بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

لينين – بناء الحزب

« السابق التالي »

تمرد الفلاحين

الفلاحون يقتحمون المشهد

بعد شن النضال في المدن الروسية، انفجرت الانتفاضات الفلاحية عبر الريف الروسي لتتطور نضالات الفلاحين بعد ربيع 1905 إلى مصادرة أراضي كبار الملاك والاستيلاء على ممتلكاتهم ومحاصيلهم وماشيتهم، إلخ. يصف أحد المؤرخين حركة الفلاحين كالتالي:

“في جنوبي موسكو، في أعماق الأرض السوداء، تقع مقاطعة كورسك والتي اندلعت لها الاضطرابات الفلاحية الأكثر قوة وأهمية خلال الفترة الثورية. وفي ليلة 6 فبراير 1905، كان هناك اضطراباً كبيراً في قرية خولزوفكي وآثار تدمير للغابة طول الطريق المؤدي لأرض أحد أبناء بوبوف. وحينما ظهر الجنود، كان الأوان قد فات؛ فكان الفلاحون قد قطعوا كمية كبيرة من الأخشاب ليقاوموا الشرطة.. ومن خولزوفكي انتشرت الاضطرابات إلى كافة القرى المحيطة وكأنما كانت خطة معدة مسبقاً – كما قالت تقارير الشرطة.. وحينما انتشرت مفرزة أخرى من الجنود، كانت الاحتجاجات قد انتشرت في أربعة قرى أخرى” (1).

في صيف 1905، امتدت الاضطرابات الفلاحية عبر 60 مقاطعة في 27 محافظة، وفي الأشهر الثلاثة الأخيرة من نفس العام انتفض الفلاحون في 300 مقاطعة في 47 محافظة (2).

“وصلت حركة الفلاحين أقصى درجات القوة والعنف في المنطقة المركزية المحرومة، حيث هوجمت قصور ملاك الأرض الكبار وممتلكاتهم. نظم الفلاحون الإضرابات في قرى الجنوب، أما في الشمال فقد كان إتلاف الغابات هو الشكل الاحتجاجي الشائع. وحينما كان الغضب الاقتصادي يمتزج بالمطالب السياسية، كان الفلاحون يمتنعون عن دفع الضرائب للسلطات الإدارية (3).

وقعت أكثر الأحداث عنفاً وعصفاً في ساراتوف في نهاية العام 1905، حيث انخرط كافة الفلاحين في الانتفاضة دون أن يتخلف واحدٌ منهم، وطُرد الملاك الكبار من قصورهم وصودرت ممتلكاتهم وأراضيهم وماشيتهم. تشكلت على الفور فرق فلاحية مسلحة قامت بتوزيع الأملاك المُصادرة على الفلاحين، وهرب رجال الشرطة، وفي بعض المناطق ألقى الفلاحون المسلحون القبض عليهم” (4).

استمرت انتفاضات الفلاحين عبر روسيا من خريف 1905 وحتى خريف 1906، فيما كان الهدف هو التخلص من ميراث العلاقات الإقطاعية في الملكية والإنتاج. كانت القضية الزراعية تسيطر على روسيا لعدة عقود ثار فيها الفلاحون مراراً وتكراراً للقضاء على الملكية الإقطاعية؛ فلقد كانت الحركة الفلاحية الثورية قائمة لفترة طويلة ولها تراثها وتأثيرها الواسع على جماهير روسيا بشكل عام.

لم يكن الفلاحون يشكلون طبقة متجانسة، بل فئة اجتماعية تتمايز إلى طبقات مختلفة؛ فهناك الفلاحون الأغنياء (الكولاك)، والفلاحون المتوسطون، وأخيراً الفلاحون الفقراء والعمال الزراعيين. قسّم لينين سكان الريف في روسيا عام 1905 بحسب الملكية كما هو موضح في الجدول التالي:

الفئة عدد الحيازات (بالمليون) المساحة الإجمالي للأرض (بالمليون ديسياتين) متوسط عدد الديسياتينات في الحيازة الواحدة
فلاحون مسحوقون بالاستغلال الإقطاعي 10,5 75,0 7,0
فلاحون متوسطون 1,0 15,0 15,0
برجوازية فلاحية 1,5 70,0 46,7
إقطاعيون 0,03 70,0 2333,0
إجمالي 13,03 230,0 17,6
غير مُصنف 50
إجمالي 13,03 280,0 21,4

إن تقسيم الأراضي بين حفنة من الملاك الكبار من جانب، وجماهير عريضة من الفلاحين الفقراء من جانب آخر – بمعدل حوالي 330 عائلة فلاحية مقابل كل مالك كبير – يكمن وراء التخلف التقني المروّع في الزراعة، ووضع الفلاحين المظلومين والمضطهَدين، وأشكال الاستغلال بالسخرة الإقطاعية.

وفي ظل نظام السخرة في الزراعة، كانت حيازات الفلاحين تعني وسيلة لتزويد الملاك الكبار بالأيدي العاملة الرخيصة والأدوات اللازمة والثروة الحيوانية. كان الملمح الرئيسي لهذا النظام هو تأجير العمل، حيث يُدفع للفلاحين أجوراً مسبقاً خلال فصل الشتاء مقابل ما سيقومون به من أعمال خلال فصل الصيف. لكن الفلاحين خلال الشتاء يكونون في حاجة ماسة للأموال، لذا يُجبرون على قبول شتى أنواع الابتزاز والاستغلال. كان هناك شكل آخر لتأجير العمل، ما عُرف بـ”تجميع خدمات العمل”، حيث يلتزم الفلاحون، مقابل المال أو استئجار قطعة من الأرض، بحصاد محصور ديسياتين واحد للمالك في الربيع، وآخر في الشتاء، وأحياناً ديسياتين آخر في أراضي المروج، بأدواتهم وأحصنتهم هم.

