يثبت الطبيعة الرجعية للبرجوازية الروسية:

“إن التضاد الذي لدينا اليوم بين البرجوازية والبروليتاريا لهو أعمق كثيراً مما كان في 1789 أو 1848 أو 1871. سوف تخاف البرجوازية الثورة البروليتارية أكثر وترتمي سريعاً بين ذراعي الرجعية” (15).

“إن البرجوازية ككل غير قادرة على شن النضال ضد الحكم المطلق؛ فهي تخاف أن تفقد خلال هذا النضال ملكيتها التي تربطها بالنظام القائم. إنها تخشى من النضال الثوري للعمال الذي لن يتوقف عند حدود الثورة الديمقراطية، بل سيتصاعد إلى الثورة الاشتراكية. إنها تخشى القطيعة التامة مع السلطة الرسمية ومع البيروقراطية التي ترتبط مصالحها بمصالح الطبقات المالكة بآلاف الروابط. لهذا السبب فإن نضال البرجوازية من أجل الحرية يتسم بالجبن والهشاشة والفتور” (16).

“ستغدو الجمعية التأسيسية لجموع الشعب قوية بما فيه الكفاية لإجبار القيصر على وضع الدستور، لكن هذا الدستور لن يكون ولا يجب أن يكون (من وجهة نظر المصالح البرجوازية) أكثر قوة بأي شكل كان. يجب على هذا الدستور فقط أن يربك توازن الملكية لا أن يطيح بها.. يجب أن يحافظ على الأدوات المادية للسلطة (الجيش وما شابه) في أيدي الملكية” (17).

أوضحت خبرة ثورة 1905 بشكل أكثر وضوحاً إفلاس البرجوازية الروسية، بالأخص فيما يتعلق بالقضية الأكثر إلحاحاً لأغلبية الشعب الروسي، ألا وهي المسألة الزراعية. حيث كان الليبراليون ضد مصادرة أراضي كبار الملاك، وصحيح أن حزبهم – الكاديت – قد أيد توزيع أراضي التاج والكنيسة على الفلاحين، لكنه لم يوافق على المصادرة القسرية أراضي كبار الملاك إلا في حالة واحدة، وهي دفع تعويضات مجزية لهم (18).

لم يكن ذلك غريباً على الإطلاق؛ فقد كان حزب الكاديت نفسه الممثل الأكبر لكبار ملاك الأرض في روسيا. واستدل لينين على أن الكاديت هو حزب، ليس فقط الليبرالية البرجوازية ومثقفيها، بل أيضاً ليبراليي الإقطاعيين. ولعل ما أمسك به لينين من أدلة على ذلك، إنما تكمن في البرنامج الزراعي للكاديت (19)، وتركيب مجموعة الكاديت في مجلس الدوما:

“من ضمن الـ 153 نائب من الكاديت في الدوما الأولى، كان هناك زهاء 92 من النبلاء، ثلاثة منهم امتلكوا بين 5 إلى 10 آلاف ديسياتين (2*)، وثمانية امتلكوا بين 2 إلى 5 ديسياتين، وثمانية آخرين بين ألف إلى ألفي ديسياتين، وثلاثين امتلكوا بين 500 إلى ألف ديسياتين. وهكذا كان ثُلث نواب الكاديت في الدوما من كبار ملاك الأرض” (20).

أما عن برنامجهم الزراعي، كتب لينين:

“إنه برنامج لكبار ملاك الأرض الرأسماليين، برنامج تحويل الفلاح إلى خادم، وتشكيل لجان ريفية محلية تضم أعداداً متساوية من الفلاحين والملاك الكبار بجانب مسئولين معينين من قبل الحكومة. كل هذا يوضح لنا، من غير شك، أن سياسة الكاديت في المسألة الزراعية هي الحفاظ على ملكية الأرض بالتخلص من طابعها الإقطاعي، وتدمير الفلاح بالديون والرهونات، وتكبيله من قبل الموظفيين الحكوميين” (21).

