بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

لينين – بناء الحزب

صعود النقابات التابعة للأمن

في الفصل الرابع تعرضت للحديث عن الصعود الصاروخي لحركة الطبقة العاملة في السنوات من 1900 وحتى 1903. واجهت القيصرية هذه الموجة العمالية العاتية بالقمع العنيف كما هو معتاد، لكنها أيضاً عمدت إلى انتهاج أسلوب جديد يحرف النضال الثوري عن مجراه.

أكد أحد التقارير الأمنية في 1905 أن:

“لسوء الحظ حقق المحرضون بعض النجاحات في تنظيم العمال للنضال ضد الحكومة. في خلال السنوات الثلاث أو الأربع الماضية، تحول الشاب الروسي النقي والطاهر إلى ما يمكن أن نطلق عليه شبه مثقف، يحتقر العائلة والدين، ولا يحترم القانون، ويسخر من السلطات. ولحسن الحظ، هؤلاء الشباب ليسوا كُثر في المصانع، لكن هذه القلة التافهة تنشر الذعر بين الأغلبية من العمال لاتباعهم” (1).

على الرغم من تشويه هذا التقرير للحقيقة، لكنه يشير إلى تغير هام جرى في أوساط الطبقة العاملة أن أعداداً كبيرة من العمال كانت قد بدأت بالفعل في الانضمام للمجموعات الثورية.

وبغرض تطويق وإجهاض هذا التطور في الحركة العمالية، بدأ قطاع من الشرطة السرية في تأسيس نقابات تتبع لهم وتقع تحت سيطرتهم، تلك الظاهرة التي أطلق عليها “النقابوية البوليسية” (الزوباتوفية، نسبةً إلى زوباتوف رئيس الدورك في موسكو). وكما كان متعارف عليه، لم يكن من الممكن إنشاء أي تنظيم عمالي دون موافقة من الشرطة، والتي بدورها كانت تقوم بـ”حماية” العمال من تأثير الثوريين، وتأسست بالفعل مثل تلك التنظيمات في الكثير من المدن الروسية: موسكو، وأوديسا، ونيكولاييف، وخاركوف.

جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن؛ فلقد استخدم العمال نقابات زوباتوف لتنظيم الإضرابات وللنضال من أجل مطالبهم. وفي الحقيقة، كما علّق المؤرخ البلشفي بوكروفسكي، فإن نتيجة الزوباتوفية أتت مختلفة كلياً عما توقعه وابتغاه زوباتوف نفسه:

“ولأن هؤلاء العمال لم يتطوروا سياسياً، كانت الزوباتوفية بالنسبة لهم خطوة هائلة في اتجاه تطوير وعيهم الطبقي، وفي مساعدتهم على إدراك التضاد الطبقي بين العامل ورب العمل. الأمر كله ليس سوى إنتاج نسخة مزيفة من تحريض الاشتراكيين الديمقراطيين، وتلك هي الفكرة كلها. وفي تقليدهم الأخرق والباهت للمحرضين الثوريين، ذهب عملاء زوباتوف إلى حد بعيد حيث شرعوا يلقون الوعود والتباشير بأن الحكومة سوف تنتزع المصانع من أيدي أرباب العمل ومن ثم تسلمها للعمال. قالوا أن الحكومة مستعدة لفعل أي شيء للعمال إذا توقفوا عن ترك آذانهم للإنتلجنسيا، حتى أنه في بعض الإضرابات ساعدت الشرطة المضربين” (2).

في يوليو 1902، امتد أحد الإضرابات بمدينة أوديسا، والذي كانت دعت له نقابات زوباتوف، بشكل غير متوقع إلى كافة أرجاء المدينة، كما اتخذ طابعاً سياسياً متميزاً. وبعد أشهر، عمت الإضرابات السياسية كل جنوب روسيا تقريباً (كييف، ونيكولاييف، وإيكاتارينوسولاف، ومدن أخرى). ونتيجة ذلك كانت أن انقلبت الحكومة القيصرية على الزوباتوفية التي خرجت في الأصل من رحمها، فتم حل كل التنظيمات العمالية في كافة أنحاء روسيا، باستثناء بطرسبورج، وبحلول نهاية 1903 أُرسل زوباتوف نفسه إلى المنفى. استمرت القيصرية في اتباع نفس التاكتيك في مواجهة الحركة الثورية، وبعد أسابيع قليلة من حل تنظيمات العمال ونفي زوباتوف ظهرت “الاشتراكية البوليسية”.

كان الاتحاد العمالي التابع للشرطة في سان بطرسبورج يدعى “جمعية عمال المصانع والورش الروس”، فيما كان لدى هذه الجمعية فروعاً في كل أحياء العاصمة، وتنوعت أنشطتها بين الأنشطة الثقافية والتعليمية والدينية، إلخ، تحت قيادة قسيس السجن قريب الصلة من زوباتوف: الأب جابون.

“بدأت حركة جابون كحركة “مخلصة”، بريئة حتى من أصغر محاولات الانضمام للصراع بين العمل ورأس المال. كان هدفها المتواضع هو منح العمال الفرصة كي يستغلوا أوقات فراغهم. وفي بدايتها، كما كتب جابون في وقت لاحق، كان كل لقاء في غرفة القراءة “يبدأ بالصلاة وينتهي بالصلاة”. وفي الافتتاح الرسمي للجمعية في 11 أبريل 1904، عُقدت المراسم الدينية، وغنى الحضور “حفظ الله القيصر” ثلاث مرات، وأرسلت الجمعية برقية إلى وزير الداخلية، بـ “قبول وافر الاحترام، وطلب وضع مشاعر العمال المتقدة بحب العرش والوطن عند قدمي جلالة الامبراطور”.

الأحد الدامي

في نهاية ديسمبر 1904، كانت هناك حالة من الاضطراب في مصنع بوتيلوف ذو الإثنى عشر ألف عامل في بطرسبورج. لم يكن السبب وراء ذلك كارثياً بل على العكس تماماً، كل ما حدث أن تم فصل 4 عمال لانتمائهم لجمعية جابون. وفي يوم الاثنين 3 يناير 1905، تطور الأمر إلى إضراب شامل بالمصنع للمطالبة بعودة العمال المفصولين إلى العمل. ذلك كان السبب المتواضع الذي فجر الثورة فيما بعد.

“إن خبرة الثورة الروسية، وخبرة الثورة في أي بلد آخر، تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنه، طالما أن الظروف الموضوعية للأزمة السياسية العميقة متوافرة، يمكن أن تصبح الصراعات الأكثر ضآلة والتي تبدو في الظاهر عديمة الصلة بميلاد الثورة، شرارة بادئة تضرم نار الثورة نفسها” (3).