أما أراضي الوقف، تلك المأساة الكبرى للفلاحين، فكان الاستغلال البشع هو سيد الموقف فيها. هذه الأراضي، التي كان ملاك الأرض قد سرقوها من الفلاحين إثر “تحرير العبيد” في 1861، شكلت ما يقرب من خُمس حيازات الفلاحين الأصلية. بل كانت تلك من أفضل الأراضي وأكثرها خصوبة، وبالتالي حُرم الفلاحون من المروج والمراعي، ومن الوصول إلى الغابات والأنهار. كان الفلاح مضطراً أيضاً، من أجل الحفاظ على حيازته، للعمل في أراضي الملاك الكبار والإقطاعيين، أو لدفع مبالغ باهظة تزيد حتى عن القيمة الإيجارية للأرض (بحوالي 50 – 70%). ويمكن للفلاح أن يتحرر من هذا الالتزام من خلال “دفع الفداء”، والذي كان يفوق ثمن الأرض في السوق. وبحلول 1905، كان الملاك الإقطاعيين قد جمعوا 1,9 مليار روبل من رسوم وفوائد الفداء، هذه المبالغ الطائلة كانت تفوق ثلاثة أضعاف القيمة السوقية للأرض، مع الأخذ بعين الاعتبار انخفاض قيمة الروبل خلال 44 عاماً منذ 1861. وهكذا فإن توق الفلاحين للإفلات من هذه الإلزامات القسرية قد وضعهم تحت نير ابتزاز الإقطاعيين، ناهيكم عن خضوع الفلاحين للعمل في أراضي الوقف.

كانت حيازات الفلاحين تمثل رقعاً ضئية من الأرض، تكونت في الغالب من أشرطة ضيقة متناثرة وذات تربة رديئة؛ فالأراضي الأكثر خصوبة انتزعها الملاك الكبار والإقطاعيين في 1861.

كان مجتمع القرية يعزز سلاسل العبودية التي تكبل الفلاحين الفقراء. هذا الاستخدام القسري الجماعي للأرض تميز بالتناوب الإجباري للدورات الزراعية والمراعي غير المجزأة. لقد استخدم ملاك الأرض الكبار مجتمع القرية لتكثيف الاضطهاد الإقطاعي ولابتزاز الفلاحين لدفع الفداء وغيره من المدفوعات.

الماركسية والفلاحون

منذ البدايات الأولى للحركة الماركسية في روسيا، أدرك الماركسيون الأهمية القصوى للمسألة الزراعية، وبالأخص قضية الفلاحين. وقد طالبت المسودة الأولى لبرنامج الماركسيين الروس، التي أصدرتها مجموعة تحرير العمل في 1885 بالتالي:

“مراجعة جذرية للعلاقات الزراعية، أي للشروط التي يتم وفقها استبدال وحيازة الأرض في المجتمعات الريفية، ويُمنح الحق في رفض الحيازات الخاصة بهم وترك البلدية لأولئك الفلاحين الذين قد يجدون من المفيد القيام بذلك، إلخ”.

كان ذلك كل ما قاله البرنامج حيال المسألة الزراعية. وبعد سنوات لاحقة، علّق لينين عليه قائلاً: “إن خطأ ذلك البرنامج لم يكمن في مبادئه أو مطالبه الجزئية، إنما في طابعه المجرد، وفي غياب أي رؤية متماسكة وملموسة للموضوع، أو بالأحرى إنه ليس برنامجاً، إنما تصريح ماركسي بمفردات عامة للغاية”، لكنه ما لبث أن أضاف أن:

“بالطبع سيكون من السخيف أن نلقي بلوم هذا الخطأ على واضعي البرنامج، الذين قد أرسوا مبادئ معينة قبل تأسيس حزب العمال بفترة طويلة. على العكس، ينبغي التأكيد بشكل خاص على أن حتمية “المراجعة الجذرية” للإصلاح الفلاحي طُرحت قبل الثورة الروسية بعشرين عاماً” (8).

عمد لينين في بداية حياته السياسية إلى الدراسة الدقيقة للحياة الريفية، فأول ما كتب كان “تطورات اقتصادية جديدة في الحياة الفلاحية”، ربيع 1893. وفي 1899، نشر لينين أول عمل نظري كبير له، والذي كان قد كتبه وأنهى الأبحاث المتعلقة به خلال فترة مكوثه في السجن ثم في المنفى في سيبيريا، كان ذلك بعنوان “تطور الرأسمالية في روسيا”. اشتمل ثلثي الكتاب على تحليل رائع وموثق للتطور الرأسمالي في الريف الروسي، وتحلل الاقتصاد الإقطاعي، والتنوع المتشابك والمعقد للأشكال الانتقالية التي ظهرت في الحياة الريفية. ووفرت تلك الدراسة النظرية المتعمقة أرضية مناسبة تطورت عليها من الناحية العملية السياسة الزراعية والاستراتيجية والتكتيك لدى الماركسيين الروس.

ثم في 1901، كتب لينين “حزب العمال والفلاحون”، ذلك العمل الذي بذل فيه جهداً لتطوير مسودة للبرنامج الزراعي للحزب. تبنى المؤتمر الثاني للحزب في 1903 هذه المسودة، فيما كانت المطالب المركزية للثورة الزراعية كالتالي:

“الإلغاء الفوري والكامل لمدفوعات الفداء.. وعودة مئات الملايين التي ابتزتها الحكومة من الشعب عبر سنوات لإرضاء جشع مالكي العبيد.. رد الأرض للفلاحين الذين حُرموا منها، وتحطيم الشروط التي لا تزال تربطهم بالعمل القسري والإنتاج بالسُخرة، تلك الشروط التي تُبقيهم تقريباً في حالة من العبودية” (9).