اختلف ستوليبين والكاديت حول حجم التنازلات وحول الوسائل التي يمكن من خلالها تحقيق الإصلاح، لكنهما اتفقا على ضرورة الإصلاح الذي يضمن سيطرة كبار الملاك على الأرض من خلال تقديم بعض التنازلات للفلاحين (22).

بعد ذلك بعامين، في مقالة كتبها لينين في مارس 1908 بعنوان “طبيعة الثورة الروسية”، أوضح لينين كيف كشفت التجربة عن الطبيعة المعادية للثورة في موقف الليبراليين من القضية الزراعية:

“في بداية 1906 قبيل الدوما الأولى، كتب القيادي الكاديتي، السيد ستروف، أن “الفلاح في الدوما سيكون كاديتي”. ومن ثم ادعت الصحيفة الملكية أن “الموجيك سيساعدنا”، ويعني ذلك أن التمثيل الواسع للفلاحين في الدوما إنما هو في صالح الأوتوقراطية.. كانت تلك الآراء منتشرة على نطاق واسع في تلك الأيام، لكن الدوما الأولى قد بددت بالكامل أوهام الملكيين والليبراليين على حد سواء. إن الموجيك قليل الخبرة السياسية، قليل التطور، وغير المنظم، أثبت أنه أكثر إلى اليسار بما لا يُقاس بالكاديت” (23).

وهكذا استنتج أن:

“الأهمية التاريخية للفترة الأولى من الثورة الروسية ربما يمكن تلخيصها في أنها كشفت ما يلي: البرجوازية أظهرت طبيعتها المعادية للثورة، وعجزها عن قيادة الثورة الفلاحية، والفلاحون على الجانب الآخر لم يدركوا بعد أنه يمكن إحراز النصر الحقيقي فقط في مسار الثورة والجمهورية تحت قيادة البروليتاريا الاشتراكية” (24).

الليبرالية تظهر معدنها الحقيقي

خلال ثورة 1905، خاض الكاديت مساراً سياسياً متخبطاً ومليئاً بالتعرجات. وعندما تقدمت الثورة واندفع ملايين العمال والفلاحين في النضال السياسي والاجتماعي، بَرُد حماس الكاديت وأصيبوا باللامبالاة.

ففي بداية الثورة، كتب ستروف أن “كل ليبرالي جاد يطالب بالثورة” (25). وهكذا كان أيضاً حزب الكاديت وأغلبية أصحاب الأعمال متحمسين للثورة، وحتى للإضراب العام الذي استخدمه العمال سلاحاً في مواجهة القيصرية. كتب خروستاليف نوسار، الذي أصبح رئيساً لسوفييت بطروسبورج، ما يلي:

“خلال إضراب أكتوبر، عمد أصحاب العمل، غير المستائين من استمرار الإضراب دون عقبات، إلى صرف 50% من الأجور في أيام الإضراب، وفي بعض المصانع تم صرف الأجور كاملةً. وعلاوة على ذلك لم يُفصل أي من العمال نتيجة المشاركة في الإضراب. ففي مصنع بوتيلوف على سبيل المثال، كما في أماكن أخرى، دفعت الإدارات الأجور كاملةً للمندوبين عن الأيام التي تغيبوا فيها لحضور اجتماعات السوفييت، إلى درجة أن إدارة بوتيلوف قد وضعت سفينتها البخارية تحت تصرف العمال عند ذهابهم للمدينة” (26).

صرّح محرر جريدة “برافو”، لسان حال المجموعة التي شكلت فيما بعد حزب الكاديت: “سيبقى الإضراب الأول للأبد صفحة مجيدة في تاريخ حركة التحرر، سيبقى أثراً براقاً لما أسدته الطبقة العاملة من تضحيات في النضال من أجل التحرر الاجتماعي والسياسي للشعب” (27).