لجأ عمال بوتيلوف إلى جمعية عمال المصانع والورش لإعادة زملائهم المفصولين. وبالطبع إن لم تكن قيادة الجمعية لتتوجه بجدية لإعادة أعضائها الأربعة إلى العمل، لكانت ستقع في ورطة كبيرة تفقدها مصداقيتها أمام العمال. لم يكن أمام قيادة الجمعية سوى مجاراة عمال بوتيلوف الذين سعوا لتلقي الدعم والتضامن أيضاً من زملائهم في المصانع الأخرى. وبالتالي عقدت فروع الجمعية عبر بطرسبورج اجتماعات ولقاءات حاشدة لبحث الأمر. فجر ذلك الوضع طاقات ومشاعر العمال، وسرعان ما تحولت اهتمامات العمال الروس من قضية عودة العمال الأربعة بشكل أوسع لتشمل كل القضايا التي تواجه العمال الروس: ظروف العمل السيئة، والغياب التام لحقوقهم.

وتحت ضغط هذه الحالة، اقترح جابون، إلى جانب المطلب الأساسي بعودة العمال المفصولين وإقالة المسئولين عن فصلهم، قائمة من المطالب الأخرى التي نالت قسطاً وفيراً من النقاش في الجمعية، والأهم من ذلك أن العمال لم يجرأوا من قبل على طرح مثل هذه المطالب: يوم عمل من ثمان ساعات، وزيادة الحد الأدنى للأجر من 60 كوبيك إلى روبل واحد يومياً للرجال ومن 40 كوبيك إلى 75 للنساء، وتحسين مرفق الصرف الصحي، وتقديم خدمات صحية مجانية. إلى هذا الحد نجح جابون في حصر مطالب العمال ضمن الإطار الاقتصادي الصرف، وقد وجه تعلمياته للعمال بعدم قراءة، بل وتمزيق، المنشورات التي يوزعها الطلاب، والتي دافعت عن حقوق العمال وتضمنت بالإضافة إلى ذلك تحريضاً مباشراً على النضال ضد القيصرية.

رأت قيادة الجمعية أن الأمور ستسير على ما يُرام إذا توجه العمال للقيصر طالبين دعمه، فيما وافقت الشرطة على أن يسير السيناريو كالآتي: يتصدق البلاط القيصري بخطاب يحنو على العمال البؤساء، بجانب الاستجابة لبعض المطالب الصغيرة لتحسين حياتهم. ظنت الشرطة أن هذا السيناريو سيكون كافياً لاحتواء العمال وسيعيد إحياء خرافة القيصر صديق العمال. وهكذا تبلورت الفكرة: عريضة مطالب يقدمها العمال في موكب ضخم إلى القيصر في قصره، حاملين صوراً له وأيقونات مقدسة ولافتات كنسية، مرددين التراتيل والصلوات، راكعين لتخفيف مآسيهم.

وبينما كانت الشرطة منهمكة في إحباك ما خططت له، بدأ الاشتراكيون الديمقراطيون في التحرك، وبعد محاولات بطيئة استطاعوا أخيراً أن يتدخلوا بشكل فاعل في الحركة ويحققون نجاحاً نسبياً. لقد أرسلوا متحدثين لاجتماعات فروع الجمعية في الأحياء وتمكنوا من إدخال بعض النقاط في النص الأصلي للعريضة. كان المناشفة هم في الحقيقة من اتخذ تلك المبادرة (سنعرض لاحقاً تاكتيكات البلاشفة في ذلك الوقت)، وكانت النتيجة هي عريضة مختلفة كثيراً عن تلك التي وضعها قادة الجمعية في البداية؛ حيث أضيفت حزمة من المطالب السياسية التي نادى بها الاشتراكيون الديمقراطيون: يوم عمل من ثمان ساعات، وحرية التجمع، وتوزيع الأرض على الفلاحين، وحرية التعبير وحرية الصحافة، والفصل بين الدولة والكنيسة، ووضع نهاية للحرب مع اليابان، وعقد جمعية تأسيسية.

وبحلول 7 يناير، تحول إضراب مصنع بوتيلوف، والذي بدأ في 3 يناير، إلى إضراب عام شمل كل مدينة بطرسبورج، وحتى التقارير الرسمية قد قدرت أعداد المضربين بمائة أو مائة وخمسين ألف عامل، “لم تشهد روسيا على الإطلاق مثل هذا الصعود العملاق في النضال الطبقي” (4).

وفي يوم الأحد 9 يناير، تحرك 200 ألف عامل في بطرسبورج في مسيرة سلمية مهيبة قادها الأب جابون إلى قصر الشتاء. رفض القيصر استقبالهم فيما ألقى أوامره للقوات التي تحمي القصر بإطلاق النار على الحشود العمالية، والنتيجة أن استشهد أكثر من ألف عامل وأصاب ألفين آخرين. في نفس الليلة وبرغم فزعه مما حدث، خطب جابون في العمال معلناً أن “لا قيصر بعد الآن”، كما دعا الجنود أن يتحرروا من الانضباط العسكري تجاه “القيصر الخائن المسئول عن إراقة دماء الأبرياء”. أدرك العمال من هذه التجربة المريرة أن قدسية الأيقونات وبريق صور القيصر لا يمكن أن تضاهي سطوة البنادق والأسلحة.

انتشرت الكثير من الروايات المختلفة حول أحداث التاسع من يناير المأساوية، جاءت أبسط تلك الروايات على لسان وزير الحرب، حيث رأى أن الدافع وراء تحركات العمال هو تحريض وتمويل عملاء انجلترا واليابان:

“ذهب وزير الحرب بعيداً إلى حد تصريحه في الصحف أن “المحرضين عملاء الانجليز واليابانيين” هم المسئولين عن إضرابات العمال في الصناعات البحرية، حتى أن السينودس المقدس وافق على هذا التفسير، وفي 14 يناير أصدر السينودس بياناً يعرب فيه عن استيائه الشديد وإدانته “للاضطرابات المدفوعة برشاوي من أعداء روسيا” (5).

أما الليبراليون فهم لا يؤمنون من الأساس بوجود جماهير ثورية، لذا فقد فسروا الأحداث بأنها نابعة فقط من الثقة العمياء لدى الجماهير في شخص الأب جابون. “لا يوجد شيء في روسيا يسمى جماهير ثورية”، هكذا كتب الليبرالي بيترستروف في جريدته “أوسفوبودجنيه” (التحرر) التي صدرت في الخارج، في 7 يناير 1905، أي قبل يومين فقط من قمع مسيرة العمال أمام قصر الشتاء (6).

“لقد أصر الليبراليون لفترة طويلة على أن سر أحداث التاسع من يناير إنما يكمن في شخصية جابون. لقد شبهوه بالاشتراكيين الديمقراطيين وكأنه قائد سياسي يعرف كيف يسيطر على الجماهير. هكذا تناسوا أن التاسع من يناير لم يكن ليحدث لولا أن جابون كان وراءه آلاف عديدة من العمال الواعين سياسياً والذين مروا عبر مدرسة الاشتراكية” (7).

فسر لينين أحداث 9 يناير على نحو مختلف كلياً، وبعد ثلاثة أيام من الأحد الدامي، كتب:

“تلقت الطبقة العاملة درساً هاماً أهمية بالغة في الحرب الأهلية؛ إذ أحرزت خبرة البروليتاريا، في يوم واحد، تقدماً لم تستطع إحرازه في شهور وسنوات من الجمود والرتابة والبؤس” (8).