وخلال تطويره للبرنامج الزراعي لتقديمه للمؤتمر الثاني للحزب، صاغ لينين الخطوط العامة التي تهدف إلى محو العلاقات الإقطاعية في الريف:

“أولاً، إن الثورة الزراعية ستكون بالضرورة جزءاً من الثورة الديمقراطية في روسيا. ومضمون هذه الثورة إنما يكمن في تحرر الريف من قيود العلاقات شبه الإقطاعية. ثانياً، من الزاوية الاجتماعية والاقتصادية فستكون ثورة برجوازية ديمقراطية، ولن تضعف تطور الرأسمالية، بل ستحفزه هو والتناقضات الطبقية للمجتمع الرأسمالي” (10).

وعلاوة على النقاط التي لم تُثر جدلاً، والتي لم يعدلها لينين – إلغاء الضرائب العقارية والاجتماعية من على الفلاحين، والحد من الإيجارات، وحرية استخدام الأرض عند الرغبة في ذلك – تضمن البرنامج الزراعي الذي اعتمده المؤتمر الثاني للحزب عدداً من البنود التي تطالب باسترداد مدفوعات فداء الأراضي، وإعادة أراضي الوقف. والمطلب الأخير هو مطلب مركزي في هذا البرنامج في الحقيقة (البند الرابع في البرنامج)؛ إذ كان الدافع وراءه هو أن يمثل وسيلة للقضاء على ميراث الإقطاع:

“طالما تظل أشكال القنانة والعبودية في الزراعة باقية إلى اليوم، بالإضافة إلى أراضي الوقف التي اقتُطعت من الفلاحين، فللفلاحين الحق في التخلص من ميراث الإقطاع بمصادرة الأرض، ولهم الحق في استرداد أراضي الوقف” (11).

كرر لينين وشدد كثيراً على هذه النقطة: “نحن نسعى لإثبات أن مطلب استرداد أراضي الوقف يمثل الحد الأقصى لما في وسعنا في برنامجنا الزراعي” (12). كما جادل في ذلك الوقت بأن تجاوز استرداد أراضي الوقف إلى ما هو أبعد من ذلك سيصبح بمثابة دعم الزراعة الصغيرة في مواجهة الزراعة الكبيرة.

“حين أتحدث بشكل عام، أقول أنها ليست مهمة الاشتراكيين الديمقراطيين أن يطوروا، أو أن يدعموا، أو أن يرسّخوا الزراعة الصغيرة والملكية الصغيرة” (13).

“حين أتحدث بشكل عام، أقول أنه من الرجعي أن ندعم الملكية الصغيرة لأن مثل هذا الدعم من شأنه أن يتصدى للاقتصاد الرأسمالي واسع النطاق، وبالتالي أن يعرقل التطور الاجتماعي، وأن يحجب النضال الطبقي ويطمسه. إلا أننا، في هذه الحالة، نريد أن ندعم الملكية الصغيرة في مواجهة ملكية العبيد” (14).

ماذا عن تأميم الأرض؟ في ذلك الوقت، في عام 1903، كان موقف لينين واضحاً: “إن مطلب تأميم الأرض، برغم أنه صحيح تماماً من حيث المبدأ، ومناسب للغاية في لحظات معينة، إلا أنه غير صالح سياسياً في الوقت الراهن” (15). فإذا كان هدف الثورة الزراعية هو تحطيم العلاقات الإقطاعية، فلم يكن ينبغي انتزاع كل أراضي الملاك العقاريين، بالأخص أراضي الزراعة الرأسمالية وتوظيف العمل المأجور.

لينين يتعلم من جابون

على الرغم من كل ذلك، أظهر عمق واتساع انتفاضة الفلاحين في ثورة 1905 كم كان برنامج لينين في 1903 محافظاً. وقد يكون من المثير أن نرى كم كان لينين شغوفاً بمعرفة مزاج الفلاحين في ذلك الوقت، وما إذا كانت مطالب استرداد أراضي الوقف تناسب هذا المزاج العام بينهم، حتى من خلال الأب جابون أو أحد الزوار الذي قدم إلى لينين بشكل عارض، البحار ماتينشينكو. تصف كروبسكايا أحد التلامذة جالساً في غرفة لينين:

“بدأ بالأطروحات التي تثبت صحة البرنامج الاشتراكي الديمقراطي، شارحاً إياه نقطة تلو الأخرى بحماسة المبتدئين المعهودة.. استكمل الشاب قراءة البرنامج، وقد أتى جابون وماتينشينكو. وبينما كنت أعد لهم الشاي، وصل الشاب للفقرة التي تتناول استعادة “قطع الأرض” للفلاحين. بعد قراءة هذه النقطة، أخذ الشاب يشرح أن الفلاحين ليس بمقدورهم أن يستكملوا النضال من أجل الأرض إلى ما هو أبعد من ذلك، حينها انتاب جابون وماتينشينكو الغضب، وصاحا: كل الأرض للشعب” (16).

لابد أن ذلك كان له وقع كبير على لينين:

“في مؤتمر ديسمبر في تاميرفورس، تقدم لينين لإسقاط هذه النقطة من البرنامج عن أراضي الفلاحين، وبدلاً منها تم إدارج فقرة عن دعم التدابير الثورية للفلاحين، بما في ذلك مصادرة أراضي الملاك، والأراضي الرسمية، وأراضي الكنيسة والتاج” (17).

لم يتستر لينين على أخطائه الماضية:

“في 1903 عندما اعتمد المؤتمر الثاني البرنامج الزراعي الأول لحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي، لم يكن لدينا بعد الخبرة التي من شأنها أن تمكننا من تقييم سمات واتساع وعمق الحركة الفلاحية بشكل صحيح. ظلت هبات الفلاحين في ربيع 1902 على شكل تفجرات متقطعة. لذا يمكن للمرء أن يفهم التحفظ الذي أبداه الاشتراكيون الديمقراطيون في صياغة البرنامج الزراعي” (18).

“بدون تجربة وخبرة حركة فلاحية واسعة النطاق، لم يكن ممكناً لبرنامج الاشتراكيين الديمقراطيين أن يغدو متماسكاً” (19).