وفي السياق نفسه، أعلن أحد قرارات المؤتمر التأسيسي لحزب الكاديت:

“إن مطالب المضربين، كما صاغوها بأنفسهم، تكمن بالأساس في الحريات الرئيسية: حرية انتخاب ممثلي الشعب في جمعية تأسيسية على أساس الاقتراع السري المباشر والمتساوي، والشفافية السياسية بشكل عام. وليس هناك أدنى شك في أن هذه المطالب مماثلة لما ينادي به الحزب الديمقراطي التأسيسي (الكاديت). وانطلاقاً من هوية أهداف المؤتمر التأسيسي للحزب، فإن من واجبه أن يعبر عن كامل تضامنه مع حركة الإضراب. ومن مواقعهم، وبكل السبل المتاحة، يناضل الحزب من أجل الأهداف نفسها. ومثل كل الفصائل المشاركة في النضال، نرفض بشكل قاطع فكرة بلوغ هذه الأهداف بمفاوضة مع الحكومة” (28).

لكن ذلك التعاطف من جانب الكاديت تجاه العمال الثوريين سرعان ما تبخر في الهواء. ولم يمض وقت طويل حتى صار واضحاً أنه لا يمكن الفصل بين مطالب العمال المناهضة للقيصرية ونضالهم لتحسين ظروف حياتهم في مواجهة أصحاب العمل. اكتسب العمال الذين شاركوا في الإضراب العام ضد القيصر في أكتوبر 1905، ثقة هائلة في قوتهم، تلك الثقة التي أهلت القطاع المتقدم منهم في سان بطرسبورج بعد ذلك بشهر، لخوض إضراب يطالب بتحديد يوم العمل بثماني ساعات يومياً. وبالتأكيد هدد الإضراب أرباح أصحاب الأعمال، الذين قاموا من جانبهم بالرد بإغلاق 72 مصنع في بطرسبورج وبالتالي تشريد 110 ألف عامل، و23 مصنع في موسكو ما كان يعني تسريح 58,634 عامل، وهكذا في العديد من المدن الأخرى (29). ونظراً لضعف تنظيم العمال، فقد انهزموا في صدامهم مع الرأسماليين، الذين كانوا حلفاءاً لهم حسبما رأى المناشفة.

أظهر السياسيون البرجوازيون في ذلك الحين ذعرهم من الإضرابات العمالية، وعدائهم الشديد للعمال. وبعد أن أثنوا عليها صار القيادي البرجوازي للكاديت، ميليوكوف، يطلق عليها: “جريمة.. جريمة في حق الثورة” (30). أما ستروف، الذي كان يحث على الثورة، فقد كتب: “إن الفوضى الخبيثة للثورة تبعثر البلد” (31). وهكذا صارت البرجوازية تخشى العمال الثوريين أكثر من خوفها من القيصرية المعادية للثورة.

ولأن الكاديت عادى النضال الثوري، فقد ذهبت محاولاتهم للتعاطي مع القضية الزراعية هباءاً. كتب ستروف في مارس 1905: “ينبغي على المعارضة الروسية الديمقراطية والتأسيسية المعتدلة أن تنطلق من حقيقة أن الثورة الزراعية قد بدأت بالفعل في البلاد. ولما كان الأمر كذلك، فإن التكتيك الذكي يقتضي توجيه هذه الثورة في مجرى الإصلاح الاجتماعي الشرعي والقانوني” (32).

اشتمل البرنامج الذي أعده المؤتمر التأسيسي لحزب الكاديت على مطلب “الجمعية التأسيسية”، في حين لم يذكر البرنامج أي شيء يتعلق بالملكية، لكن مؤتمر يناير 1906 غيّر هذا المطلب إلى “ملكية برلمانية وتأسيسية”. أثبت الكاديت، كما ارتأى لينين من قبل، أنهم ليسوا من نفس طينة روبسبير واليعاقبة، أو كرومويل والأيرونسايدز.