“الإسقاط الفوري للحكومة – ذاك كان الشعار رد به، حتى عمال بطرسبورج الذين طالما آمنوا بالقيصر، على مذبحة 9 يناير. لقد رفعوا ذلك الشعارمن خلال قائدهم، الأب جورجي جابون، الذي أعلن بعد الأحد الدامي أن: لا قيصر بعد الآن. إن نهراً من الدماء يفصل بين القيصر والشعب. عاش الكفاح من أجل الحرية” (9).

وفي 8 فبراير، كتب لينين مرة أخرى: “أظهرت أحداث 9 يناير بشكل كامل الطاقة الثورية الكامنة لدى البروليتاريا”، لكنه أضاف إلى ذلك بكل أسى: “لكنها أظهرت أيضاً الضعف الحاد للمنظمات الاشتراكية الديمقراطية” (10).

لينين وجابون

في البداية تفاعل الاشتراكيون الديمقراطيون ببطء مع حركة جابون. كتب القيادي المنشفي مارتوف أن:

“كما يبدو غريباً، فإنه من الجدير بالملاحظة أن التنظيمات الثورية في بطرسبورج كانت تتغاضى عن النمو والتحول التدريجي الذي شهدته التنظيمات العمالية التابعة لجابون في خريف 1904 من الدعم المادي إلى أن تصبح نوعاً من الأندية العمالية.

وفي نهاية ديسمبر 1904، عندما دخلت مجموعة جابون في صراع كامل ضد أصحاب الصناعات كنتيجة لنضال عمال بوتيلوف، انجرف الاشتراكيين الديمقراطيين تماماً في مجرى الأحداث.

وأخيراً عندما تحول الاشتراكيون الديمقراطيون إلى العمال تحت تأثير جابون، لم يكن العمال يعبأون بوجودهم. كان المضربون يمزقون منشوراتهم، حتى عندما قدمت لجنة الاشتراكيين الديمقراطيين مبلغ 500 روبل دعماً للعمال، أخذها العمال على مضض شديد” (11).

فيما عبر أحد الأعضاء البلاشفة، ن. ف. دوروشينكو، عن عزلة لجنة بطرسبوج عن تطور الحركة كالآتي:

“حتى الأيام الأخيرة من ديسمبر، لم أحظ، ولا أي من الرفاق المقربين، بأي فرصة لزيارة أي من المواقع التي تنشط فيها جمعية جابون. والأكثر من ذلك هو أني لا أتذكر حتى محادثة واحدة مع العمال المنظمين في فاسيليف أوستروف أو بطرسبورج عن زيارة أي من الرفاق لهذه المواقع” (12).

وفي بداية يناير، بدأ عمال الحزب في بطرسبورج في الالتفات لحركة جابون:

“لم يبد العمال، الذين يتأثر معظمهم بما لا يدع مجالاً للشك بجابون، أي انتباه للاشتراكية الديمقراطية باعتبارها حزباً يمثلهم. والأكثر من ذلك أن العمال اعتبروا المسار الواضح والذي لا لبس فيه للاشتراكية الديمقراطية شيئاً يعيقهم عن إنجاز ما يدعوهم جابون له. وفي واحد من اجتماعات اللجان السرية حضر فيه كل عمال الحزب، أخبرنا الرفيق س. جوزيف بالخطوات التي اتخذتها اللجنة، ونقل لنا توجيهاتها بضرورة اختراق جمعية جابون في المصانع، ومعارضة مطالب جابون بالحد الأدنى من برنامج الحزب، وكشف يأس وسخافة فكرة السير إلى القصر” (13).

حاول دوروشينكو نفسه أن ينفذ مهمة معارضة مطالب جابون وكشف مشروعه في اجتماع لأحد فروع جمعية جابون في المدينة في 7 يناير، لكن سرعان ما تم إيقافه بصياح العمال “كفى، اخرج من هنا، لا تتدخل”، إلخ. “كان من المستحيل عليّ أن أكمل حديثي ولم يكن أمامي سوى مغادرة القاعة” (14). وتلخيصاً لما جرى، قال دوروشينكو في مؤتمر للجنة بطرسبورج البلشفية:

“كان الانطباع العام أن المؤتمر لم يصدق أن المسيرة إلى القصر سوف تتم. الفكرة أن الحكومة ستتخذ إجراءات لوأد مخطط جابون في مهده. وهكذا لم يكن هناك أي تأكيد بأي درجة بأن هناك مذبحة ستحدث” (15).

وعلى الرغم من ذلك، قررت لجنة بطرسبورج في النهاية المشاركة في فعاليات التاسع من يناير:

“لتنفيذ الإجراءات التي قررتها لجنة بطرسبورج، اختارات لجنة المدينة أن تكون نقطة التجمع في التاسع من يناير هي منطقتي سادوفايا وتشيرشيف ألي، حيث سيحضر المنظمون الفرعيون بمجموعاتهم المنظمة”. كان الحضور هزيلاً: “فقط مجموعة صغيرة من 15 عامل ليس أكثر هي التي ظهرت في الوقت المحدد للتجمع” (16).

ومع ذلك، أدرك لينين منذ البداية أن حركة جابون ستتجاوز توقعات القيصرية. وفي مقالة بعنوان “إضراب سان بطرسبورج”، كتب:

“إن إضراب بوتيلوف، الذي بدأ في 3 يناير، يتطور اليوم ليصبح أحد أهم المظاهر المهيبة لحركة الطبقة العاملة.. والآن تتخطى حركة زوباتوف حدودها المرسومة لها؛ فلقد بادرت الشرطة بإنشائها، لمصلحة الشرطة نفسها، بغرض دعم الحكم المطلق وتثبيط الوعي السياسي لدى العمال. أما الآن فهي تتحول ضد الحكم المطلق، وتصبح محوراً لشن نضال الطبقة البروليتارية.

ولقد تنبأ الاشتراكيون الديمقراطيون منذ أمد بعيد أن ذلك سيكون حتماً نتاج الحركة الزوباتوفية في بلدنا. كانوا يقولون أن تشريع الحركة العمالية سوف يفيدنا كثيراً نحن الاشتراكيين الديمقراطيين؛ إذ سوف يدفع قطاعات من العمال إلى الحركة، بالأخص القطاعات المتأخرة منهم.. وبمجرد انخراطهم في الحركة واهتمامهم بمستقبلهم، سوف يذهب العمال إلى أبعد من ذلك. إن شرعية الحركة العمالية ستشكل قاعدة جديدة وأكثر اتساعاً للحركة الاشتراكية الديمقراطية” (17).