“حاول برنامج 1903 أن يقدم تعريفاً متماسكاً لطبيعة وعناصر “المراجعة” التي تحدث عنها الاشتراكيون الديمقراطيون بشكل عام في 1885. هذه المحاولة – فيما يتعلق بالعنصر الأساسي للبرنامج الخاص بأراضي الوقف – كانت مبنية على تمييز أولي بين الأراضي التي تسود عليها العبودية والقنانة، وتلك التي يسيطر عليها النمط الرأسمالي. هذا التمييز كان مضللاً إلى حد كبير؛ ففي الحقيقة، على بساط الممارسة العملية، لم تكن حركة الفلاحين موجهة ضد أقسام معينة من الملاكين العقاريين، لكن ضد الملكية العقارية بشكل عام” (20).

بعد 1905، لم يكن هناك أي مبرر للاستمرار في ذلك الاتجاه الضيق والمحافظ.

“في الوقت الراهن، يُعد رفض مطلب مصادرة الملكية العقارية، بوضوح، تقييداً وتضييقاً لأفق حركة اجتماعية بدأت تتخذ شكلاً محدداً” (21).

وفي مؤتمر تاميرفورس البلشفي (17 – 12 ديسمبر 1905)، قدم لينين القرار التالي:

“يقر المؤتمر بأنه من المستحسن تعديل البرنامج الزراعي لحزبنا كما يلي: إلغاء البند الخاص بأراضي الوقف، وبدلاً منه إعلان عن دعم الحزب لتدابير الفلاحين الثورية، بما في ذلك مصادرة أراضي الدولة والكنيسة والتاج والملاك” (22).

تأميم الأراضي

انطلق لينين من هذه النقطة إلى المزيد من التنقيح والمراجعة للبرنامج الزراعي، حيث رفع شعار تأميم كافة الأراضي. وفي كراسه “مراجعة البرنامج الزراعي لحزب العمال”، مارس 1906، كتب:

“إذا جلب الانتصار الحاسم للثورة الراهنة في روسيا السيادة الكاملة للشعب، أي تأسيس الجمهورية ونظام دولة ديمقراطي بالكامل، سيسعى الحزب لإلغاء الملكية الخاصة للأرض ونقل جميع الأراضي إلى الشعب كله باعتبارها ملكية عامة” (23).

والفضل يرجع لقوة الحركة الفلاحية في إدراكه بأنه قد بالغ في 1903 في تقييم درجة توسع التطور الرأسمالي في الريف. لم تكن العلاقات الإقطاعية مضمحلة كما كان يعتقد من قبل، بل كان لها تأثير كبير على الأوضاع في الريف. وفي كتابه “البرنامج الزراعي للاشتراكية الديمقراطية في الثورة الروسية 07 – 1905″، أشار إلى أن:

“السبب وراء خطأ برنامج أراضي الوقف في 1903.. كان أننا قمنا بتعريف ماهية التطور بشكل جيد لكننا أسأنا ذلك فيما يتعلق بلحظة ذلك التطور. لقد ظننا أن عناصر الزراعة الرأسمالية كانت قد اتخذت شكلها الكامل في روسيا، سواء في أراضي الملاك الكبار (باستثناء أراضي الوقف بظروف العبودية السائدة عليها، وهنا يأتي مطلب إعادة هذه الأراضي للفلاحين)، أو في أراضي الفلاحين، والتي كان يبدو أنها ستمثل مناخاً لصعود برجوازية ريفية قوية، وبالتالي تكون غير قادرة على إحداث “ثورة زراعية فلاحية”. إن خطأ البرنامج كان نتيجة.. مبالغة في تقييم مستوى التطور الرأسمالي في الزراعة الروسية، حيث بدت لنا بقايا الإقطاع كتفصيلة ذات شأن هيّن، وأن الزراعة الرأسمالية في الحيازات الفلاحية وفي أراضي الملاك الكبار قد تأسست ونضجت بالفعل. وقد عالجنا هذا الخطأ باستبدال الهدف الجزئي لإسقاط بقايا النظام الزراعي القديم بهدف إسقاط النظام الزراعي القديم ككل. وبدلاً من بتر اقتصاد الملاكين العقاريين، فقد حددنا الهدف بإلغائه” (24).

التعلم من الموجيك

خلال سنوات الثورة، من 1905 وحتى 1907، اعتبر لينين أنه من الضروري التعلّم من الفلاح الروسي الفقير. وحتى ممثلي الفلاحيين الملكيين في الدوما القيصري، قد تعلّم منهم لينين أن على الرغم من القشرة المحافظة على السطح، هناك ثمة لب ثوري في العمق تحتها. وأشار بحماس بالغ إلى خطبة الفلاح الملكي اليميني، ستوتشارك، أمام مجلس الدوما:

“بدأ خطبته بترديد كلمات القيصر نيقولا الثاني حول “الملكية الخاصة المقدسة”، وعدم قبول “التعدي” عليها، إلخ. ثم استطرد قائلاً: “فليمنحه الرب الصحة، إنه يتحدث جيداً للشعب بأسره”. وأنهى حديثه كالتالي: “إذا كان جلالته قد تحدث عن النظام وعن العدل، فالطبع إذا كنت امتلك ثلاثة ديسياتينات من الأرض، وبجواري 30 ألف ديسياتين، فهذا ليس نظاماً ولا عدلاً” (25).

يعلّق لينين:

“فلاح جاهل.. بريء كالطفل.. جاهل سياسياً. إن الرابط بين الملكية و”النظام”.. ذلك الرابط الذي يحمي مالكي الـ 30 ألف ديسياتين، ليس واضحاً بالنسبة له” (26).

“ستوتشارك، والنواب الذ يشاركونه وجهة نظره – الكاهن تيتوف، وأندرييتشوك، وبوبوف الرابع، ونيكتيوك – يعبرون عن المزاج الثوري للجماهير من دون وعي وبشكل عفوي، ويخافون ليس فقط من التحدث عن ذلك، لكن حتى من التفكير فيما تنطوي عليه كلماتهم ومقترحاتهم” (27).