الاستنتاج

لم تكن كراهية لينين لليبراليين وليدة الصدفة، بل كانت محفورة بداخله منذ التجارب الأولى في شبابه، هكذا وصفت كروبسكايا:

“سبق أن أخبرني فلاديمير إيليتش لينين بموقف الليبراليين بعد أن ألقيّ القبض على أخيه الأكبر. كل المعارف والأصدقاء أصبحوا يتجنبون عائلة أوليانوف، حتى المعلم العجوز الذي كان يحضر إليهم كل ليلة للعب الشطرنج، كف عن السؤال. لم يكن هناك في ذلك الوقت سكك حديدية في سيمبريسك، وكانت والدة فلاديمير إيليتش تضطر لامتطاء فرس إلى سيزران لكي تصل إلى سان بطرسبورج حيث كان أخوه الأكبر محبوساً. كان فلاديمير إيليتش يذهب في صحبة والدته، فلم يكن هناك من يريد السفر مع أم مسجون. أخبرني إيليتش أن ذلك الجبن المتفشي ترك أثراً عميقاً في نفسه، لقد تركت تلك التجربة بصمتها على موقف لينين تجاه الليبراليين، وقد أدرك إيليتش مبكراً حقيقة اللغو الليبرالي” (33) (3*).

لم ينس لينين كيف كان الثوري العظيم تشيرشيفسكي يشعر بالتقزز من الليبراليين، حيث وصف ليبراليي ستينات القرن التاسع عشر بأنهم “ثرثارون ومغرورون وحمقى” إثر خساستهم وخنوعهم للقيصر.

هوامش:

(1*) كانت “الزمستفوات عبارة عن جمعيات محلية أنشأها الملك ألكساندر الثاني، وكانت تستحوذ، على الصعيد المحلي والإداري، على استقلال واسع. وقد تسيّست تدريجياً وطالبت بـ”تلطيف” النظام الأوتوقراطي – المترجم.

(2*) الديسياتين = 2,7 فدان.

(3*) يروي كارل شوتز، الذي لازَم كارل ماركس خلال ثورة 1848 الألمانية، أن مؤلف رأس المال لاحقاً لم يكن يلفظ كلمة “برجوازي” أبداً إلا بلهجة كلها احتقار “كما لو كان يبصق شيئاً مقرفاً” (مذكور في كتاب فرانس مهرنج: “كارل ماركس”، لندن 1948، ص 172) – المترجم.

(1) Lenin, Collected Works, vol.11, p.385.

(2) D.J. Dallin, The Rise of Russia in Asia, London 1950, p.79.

(3) ibid., p.81.

(4) Quoted in B. Pares, A History of Russia, London 1937, p.428.

(5) Dan, op. cit., p.297.

(6) Lenin, Collected Works, vol.7, pp.501-02.

(7) ibid., pp.509–10.

(8) A. Martynov, Dve Diktatury, Geneva 1904, pp.57-58.

(9) Quoted by G. Zinoviev, Istoriia Rossisskoi Kommunisticheskoi Partii (Boishevikov), Moscow-Leningrad 1923, p.158.

(10) Plekhanov, Selected Philosophical Works, op. cit., p.116.

(11) Plekhanov, Sochineniia, vol.15.

(12) Lenin, Collected Works, vol.7, p.507.

(13) ibid., p.511.

(14) ibid., p.512.

(15) ibid., vol.8, p.258.

(16) ibid., pp.511-12.

(17) ibid., p.492.

(18) See D.P. Dolgorukov and I.I. Petrunkevich, eds., Agrarnii vopros, Moscow 1905, a collection of articles on the land question, especially M.Ia. Gertsenshtein,Land nationalization.

(19) Lenin, Collected Works, vol.12, p.191.

(20) ibid., p.532.

(21) ibid., p.191.

(22) ibid., p.257.

(23) ibid., p.22.

(24) ibid., vol.15, p.25.

(25) Pokrovsky, op. cit., vol.2, p.148.

(26) ibid., p.181.

(27) ibid., p.181.

(28) ibid., p.246.

(29) S.E. Sef, Burzhuaziia v 1905 godu, Moscow-Leningrad 1926, p.82.

(30) P.N. Miliukov, God borbi. Publitsisticheskaia Khronika, 1905–06, St. Petersburg 1907, p.171.

(31) Quoted by Sef, op. cit., p.109.

(32) ibid., p.101.

(33) Krupskaya, op. cit., p.17.

« السابق التالي »