وبعد أسبوع، وضع لينين المسألة على نفس المنوال في مقالة “الخطوات الأولى”:

“إن الغريزة الثورية ورح التضامن لدى الطبقة العاملة سوف تحرز الغلبة على كل حيل ومؤامرات الشرطة. وسوف يدفع الزوباتوفيون القطاعات المتأخرة من العمال إلى النضال، والحكومة القيصرية نفسها سوف تقودهم إلى أبعد من ذلك، والاستغلال الرأسمالي نفسه سوف يحوّل هؤلاء العمال من زوباتوف إلى الاشتراكية الديمقراطية الثورية” (18).

لم يكن لينين فقط منفتحاً في موقفه تجاه الحركة الجماهيرية السائرة وراء جابون، لكنه كان أيضاً معجباً بجابون نفسه. وعندما ذهب جابون للخارج كان لينين حريصاً على مقابلته، وقد ترك الحوار بينهما انطباعاً لا شك فيه عند لينين بأن جابون صادقاً ومخلصاً بحق. وبعد عدة سنوات، عندما انكشفت عمالة جابون للأمن وقُتل بسبب هذه الجريمة، أوضحت كروبسكايا إعجاب لينين به على النحو التالي:

“كان جابون جزءاً حياً من الثورة التي تجتاح ربوع روسيا، كان مرتبطاً بقوة بجماهير العمال الذين صدقوه بإخلاص، وإليتش كان مُثاراً بهذا اللقاء.

في وقت قريب سأل أحد الرفاق بدهشة بالغة: ما شأن إليتش بجابون؟

بالتأكيد يمكن للمرء أن يتجاهل جابون ظناً بشكل مسبق أن لا شيء جيد يمكن أن يصدر من كاهن، وهذا ما فعله بليخانوف عندما استقبل جابون ببرود قاس. لكن قوة لينين نبعت من حقيقة أن الثورة هي شيء حي، كان بمقدرته أن يفهم ملامحها ويلم بكل تفاصيلها الدقيقة، مدركاً ما الذي تريده الجماهير، وذلك فقط عن طريق الصلة القريبة من الجماهير. كيف إذن للينين أن يمر دون اهتمام بجابون، وهو الذي كان بهذا القرب من الجماهير وله كل هذا التأثير عليهم؟” (19).

وفي 18 يناير 1905، كتب لينين:

“لا يمكن التغاضي عن أن جابون ربما يكون اشتراكي مسيحي، وأن الأحد الدامي هو ما غيّره إلى الطريق الثوري الحقيقي، نحن نميل لتأييد هذه الفكرة، بالأخص بعد الخطابات التي كتبها جابون بعد مذبحة 9 يناير معلناً أن “لا قيصر بعد الآن” وداعياً للقتال من أجل الحرية، إلخ، تلك الحقائق التي تكشف أمانته وجديته” (20).

في 23 أبريل، قال لينين عن جابون أنه “أبهرني بإقدامه وذكائه، وإخلاصه غير المشكوك فيه للثورة، لكن، مع الأسف، بدون رؤية ثورية متماسكة” (21).

حاول لينين، من دون نجاح، أن يُعلّم جابون الماركسية، وكما أخبر زوجته كروبسكايا لدى عودته من لقاء القس: “قلت له: لا تعتاد على الإطراء أيها الأب الصغير. ادرس وإلا ستجد نفسك هنا – وأشرت تحت المنضدة” (22).

لم يكن لدى القادة البلاشفة الآخرين نفس الانطباع عن جابون. وذات مرة كتب الرفيق جوزيف، الذي عاد من جنيف في نهاية ديسمبر أو بداية يناير ليصبح سكرتيراً للجنة بطرسبورج، كتب إلى لينين في 5 يناير، معبراً عن استيائه من جابون:

“هذا الأب جابون هو بالتأكيد زوباتوفي نقي، خالص النقاء. ومجابهته والنضال ضده سيكونا على أساس التحريض الذي نجهز له على وجه السرعة. علينا أن نحرك كل قواتنا للحركة، حتى إن اضطررنا أن ندفعهم بالجملة في الإضراب، إذ يُلزمنا الأمر بالحفاظ على شرف الاشتراكية الديمقراطية” (23).

لم يغير جوزيف رأيه حتى بعد الأحد الدامي. وفي 30 يناير، كتب مجدداً إلى لينين:

“إن العمال أيضاً مرتبكون (مرة أخرى تحت تأثير المواعظ المنشفية المعادية للثورة) حول الموقف السليم الذي يجب اتخاذه حيال جابون. مقالتك في العدد الرابع بلورت دور الحكومة جيداً، لكنك متساهل للغاية مع جابون. إنه شخص باهت، وقد كتبت لك هذا الكلام مرات عديدة، وكلما فكرة في الأمر، ازداد الرجل ريبة بالنسبة لي. لقد كان زوباتوفي، وعمل مع الزوباتوفيين، مدركاً من هم وماذا يريدون” (24).

النضال ضد عصبوية الموقف البلشفي تجاه النقابات والسوفييت

فيما يخص الموقف الاشتراكي الديمقراطي تجاه الحركة النقابية الصاعدة، كان على لينين أن يدير صراعاً في مواجهة أعوانه ومؤيديه والذين تبنوا وجهات نظر عصبوية وضيقة الأفق في هذه المسألة. في اجتماع للجنة أوديسا البلشفية في سبتمبر 1905، اقترح س. جوزيف، الذي كان قريباً إلى لينين والمركز البلشفي في الخارج، أن يتبع البلاشفة عدداً من القواعد في تعاطيعهم مع مسألة النقابات:

“1- أن نكشف في دعايتنا وتحريضنا كل الأوهام المتعلقة بالنقابات، في توضيح حدودها مقارنةً بأهداف الحركة العمالية.

2- أن نوضح للبروليتاريا أن التطوير الثابت والواسع للحركة النقابية أمر غير معقول في ظل الحكم الأوتوقراطي، وذلك التطور يتطلب في المقام الأول الإطاحة بالأوتوقراطية القيصرية.

3- أن نؤكد بقوة في دعايتنا وتحريضنا على أن المهمة المبدئية والأكثر حيوية لنضال البروليتاريا هي الإعداد الفوري لانتفاضة مسلحة تطيح بالأوتوقراطية القيصرية وتظفر بجمهورية ديمقراطية.

4- أن نخوض نضالاً أيديولوجياً نشيطاً ضد المناشفة الذين ينطلقون، في قضية النقابات، من وجهة النظر الاقتصادوية الضيقة والخاطئة التي تشوّه مهام الاشتراكية الديمقراطية وتعرقل اندفاع حركة البروليتاريا”.

لكن في نفس الوقت:

“5- أن نستغل كل فرصة وكل وسيلة لترسيخ تأثير ونفوذ الاشتراكية الديمقراطية، وقيادتها إن أمكن، في كل النقابات سواء الصاعدة حديثاً أو الموجودة بالفعل، سواء الشرعية أو غير الشرعية”.