أخذ لينين يستشهد بمقولات نواب الفلاحين في الدوما:

“توميلوف: “إن المخرج الوحيد في رأينا هو: لابد من إعادة توزيع الأرض على الفور في كافة المناطق الريفية في روسيا على أساس إحصاء شبيه بما جرى من قبل.. لابد من إحصاء الذكور من السكان كما في 3 نوفمبر 1905.

يحلم الفلاحون بالحصول على الأرض والحرية، لكننا نسمع أنه طالما ظلت الحكومة الحالية في السلطة، تظل ملكية الأرض مصونة لا مساس بها. (صوت في وسط القاعة: “ملكية خاصة”). نعم، خاصة، ملكية النبلاء.. وبقدر ما نحن قلقون حيال الأمر، مستعدون للتخلي عن حيازاتنا.. أقول أن الفلاحين في أي قرية سيتخلون إرادياً عن حيازاتهم، وحدة مقابل وحدة، من أجل أن نصير أسوياء.. لكن طالما أن السلطة ليست في أيدي الفلاحين، والشعب بشكل عام، لن يرى الفلاحون الأرض أو الحرية السياسية” (28).

بيتروف الثالث: “تذكروا، أيها المحترمون، فترة حكم أليكسي ميخائيلوفيتش، واحتجاجات الفلاحين التي عبّرت عن نفسها في الحركة بزعامة رازين (1*). لقد عبّر الشعب عن مطالبه بأكبر قوة في 1905. ثم دفعه الفقر أيضاً للخروج إلى الشوارع ولأن يقول كلمته.. لابد من توزيع الأرض بحيازات متساوية بين الناس. أنا بالطبع ضد الملكية الخاصة للأرض.. وأقول أن الناس لن تهنأ إلا حين تنتقل الأرض إلى أيديهم.. إنني على قناعة بأنكم ستشهدون مجدداً اضطرابات عميقة في قاع البحر الهادئ.. ومن يرفع السيف سيهلك به (ضحكات على اليمين). إن الترودوفيك لم يقلع عن مبادئه ولم يتخل عن طموحاته وتطلعاته.. نحن نقول: كل الأرض لمن يعمل بها، وكل السلطة للشعب العامل”.

ميرزلياكوف: “لابد أن تكون الأرض لمن يفلحها.. يجب أن تكون الأرض لمن يزرعها بقوة عمله” (29).

أما الفلاح نيتشيتايلو: “من شربوا دماء الفلاحين وسحقوا عقولهم، يصفونهم اليوم بالجهل. (جولوفين مقاطعاً: بإمكان الإقطاعي أن يسب الفلاح، هل يستطيع الفلاح أن يهين الإقطاعي؟). هذه الأراضي تؤول للشعب، ويقولون لنا: هيا اشتروها. هل نحن أجانب؟ هل منا مَن أتى من إنجلترا أو فرنسا مثلاً؟ هذه بلدنا.. لماذا علينا شراء أرضنا؟ لقد دفعنا ثمنها عشرة أضعاف بالفعل بالدم والعرق والمال”.

وهنا يقول الفلاح كيرنوسوف (مقاطعة ساراتوف): “هذه الأيام ليس لنا حديث سوى عن الأرض، لكن مرة أخرى يخبروننا أنها مقدسة ولا يحق المساس بها. في رأيي، لا يمكن أن تكون الأرض مُحرّمة؛ فإذا أرادها الشعب لا يمكن أن تكون مُحرّمة (تصفيق من ناحية اليسار). أيها السادة النبلاء، هل تعتقدون أننا لا نعلم أنكم تراهنون علينا بأوراق اللعب؟ أو أنكم تقايضون علينا بالكلاب؟ نعم، نحن نعلم ذلك. إنها ملكيتكم المصونة والمُحرّمة علينا.. لقد سرقتموها منا.. الفلاحون الذين أرسلوني إلى هنا قالوا لي: الأرض أرضنا. لن نأتي لشرائها، بل لانتزاعها”.

وها هو الفلاح فاسيوتين (مقاطعة خاركوف) يقول: “نحن نرى شخص رئيس مجلس الوزراء ليس رئيس حكومة البلد بأكملها، بل رئيس حكومة الـ 130 ألف إقطاعي. أما الـ 90 مليون فلاح، فلا يعنون شيئاً بالنسبة له. أنتم (موجهاً كلامه ناحية اليمين) مستغِلون، تؤجرون أراضيكم بأسعار باهظة وتسلخون الفلاحين أحياءاً.. كونوا على علم بأن الحكومة إذا لم تسعَ لتلبية احتياجات الشعب، لن يسألكم الشعب الموافقة على مطالبه، بل سينتزع الأرض انتزاعاً.. رسمياً، تُباع الأرض بمبلغ يتراوح بين 25 إلى 50 روبل للديسياتين الواحد، فيما يصل الإيجار لـ 15 إلى 30 روبل للديسياتين، وإيجار أرض القش لـ 35 إلى 50 روبل. أنا أُسمي هذا ابتزازاً (صوت من جهة اليمين: “ماذا؟ ابتزاز؟”. ثم ضحكات). نعم، لا تضحكوا (تصفيق من جهة اليسار)، أنا أُسمي هذا سلخاً للفلاحين وهم أحياء” (30).

يعلّق لينين على خُطب مندوبي الفلاحين بأنها:

“تعبر عن روح نضال جماهير الفلاحين بصراحة شديدة.. إن خُطب الفلاحين الترودوفيك، الذين يصرّحون بوجهات نظرهم بشكل مباشر وصريح، تجسّد أمامنا أمزجة وتطلعات الجماهير بقدر مذهل من الدقة والحيوية، وتخلط بين البرامج (البعض يتحدث عن التعاطف مع وثيقة الـ 42 فلاح، والبعض الآخر يتحدث عن التعاطف مع الكاديت)، لكن كافة الخُطب القوية إنما تعبر عما يكمن في العمق أكثر من أية برامج” (31).

يذهب لينين إلى ما هو أبعد من ذلك ليرى في خُطب الفلاحين حماسة ثورية أكبر مما يبدو لدى مندوبي العمال الاشتراكيين الديمقراطيين:

“بمقارنة خُطب الفلاحين الثوريين في الدوما الثانية بخُطب العمال الثوريين، يكاد المرء أن يُصاب بالصدمة من الاختلاف التالي: الأولى مشبعة بروح ثورية أكثر عفوية، ورغبة عاطفية في تدمير نظام الملاك العقاريين على الفور، وعلى الفور أيضاً إنشاء نظام جديد، فيكاد الفلاح أن يقذف نفسه على العدو ليخنقه” (32).

تميز لينين بتحرره من الدوجمائية، وشعوره بالنبض الحقيقي للحركة الجماهيرية، حتى إن كان داخل صدر فلاح ملكي.

البلاشفة والمناشفة.. والفلاحون

أثناء انتخابات الدوما الثانية، دار أحد أكثر السجالات ضراوة بين جناحي الاشتراكية الديمقراطية، البلاشفة والمناشفة، حول قضية التحالف مع الكاديت أم التحالف مع الترودوفيك ضد الكاديت.

جادل بليخانوف، منذ وقت مبكر في 1892، بأن الفلاحين الروس يمثلون بالأساس قوة محافظة تماماً كما في الغرب:

“بعيداً عن البرجوازية والبروليتاريا، ليس هناك أي قوة اجتماعية في البلد يمكن للمعارضة أو المجموعات الثورية أن تتلقى الدعم والتأييد منها” (33).

وفي كراس بعنوان “واجب الاشتراكيين في المجاعة”، كتب بليخانوف أيضاً:

“من الناحية السياسية، يقع كلٌ من البروليتاريا والفلاحون على طرفي نقيض. والدور التاريخي للبروليتاريا إنما هو ثوري بنفس القدر الذي يبقى فيه دور الموجيك محافظاً. ولقد استندت السلطات القمعية والاستبدادية في الشرق إلى سلبية الفلاحين في الحفاظ على نفسها دون أي تغييرات طوال آلاف السنين. وفي وقت قصير نسبياً كانت البروليتاريا تهز أعمدة وأركان المجتمعات الأوروبية الغربية، وفي روسيا تتطور البروليتاريا سياسياً على نحو أسرع مما كان يجري في الغرب بما لا يُقاس” (34).

هذا الخط الذي رسمه بليخانوف كان له تأثيره العميق في تحديد بوصلة المناشفة وموقفهم من الحزب الليبرالي (الكاديت) من جانب، وحزب الفلاحين (الترودوفيك) من الجانب الآخر. وقد جادل المنشفي كولستوف، كما سنرى، بأن التحالف مع الكاديت والتحالف مع الترودوفيك لا يستقيمان سوياً، بل أن هذين التحالفين على طرفي نقيض: إما الكاديت أو الترودوفيك:

“مع من يحتفظ الاشتراكيين الديمقراطيين بنقاط تلاقي وتماس أكثر، مع الديمقراطية المدنية، أم مع الديمقراطية الريفية؟ ممن يمكن للاشتراكية الديمقراطية أن تتوقع دعماً في نضالها ضد كافة الموروثات الثقافية والدينية والقومية، إلخ؟ من سيسارع إلى دعم إجراءات تحرير قوى الإنتاج؟ من الضروري أن نطرح مثل هذه التساؤلات التي لا غنى عن الإجابة بوضوح عليها في سياسة الاشتراكية الديمقراطية. إن كل ما ذكره “البيان الشيوعي” فيما يتعلق بالدور الثوري للبرجوازية يظل صحيحاً في القرن العشرين تماماً كما كان في القرن التاسع عشر، ويظل صحيحاً في روسيا كما كان بالنسبة لإنجلترا” (35).

عارض لينين هذه الرؤية، فكتب:

“يرى الجناح البلشفي للحزب الليبراليين كممثلين للصناعة الكبيرة، يكافحون من أجل وضع نهاية للثورة في أسرع وقت ممكن من شدة خوفهم من البروليتاريا، ويعقدون المساومات مع الرجعيين. ويعتبر الجناح البلشفي الترودوفيك برجوازية صغيرة ديمقراطية ثورية، ويتبنون الرأي القائل بأنهم يميلون لاتخاذ موقف جذري حيال مسألة الأرض، هذه القضية الهامة بالنسبة للفلاحين، قضية مصادرة الملكيات العقارية. وهذا يفسر تكتيكات البلاشفة؛ إنهم يرفضون دعم البرجوازية الليبرالية الغادرة، أي الكاديت، ويفعلون أقصى ما بوسعهم لإبعاد البرجوازية الصغيرة الديمقراطية عن تأثير الليبراليين، يسعون لجذب الفلاحين والبرجوازية الصغيرة الحضرية بعيداً عن الليبراليين ولحشدهم وراء البروليتاريا، وراء الطليعة، من أجل النضال الثوري” (36).

“صرّح أحد أعضاء الكاديت أن الفلاح اليميني هو أكثر يسارية من الكاديت نفسه. نعم، في المسألة الزراعية كان موقف الفلاحين “اليمينيين” في مجالس الدوما الثلاثة أكثر يسارية من مواقف الكاديت، وهذا يثبت أن ملكية الموجيك إنما هي سذاجة آخذة في الاضمحلال، بعكس ملكية رجال الأعمال الليبراليين، الذين هم ملكيون في كل الحسابات الطبقية” (37).