لم يتقبل بعض أعضاء اللجنة النقطة الأخيرة في مقترح الرفيق جوزيف، وفي دقائق قليلة عبر أحد الرفاق عن أن:

“الرفيق س. جوزيف لم يدرك حقيقة أن النقطة الخامسة في قراره تتناقض بالكلية مع ما سبقها من نقاط. ماذا تقول هذا النقاط؟ تقول أن علينا أن نكشف، أن ندمر، كل الأوهام، أن ننزع فعالية النقابات، وبكلمات أخرى أن نهدمها. وفجأة في النقطة الخامسة يتحدث عن القيادة. بالنسبة لي فإن للنقابات مضموناً محدداً، وإذا سعيت لقيادتها فأنا بالتالي أتبنى هذا المضمون، وعليه يجب أن أنظم مواردها المالي، إلى آخره.. هذه ليست سوى وجهة نظر منشفية منحرفة” (25).

نجح الرفيق جوزيف في تجاوز تلك الاعتراضات، وفي النهاية تم تمرير القرار وإرساله إلى لينين في جينيف. لم يعجب ذلك القرار لينين على الإطلاق، وفي 30 ديسمبر 1905 كتب إلى لجنة أوديسا واصفاً فداحة خطأ القرار:

“بشكل عام، أظن أن علينا ألا نبالغ في النضال ضد المناشفة في هذه القضية. ربما يكون هذا هو الوقت الذي تبدأ فيه النقابات العمالية في الانتعاش. ينبغي علينا ألا ننعزل، ولا نترك فرصة للتفكير في الانعزال، بل أن نناور من أجل المشاركة ومن أجل التأثير، إلخ.. ينبغي علينا أن نشرع على الفور في إرساء تقليد مشاركة الاشتراكية الديمقراطية، وقيادة الاشتراكية الديمقراطية” (26).

وبعد عدة أشهر، قدم لينين قراراً في مؤتمر ستوكهلم في أبريل – مايو 1906 (مؤتمر الوحدة):

“1- يتعيّن على جميع المنظمات الحزبية تشجيع تشكيل نقابات غير الحزبية، وتحفيز جميع أعضاء الحزب للانضمام إلى النقابات العمالية في المهن والحرف التابعين لها.

2- ينبغي على الحزب بذل كل جهد لتثقيف العمال في نقاباتهم بروح الصراع الطبقي وأهداف البروليتاريا الاشتراكية، وذلك من خلال أنشطتها من أجل احتلال مكانة قيادية في هذه النقابات، وأخيراً لضمان أن ترتبط هذه النقابات، في ظل ظروف معينة، بالحزب – لكن من دون إقصاء العمال غير الحزبيين من قواعدها” (27).

وعلى جبهة موازية، وبالإضافة إلى معركته ضد الموقف العصبوي لبعض القادة البلاشفة تجاه النقابات، خاض لينين معركة أخرى أكثر إلحاحاً في مواجهة كل أعضاء لجنة بطرسبورج بشأن السوفييت المؤسس حديثاً. أفرز الإضراب العام في أكتوبر 1905 سوفيت بطرسبورج لمندوبي العمال، حيث بدأت موجة من الإضرابات الجماهيرية من إضراب صغير لعمال الطباعة في موسكو الذين طالبوا ببضعة كوبيكات إضافية لكل ألف خطاب مطبوع، ومن ثم انتشر الإضراب عفوياً كالنار في الهشيم عبر روسيا. وتعود مبادرة إنشاء السوفييت في الحقيقة إلى المناشفة الذين، على الرغم من ذلك، لم يكن لديهم أي تصور عما يمكن أن يكون لهذا السوفييت من تأثير على المدى الطويل. إلا أن لجنة بطرسبورج البلشفية أظهرت في ذلك الوقت عدائية قصوى تجاه السوفيت.

كان ب. أ. كراسيكوف قد حذر الأعضاء البلاشفة من “هذه المكيدة الجديدة للمناشفة”، واصفاً السوفييت بأنه “لجنة زوباتوفية لا حزبية” (28). أما بوجدانوف، القائد البلشفي الأبرز داخل روسيا آنذاك، فقد جادل بأن هذا السوفيت، والذي يشمل رجالاً من كافة ألوان الطيف السياسي، يمكن بسهولة أن يصبح نواةً لحزب عمالي مستقل ومناهض للاشتراكية (29). كتب ب. ي. جوريف، أحد ممثلي المركز البلشفي في بطرسبورج، بوضوح أنه “عندما تمدد سوفيت بطرسبورج وصار يمثل قوة ثورية موحدة، أخذت لجنة بطرسبورج تشعر بالفزع”، لقد بنى هذا الاستنتاج على ملاحظة أبدتها نينا لفانوفا، البلشفية واسعة النفوذ في لجنة بطرسبورج، على قرارات أحد الاجتماعات:

“أتذكر جيداً كلمات نينا لفانوفا: “لكن ما الذي نحن بصدده الآن؟ علينا إذن أن نحسب لهم حساباً! يصدر السوفييت مراسيمه، ونحن نسير في ذيلها، ولا نستطيع أن نصدر مراسيمنا الخاصة”، إلخ.

انعكست الحالة نفسها في قرارات الاجتماعات القطاعية، بالأخص في بيتربورجسكايا ستورونا، حيث كان القادة هناك هم دوروشينكو ومندليف، والآن أصبح المنشفي الشهير شوارز مونوزون. لقد طالبوا السوفييت إما بالتحول إلى تنظيم نقابي أو القبول ببرنامجنا، ومن ثم الاندماج في منظمة الحزب” (30).

كان موقف لجنة بطرسبورج البلشفية تجاه السوفييت سلبياً للغاية؛ بعض الأعضاء أرادوا مقاطعته بدعوى أن العمل في السوفييت يعد أمراً ليس ضرورياً، بينما دافع آخرون عن الانضمام له وبقدر الإمكان دفع المزيد من البلاشفة داخله بغرض “تفجيره من الداخل”، وبالطبع رأوا السوفييت كياناً لا ضرورة له (31).

في اجتماع للمكتب التنفيذي البلشفي لمقاطعة نيفا في بطرسبورج بتاريخ 29 أكتوبر:

“صوّت 15 عضواً لمعارضة المشاركة في السوفييت بدعوى أن “مبدأ الانتخاب لا يضمن الوعي الطبقي والطابع الاشتراكي الديمقراطي له”. أربعة صوّتوا ضد المشاركة إذا لم يقبل السوفييت برنامج اشتراكي ديمقراطي. تسعة صوّتوا لصالح المشاركة، بينما امتنع اثنان عن التصويت” (32).

أما أحد أسباب هذا الموقف السلبي للبلاشفة تجاه السوفييت في 1905 هو التفاعل الإيجابي للمناشفة معه. “وفي إدانة لعدم التماسك وافتقار المناشفة للمبادئ، استقر البلاشفة على مقاطعة السوفيت” (33).

أرسلت اللجنة المركزية البلشفية، في 27 أكتوبر، خطاباً لكل منظمات الحزب، أشارت فيه بوضوح إلى الخطر الكامن وراء:

“تلك التنيظمات التي تشمل عمالاً غير المنظمين سياسياً وغير ناضجين اشتراكياً والتي تنشأ خلال الحركة الثورية العفوية للبروليتاريا.. كل من تلك التنظيمات تعبر عن مرحلة معينة من التطور السياسي للبروليتاريا. لكن إذا ظلت بعيدة عن الاشتراكية الديمقراطية، ستبقى من الناحية الموضوعية في خطر يحجز البروليتاريا في مستوى بدائي وبالتالي يُخضع البروليتاريا للأحزاب البرجوازية”.