في الثورة الديمقراطية ضد الإقطاع، فضّل لينين تحالف الحزب البروليتاري أحزاب البرجوازية الصغيرة الفلاحية الديمقراطية:

“إن أحزاب ومنظمات الديمقراطية الثورية (الحزب الاشتراكي الثوري، واتحاد الفلاحين، وبعض أشباه النقابات والمنظمات السياسية، إلخ)، تعبر عن قرب عن مصالح ووجهة نظر الجماهير العريضة من الفلاحين والبرجوازية الصغيرة، وتعارض الملكية العقارية والدولة شبه الإقطاعية بقوة، وتناضل بإصرار من أجل الديمقراطية، واضعةً أهدافها البرجوازية الديمقراطية عملياً في ثوب أيديولوجي اشتراكي ضبابي بدرجة ما. ويعتبر الحزب الاشتراكي الديمقراطي أنه من الممكن عقد اتفاقات نضالية مع هذه الأحزاب، بينما في نفس الوقت عليه بشكل منظم أن يكشف الطابع الاشتراكي الزائف لهم، وأن يكافح محاولاتهم لحجب التناقض بين البروليتاري والمالك الصغير” (38).

دعوني هنا أن أتعجل قليلاً لأوضح أنه بالنسبة للينين لم يكن شعار تأميم الأراضي يعني تجاوزاً للثورة الديمقراطية البرجوازية. فقد شرح لينين أن هناك مسارين للتطور الرأسمالي في الريف الروسي؛ الأول تشوهه بقايا الإقطاع وتعرقله، وهو ما وصفه لينين بالمسار البروسي، والثاني متحرر من كافة مخلفات القنانة، وأطلق عليه المسار الأمريكي للتطور:

“في الحالة الأولى، يتطور اقتصاد الإقطاع والملكية العقارية ببطء إلى البرجوازية، اقتصاد الملكية اليونكرية، الذي يحجز الفلاحين في عقود من العبودية الأكثر ترويعاً، بينما في نفس الوقت تصعد طبقة من الفلاحين الكبار.. من أجل تيسير عملية تطوير قوى الإنتاج (هذا المعيار الأكبر في التقدم الاجتماعي)، يجب علينا ألا ندعم النوع الإقطاعي من التطور البرجوازي، لكن المسار الفلاحي من التطور البرجوازي. فالنوع الأول يحتفظ إلى أقصى حد بالعبودية والقنانة (في قوالب برجوازية)، علاوة على بطء تطور قوى الإنتاج، والعراقيل أمام تطور الرأسمالية، لذا فهو يعني بؤس ومعاناة غير محدودين، واستغلال وقهر لقطاعات عريضة من الفلاحين، وبالتالي للبروليتاريا أيضاً. أما النوع الثاني فيتضمن تطوراً بأقصى سرعة لقوى الإنتاج، وأفضل الظروف الممكنة لجماهير الفلاحين (في ظل الإنتاج السلعي). إن تكتيكات الاشتراكيين الديمقراطيين في الثورة البرجوازية الروسية تتحدد ليس من خلال دعم البرجوازيين الليبراليين، كما يعتقد الانتهازيون، لكن من خلال مهمة دعم نضال الفلاحين” (39).

كان على الثوريين أن يسعوا لاقتياد روسيا في المسار الأمريكي. وبالتالي، كان لابد من دعم مطلب تأميم الأراضي الذي كان بمثابة الطريق الأكثر تماسكاً وثورية للقضاء على كافة ملامح الإقطاع الباقية. “في الثورة الروسية، ليس النضال من أجل الأرض سوى نضالاً من أجل تعبيد الطريق للتطور الرأسمالي. والشعار المتماسك لذلك هو: تأميم الأراضي” (40).

ولدعم الطرح الذي يقدمه، استشهد لينين بماركس، الذي كان لديه “قبولاً بإمكانية تأميم الأراضي، بل كان أحياناً يدافع عن ذلك، ليس فقط في أوج الثورة البرجوازية في ألمانيا 1848، بل أيضاً في 1846 بالنسبة لأمريكا، التي، كما أشار لها بدقة بالغة في ذلك الوقت، كانت فقط تبدأ تطورها الصناعي” (41).

بعد ذلك بعامين، في 1908، أعاد لينين طرح وجهة نظره:

“ليس هناك ما هو أكثر خطئاً من الرأي القائل بأن تأميم الأراضي يتوافق في أي شيء مع الاشتراكية، أو حتى بالحيازة المتساوية للأرض. الاشتراكية، كما نعلمها، تعني القضاء على الاقتصاد السلعي. في المقابل فإن تأميم الأراضي يعني تحويلها إلى ملكية الدولة، وهذا لا يؤثر ولو بقدر قليل على الزراعة الخاصة للأرض” (42).

تأميم الأراضي: الخطوة الأولى في طريق الاشتراكية؟

شرع لينين يشرح بالتفصيل لماذا يُعد تأميم الأراضي جزءاً من الثورة البرجوازية، وفي كتابه “البرنامج الزراعي للاشتراكية الديمقراطية في الثورة الروسية الأولى” في نوفمبر – ديسمبر 1907، ذكر لينين أن:

“بعد فترة من التأميم الثوري، قد يُثار مطلب التقسيم انطلاقاً من الرغبة في ترسيخ أقصى درجة ممكنة من العلاقات الزراعية الجديدة التي تلبي متطلبات الرأسمالية، قد يُثار انطلاقاً من رغبة المالكين في زيادة دخولهم على حساب بقية المجتمع. وأخيراً قد يُثار المطلب انطلاقاً من الرغبة في “تسكين” (أو بالأحرى “إخماد”) الطبقات البروليتارية وشبه البروليتارية، التي “سيثير التأميم شهيتهم” لتأميم الإنتاج الاجتماعي ككل” (43).

“ما من شيءٍ بإمكانه كسح كافة آثار القرون الوسطى في روسيا هكذا بشكل كامل، ما من شيءٍ بإمكانه إحداث تطوير شامل للمناطق الريفية في دولة آسيوية شبه مضمحلة، ما من شيءٍ بإمكانه إنجاز التقدم الزراعي على نحو سريع سوى التأميم. وأي حل آخر للمسألة الزراعية في الثورة سيخلق نقاط انطلاق أقل مواتاة لمزيد من التنمية الاقتصادية.