كان سوفييت بطرسبورج لمندوبي العمال هو أحد “تلك التنظيمات”. طلبت اللجنة المركزية من الاشتراكيين الديمقراطيين المشاركين في السوفييت: 1) أن يدعون السوفييت لقبول برنامج حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي، ومن ثم يعترف بقيادة الحزب وأن يندمج السوفييت فيه بالكلية، 2) إذا رفض السوفييت برنامج الحزب، أن يغادروا السوفييت، بل وأن يكشفوا طبيعته المناهضة للبروليتاريا، 3) وفي حالة رفض السوفييت برنامج الحزب وإصراره على الاحتفاظ بحق تحديد القرار السياسي، أن يبقى الاشتراكيين الديمقراطيين فيه لكن في نفس الوقت أن يحتفظوا هم أيضاً بحق التحدث عن “سخافة مثل تلك القيادة السياسية” (34).

بعد أيام قليلة، توجه الرفيق أنطون (كراسيكوف) بالفعل بإسم البلاشفة إلى سوفييت بطرسبورج عارضاً عليه برنامج الحزب وداعياً لقبوله واعتراف السوفييت بقيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي. “على ما أتذكر، كان النقاش مختصراً للغاية، اعترض خراستاليف على طرح كراسيكوف الذي تلقى بالكاد تأييداً ضئيلاً. لكن على عكس ما خطط له بوجدانوف، لم يغادر البلاشفة السوفييت” (35).

تطلب الأمر تدخلاً مباشراً من لينين كي يعيد ضبط بوصلة القيادة البلشفية في بطرسبورج بإخراجها من هوة الموقف العصبوي تجاه السوفييت. لقد بقى لينين بالخارج ما يقرب من الشهر بعد تأسيس السوفييت، وفي طريقه إلى بطرسبورج (التي عاد إليها في 8 نوفمبر) قضى لينين أسبوعاً في ستوكهلم حيث كتب مقالته الشهيرة “مهامنا وسوفييت مندوبي العمال”. وفي خطاب لمحرر جريدة “نوفايا جيزن” البلشفية، كتب لينين:

“سوفييت مندوبي العمال أم الحزب؟ أعتقد أنه من الخطأ أن نضع السؤال على هذا النحو، كما أظن أن القرار يجب بالتأكيد أن يكون: سوفييت مندوبي العمال والحزب معاً. إن السؤال الوحيد والأكثر أهمية هو كيف يمكن أن نقسم، وأن ندمج، مهام السوفييت ومهام حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي.

أعتقد أنه ليس من الحصافة أن نوصي السوفييت بالاندماج كليةً في أيٍ من الأحزاب” (36).

لا شك أن السوفييت كان يخوض نضالاً اقتصادياً متوازياً ومتشابكاً مع النضال السياسي. عن ذلك النضال الاقتصادي، قال لينين:

“هل ينبغي أن يجري هذا النضال فقط بواسطة الاشتراكيين الديمقراطيين، أو فقط تحت الراية الاشتراكية الديمقراطية؟ لا أعتقد ذلك، ولازلت متمسكاً بوجهة النظر التي كنت قد عبرت عنها في “ما العمل؟” (بالطبع في ظل ظروف مختلفة فات آوانها) وهي أنه ليس من الحصافة أن نحصر تركيبة النقابات، وبالتالي أولئك المشاركين في النضال الاقتصادي النقابي، على أعضاء الحزب الاشتراكي الديمقراطي” (37).

وفي تناوله للنضال السياسي للسوفييت:

“في هذا الصدد، لا أعتقد أنه من المناسب أن نطالب سوفييت مندوبي العمال بقبول البرنامج الاشتراكي الديمقراطي والانضمام إلى حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي. يبدو لي أن النضال السياسي الذي يقوده السوفييت والذي يقوده الحزب ضروريين على حد سواء” (38).

جادل لينين بأن السوفييت لا يمثل فقط شكلاً تنظيمياً للبروليتاريا في نضالها، لكن أيضاً شكلاً مستقبلياً لسلطة العمال والفلاحين الثورية.

“ينبغي النظر سياسياً لسوفييت مندوبي العمال باعتباره جنيناً للحكومة الثورية المؤقتة. كما أعتقد أنه ينبغي على السوفييت إعلان نفسه كحكومة ثورية مؤقتة لعامة روسيا في أقرب وقت بقدر الإمكان، أو أن يؤسس بنفسه حكومة ثورية” (39).

ومن أجل ذلك ينبغي توسيع قاعدة السوفييت، كما ينبغي أيضاً:

“أضف إلى ذلك مشاركة مندوبين جدد، ليس فقط من بين العمال، لكن أولاً من البحارة والجنود المتشدقين في كل مكان للحرية، وثانياً من الفلاحين الثوريين، وثالثاً من الإنتجلنسيا البرجوازية الثورية. نحن لسنا خائفين من مثل تلك التركيبة الواسعة والمتعددة للسوفييت، فنحن نريد ذلك بالتأكيد. لكن إذا لم تتوحد البروليتاريا مع الفلاحين، وإذا لم يشكل الاشتراكيون الديمقراطيون والثوريون الديمقراطيون تحالفاً نضالياً، لن تتمكن الثورة الروسية العظيمة من الانتصار بشكل كامل” (40).

هذا الخطاب رفضه محرر “نوفايا جيزن”، وظهر للمرة الأولى بعد ذلك بأربعة وثلاثين عاماً بجريدة البرافدا في 5 نوفمبر 1940.

منذ البداية، كان تقدير لينين للدور المستقبلي الذي يمكن للسوفييت أن يضطلع به، متفوقاً على توقعات وتقديرات جميع رفاقه. بالنسبة له، لم يكن السوفييت مجرد شكل تنظيمي جديد للبروليتاريات في نضالها، بل أيضاً نواة لسلطة عمالية مستقبلية بديلة. لم يطوّر لينين هذه الفكرة من العدم، بل من خلال استخلاص وتعميم خبرة العمال وتطور مستوى وعيهم. القصة التالية، التي ذكرها تروتسكي في كلاسيكيته “تاريخ الثورة الروسية”، توضح الأمر برمته:

“ذهب ذات مرة عجوز قوزاقي، من محافظة بولتافا، يشكو من ظلم الأميرة ريبنين، التي استغلت عمله ككاتب لديها لثمانية وعشرين عاماً، ثم طردته بعد ذلك دون سبب، طلب العجوز من السوفييت أن يفاوض الأميرة نيابةً عنه. كانت عريضته المثيرة معنونة بـ “إلى الحكومة العمالية – بطرسبورج” (41) (1*).

بعد عام كامل من كتابته للمقالة المشار إليها، وبعد التجربة المذهلة لانتفاضة ديسمبر 1905 في موسكو، عمّق لينين مفهومه عن العلاقة بين السوفييت والحكومة الثورية. وبعد عام من جداله بأن السوفييت يمثل نواة للحكومة الثورية المستقبلية، صار لينين يجادل بقوة أن السوفييت لم يكن بإمكانه الاستمرار في الحياة مستقلاً عن الظرف الثوري الذي أحاط به، ولا يمكنه في حد ذاته أن ينظم الانتفاضة المسلحة للاستيلاء على السلطة السياسية.

“مثلت سوفييتات مندوبي العمال أجهزة حقيقية للنضال الجماهيري، فلقد نشأت بالأساس كأشكال قاعدية لتنظيم الإضرابات، وتحت ضغط الظروف تطورت سريعاً لتصبح أجهزة للنضال الثوري العام ضد الحكومة، ولقد أدى تطور الأحداث والانتقال من الإضراب إلى الانتفاضة، إلى تحويلها لأجهزة للانتفاضة. وكان هذا هو الدور الذي لعبه عدد من السوفييتات واللجان في ديسمبر بشكل فعلي لا يقبل الجدل. ولقد أثبتت الأحداث بما لا يدع مجالاً للشك أن قوة وأهمية هذه الأجهزة في وقت القتال العسكري يعتمد بالكامل على قوة ونجاح الانتفاضة.

لم يكن الأمر يتعلق بالنظرية، ولا بتاكتيكات ابتدعها شخص ما، ولا بمبادئ الحزب, بل كان ضغط الظروف هو الذي دفع هذه الأجهزة الجماهيرية اللا حزبية لإدراك الحاجة إلى الانتفاضة، وهو الذي حوّلها إلى أجهزة للانتفاضة نفسها.

لكن إذا كان الأمر كذلك – وهو كذلك بلا شك – فإن الاستنتاج الذي يمكن أن نتوصل إليه هو أن السوفييتات وغيرها من المؤسسات الجماهيرية ليست كافية في حد ذاتها لتنظيم الانتفاضة. هذه الأشكال التنظيمية ضرورية للغاية من أجل التحام الجماهير سوياً، من أجل توحيد الجماهير في النضال، من أجل توفير المساحة لقيادة الشعارات السياسية التي يرفعها الحزب (أو التي يُتفق عليها بين الأحزاب)، لإيقاظ الجماهير وجذبهم. لكنها ليست كافية لتنظيم القتال الفوري، ليست كافية لتنظيم الانتفاضة بالمعنى الضيق للكلمة” (43).

هذا المسار يكشف بجلاء عن الفهم العميق لدى لينين لتشابك العلاقة الاستراتيجية بين السوفيتات والانتفاضة المسلحة، حتى بالرغم من أن لينين قد بنى هذا الفهم على أساس خبرة عدد محدود من العمال. يمكننا القول أن هذه الفقرات تكاد تخبرنا بنبذة مختصرة عما حدث لاحقاً في ثورة 1917.

اشتملت السوفيتات في عضويتها على كل الطبقة العاملة بمختلف أطياف وعيها. وعلى الرغم من ارتباط صعود السوفيتات بفترة المد الثوري، إلا أنه ليس من الضروري أن يعتلي الثوريون أنفسهم قيادتها، بل قد يقودها أعداء الثورة كما حدث بعد ثورة فبراير 1917 الروسية حين أيدت قيادات السوفيتات الحكومة البرجوازية المؤقتة والحرب الإمبريالية التي خاضتها. ثورة ألمانيا 1918 تعطي لما مثالاً آخر؛ فلم تستبعد مجالس العمال في برلين روزا لكسمبورج وكارل ليبكنخت فقط، بل أيضاً أيدت هي الأخرى الحكومة الرأسمالية التي خنقت الثورة واغتالت القادة الأبرز لها – روزا وليبكنخت.

الحزب الثوري إنما يمثل طليعة الطبقة العاملة، ومن أجل حوذ السلطة العمالية لابد من التكامل بين الدور الذي تضطلع به السوفيتات ودور الحزب الثوري، إذ أن “السوفيتات والمؤسسات الجماهيرية المشابهة لا تكفي في حد ذاتها لتنظيم الانتفاضة”. وحتى إذا حظى الحزب الثوري بنفوذ واسع داخلها، لا يمكن للسوفيتات أن تعد العدة للانتفاضة وحدها. فتلك المؤسسات الجماهيرية القاعدية تفتقر إلى الانسجام اللازم لتنظيم التحرك المباشر الذي يباغت الطبقة الحاكمة في الانتفاضة المسلحة. وبالرغم من ضرورتها في إضفاء الطابع الجماهيري والشرعي للانتفاضة، إلا أنها، كما أوضح لينين قبل 1917 بسنوات عديدة، “غير كافية لتنظيم انتفاضة بالمعنى الحرفي للكلمة”.

من المفيد في هذا السياق أن نجري مقارنة سريعة بين تحليل لينين لدروس وخبرات العام 1905 وتحليل كل من روزا لكسمبورج وليون تروتسكي. في كتابها المتميز “الإضراب الجماهيري والحزب السياسي والنقابات”، لم تشر روزا لكسمبورج، والتي شاركت بنفسها في ثورة 1905، أي إشارة للسوفييت على الإطلاق. وفقط في العام 1918، أدركت روزا دور السوفييت كحكومة عمالية.

“لم تحدد روزا لكسمبورج أي دور حكومي يمكن أن تلعبه السوفيتات.. وعلى الرغم من إدراكها بأهميتها، إلا أنها مثلت بالنسبة لها أداة عفوية للنضال ليست مدرجة كهيكل مؤسسي دائم. هيمن ذلك المفهوم على السبارتاكيين في ألمانيا بعد 12 عاماً حين واجه قادة سبارتاكوس مطلب الحزب الاشتراكي الديمقراطي بالجمعية التأسيسية، حينها حددوا دوراً أكثر إيجابية ودواماً لمجالس العمال والجنود، تلك المجالس التي تأسست متأثرة بإلهام النموذج الروسي” (44).

أما تروتسكي، والذي انتُخب رئيساً لسوفييت بطرسبورج في 1905، والذي تنبأ بالمضمون الاشتراكي للثورة الروسية، فقد كتب من زنزانته بعد انقضاء الثورة، واصفاً دور السوفييت كحكومة عمالية:

“مثّل السوفييت حكومة عمالية حقيقية في طورها الجنيني.. قبل بناء السوفييت كانت هناك أعداداً وافرة من التنظيمات الثورية، لكنها تنظيمات داخل البروليتاريا هدفها الفوري هو التأثير على الجماهير. إلا أن السوفييت كان، منذ البداية، تنظيماً للبروليتاريا يهدف للنضال من أجل السلطة الثورية. ومع السوفييت، شهدنا الظهور الأول للسلطة الديمقراطية في روسيا الحديثة. السوفييت هو السلطة المنظمة للجماهير نفسها، السلطة التي أسست لديمقراطية أصيلة، من دون غرف مغلقة أو خلفية، من دون بيروقراطية رتيبة وخانقة، لكن على أساس حق المصوتين في عزل مندوبيهم في أي لحظة. وبواسطة أعضائه – المندوبين المنتخبين مباشرةً من العمال – يخوض السوفييت ويتمرس في قيادة كافة مظاهر الحياة اليومية للبروليتاريا ككل، وللمجموعات الفردية على حدا، منظماً حركتها، وموفراً إياها الشعار واللواء” (45).

لكن ما يدعو للاستغراب حقاً هو أنه، بعد انقضاء بضعة أشهر جرت فيهم تصفية كاملة للسوفييت، لم يذكر تروتسكي السوفييت ولو من بعيد في كتاباته عن خبرات العام 1905. لم يبذل تروتسكي أي جهد يُذكر لتحديد أي شكل يمكن أن تتخذه حكومة العمال الثورية: “إن الثورة هي قضية حكم أولاً وأخيراً، ولا يهمها شكل الدولة (جمعية تأسيسية، جمهورية، ولايات متحدة) بقدر ما يهمها مضمون الحكم الاجتماعي” (46). لقد أخذ تروتسكي ببراعة في توصيف السوفيتات وقت صعودها، لكن لم يكن لها أية أهمية بالنسبة له سوى كونها عملية تاريخية.

على الجانب الآخر من هؤلاء، نجد المناشفة، الذين بادروا منذ البداية وساهموا بشكل كبير في بناء السوفييت، إلا أن السوفيتات بالرغم من ذلك لم تكن تعني لهم لا منظمة جماهيرية قاعدية للنضال من أجل السلطة، ولا حتى نواة لحكومة عمالية مستقبلية (2*). كانت فقط تمثل بالنسبة لهم “برلماناً بروليتارياً”، “كياناً ثورياً لتحديد المصير”، وهلمجرا.

هوامش:

(1*) في الحقيقة، بعد ثلاثة أيام من الأحد الدامي، طرح لينين الحاجة إلى لجان شعبية ديمقراطية لقيادة النضال. “ستُقام اللجان الثورية في كل مصنع، وفي كل حي، وفي كل قرية كبيرة. ستُسقط ثورة الشعب جميع المؤسسات الحكومية للأوتوقراطية الروسية وتعلن الدعوة الفورية لانعقاد الجمعية التأسيسية” (42).

(2*) يُذكر أن القيادي المنشفي مارتوف قد ألقى بياناً، قبيل انتفاضة أكتوبر البلشفية، جاء فيه: “إن سوفيتات نواب العمال والجنود، التي تألفت في الأيام الأولى من الثورة إثر نهوض جبار في عبقرية الشعب الخلاقة الحقيقية، قد شكلت قماش الدولة الثوري الجديد الذي يحل محل الهيكل البالي لدولة النظام القديم”. (ورد الاقتباس في الأعمال الكاملة للينين – المجلد 34، مقالة “هل يحتفظ البلاشفة بالسلطة؟”، صفحة 291).

أثنى لينين على ذلك البيان، لكن على الرغم مما جاء فيه، ظل التردد ينتاب المناشفة تجاه السوفيتات التي عارضوا استيلائها على السلطة، بينما استمروا في تأييد الحكومة البرجوازية المؤقتة حتى قيام انتفاضة أكتوبر المسلحة – المترجم.

 

(1) S.S. Harcave, First Blood: the Russian Revolution of 1905, London 1965, p.23.

(2) Pokrovsky, op. cit., vol.2, pp.52-53.

(3) Lenin, Collected Works, vol.15, p.276.

(4) ibid., vol.8, p.118.

(5) Harcave, op. cit., p.97.

(6) Trotsky, 1905, New York 1972, p.77.

(7) ibid., p.76.

(8) Lenin, Collected Works, vol.8, p.97

(9) ibid., p.98.

(10) ibid., p.167.

(11) Tretii sezd RSDRP, op. cit., p.54.

(12) N. Doroshenko, The Role of the Social-Democratic Bolshevik Organisations in January 1905 Days, Krasnaia letopis, no.3, 1925, p.211, quoted in Schwarz, op. cit., pp.68-69.

(13) Doroshenko, op. cit., p.212.

(14) ibid., pp.213-4.

(15) ibid., p.214.

(16) ibid., p.215; Schwarz, op. cit., pp.68-70.

(17) Lenin, Collected Works, vol.8, p.90-91.

(18) ibid., p.114.

(19) Krupskaya, op. cit., p.104.

(20) Lenin, Collected Works, vol.8, p.106.

(21) ibid., p.416.

(22) Krupskaya, op. cit., pp.104-05.

(23) The Correspondence of N. Lenin and N.K. Krupskaya with S.I. Gusev, Proletarskaia revoliutsiia, No.2(37), 1925, pp.23–4; Schwarz, op. cit., p.66.

(24) ibid., p.36; Schwarz, ibid.

(25) The Correspondence of N. Lenin and N.K. Krupskaya with the Odessa Organisation, Proletarskaia revoliutsiia, December 1925, p.62, quoted in Schwarz, op. cit., pp.157-58.

(26) Lenin, Collected Works, vol.34, p.359.

(27) ibid., vol.10, pp.160-61.

(28) V.S. Voitinsky, Gody pobed 11. porazhenii, Moscow 1923, quoted in J.L.H. Keep, The Rise of Social Democracy in Russia, London 1964, p.230.

(29) Voitinsky, op. cit., p.194; Keep, op. cit., p.231.

(30) B.I. Gorev, Iz partiinogo proshlogo, Leningrad 1924, pp.75–76; Schwarz, op. cit., p.180.

(31) Schwarz, ibid., pp.180-81.

(32) Novaia zhizn, no.5, November 1905; Lane, p.88.

(33) P. Gorin, Ocherki po istorii sovetov rabochikh deputatov v 1905 godu, Moscow 1925, p.60; Schwarz, op. cit., p.181.

(34) V.I. Nevsky, Sovety v 1905 godu, pp.39–40, 70; Schwarz, op. cit., pp.183-84.

(35) In Sverchkov, Na zare revoliutsii, Moscow 1921, pp.6-7; Trotsky’s letter serves as a foreword; Schwarz, op. cit., p.181.

(36) Lenin, Collected Works, vol.10, p.19.

(37) ibid., p.20.

(38) ibid., p.21.

(39) ibid., p.21.

(40) ibid., pp.23-24.

(41) Trotsky, 1905, op. cit., p.224.

(42) Lenin, Collected Works, vol.8, p.99.

(43) ibid., vol.11, pp.124-25.

(44) Nettl, op. cit., vol.1, p.340.

(45) Trotsky, 1905, op. cit., pp.251, 253-54.

(46) Trotsky in Nashe slovo, October 17, 1915.

ورد النص باللغة العربية في “نتائج وتوقعات”، ليون تروتسكي، ترجمة بشار أبو سمرا، صفحة 52، دار الطليعة، بيروت.

« السابق التالي »