المغزى الأخلاقي للتأميم في الحقبة الثورية هو أن البروليتاريا ستسهم في توجيه ضربة لـ”أحد أشكال الملكية الخاصة”، مما سيكون له تداعيات حتمية في جميع أنحاء العالم” (44).

لكن على الرغم من أن تأميم الأراضي يعد جزءاً لا يتجزأ من الثورة البرجوازية، إلا أنه، وفقاً لتوازن القوى الطبقية، قد يمثل دافعاً هاماً للنضال من أجل الاشتراكية في الريف. في سبتمبر 1917، في مقدمة للطبعة الثانية من كتاب “البرنامج الزراعي للاشتراكية الديمقراطية” (صادرت الشرطة الطبعة الأولى فور صدورها في 1908)، كتب لينين: “لا يمثل تأميم الأراضي “الكلمة الأخيرة” للثورة البرجوازية فقط، لكن أيضاً تجاه الاشتراكية” (45).

وفي توقعاته حول مستقبل الثورة الروسية، لم يشب لينين أي قدر من الدوجمائية، بل لقد أظهر درجة قصوى من الاستعداد لدفع الثورة أبعد من حدودها البرجوازية إلى النضال الفوري والمباشر والأكثر رحابة من أجل الاشتراكية.

البروليتاريا والفلاحون

خلال تطور البرنامج الزراعي للحزب البلشفي، تبلورت لدى لينين فكرتان مركزيتان: أولاً ضرورة قيادة الطبقة العاملة للفلاحين، ثانياً ضرورة حفاظ الحزب العمالي على استقلاليته وتمايزه عن الفلاحين.

“خلال تأييدها للفلاحين الثوريين، ينبغي على البروليتاري ألا تنسى ولو للحظة استقلالها الطبقي وأهدافها الطبقية الخاصة. فحركة الفلاحين هي حركة طبقة أخرى تخوض نضالاً غير بروليتاري، بل نضالاً مدفوعاً بالملكية الصغيرة. إنه ليس نضالاً ضد الرأسمالية، بل نضالاً من أجل إزالة كافة بقايا العبودية” (46).

“إننا ندعم حركة الفلاحين إلى النهاية، غير أنه ينبغي لنا أن نتذكر أنها حركة طبقة أخرى، تختلف عن الطبقة التي تستطيع أن تقوم بالانقلاب الاشتراكي والتي ستقوم به” (47).

“من دون مبادرة وإرشاد البروليتاري، يصبح الفلاحون لا شيء” (48).

ناقش لينين إمكانية تبلور حزب فلاحي بتحالف الترودوفيك مع الاشتراكيين الثوريين، لكنه تشكك في قدرتهما على تحقيق قدراً من الاستقرار والتجانس.

“ليس هناك من يستطيع في هذه المرحلة أن يحدد على وجه الدقة الأشكال التي يمكن أن تتخذها الديمقراطية البرجوازية في روسيا في المستقبل. وقد يؤدي إفلاس الكاديت إلى تأسيس حزب فلاحي ديمقراطي، حزب جماهيري حقيقي وليس منظمة إرهابية كالاشتراكيين الثوريين الذين كانوا ولازالوا كذلك. ومن الممكن أن تمنع المصاعب الموضوعية في إنجاز الوحدة السياسية بين البرجوازية الصغيرة تأسيس مثل هذا الحزب، وهكذا تُبقي الديمقراطية الفلاحية، لفترة طويلة قادمة، على حالتها الراهنة من التفكك وغياب الشكل وميوعة كتلة الترودوفيك (49).

“إن الترودوفيك ليسوا ديمقراطيين متماسكين تماماً، فالترودوفيك (ومن ضمنهم الاشتراكيين الثوريين) يترنحون بين الليبراليين والبروليتاريا الثورية. وهذا الترنح والتردد والمراوحة ليس من قبيل الصدفة؛ فهذه السمات إنما هي نتيجة حتمية لطبيعة الظروف الاقتصادية المتحكمة في المنتج الصغير. فهو، من جانب، مضطهد ويتعرض للاستغلال، وهو بذلك يصبح مدفوعاً عن غير وعي للنضال ضد هذا الوضع والنضال من أجل الديمقراطية ومحو الاستغلال. لكنه، من الجانب الآخر، مالك صغير، وغريزة الملكية تكمن داخل الفلاح – وإن لم يكن اليوم فسيكون غداً. وغريزة الملكية هذه هي التي تفرق الفلاح عن العامل، وتولّد لديه طموحاً كي يصبح شيئاً ما في هذا العالم، أن يصبح برجوازياً” (50).

“إن العناصر الديمقراطية في الريف ليس لديها القدرة على تشكيل منظمة صلبة” (51).

خطأ لينين وصوابه

أثبت انتصار ثورة 1917 أن لينين كان مخطئاً في محورين هامين: أولاً فيما يخص تصوره السابق حول أن الثورة في روسيا هي ثورة برجوازية، ثانياً أن تأميم ومصادرة الأراضي سوف تقود إلى تطور الاقتصاد الروسي على نحو أسرع وأوسع. كيف إذن كان باستطاعة لينين أن يلعب مثل هذا الدور الحاسم الذي قام به في نفس الثورة؟ تتلخص الإجابة بالأساس في القلب المركزي والصلب للاستراتيجية والتاكتيك الذي تمسك به لينين، حتى بالرغم من بعض الأخطاء التي وقع فيها، والذي قاد إلى هذا الانتصار الحاسم الذي أحرزته الثورة البروليتارية.

“حتى إذا كانت ثورتنا برجوازية في مضمونها الاقتصادي (ولا شك في ذلك)، لا يمكن أن نستنتج من ذلك أن الدور القيادي في الثورة ستقوم به البرجوازية.. أن البرجوازية هي القوة المحركة لها. هذا الاستنتاج، الذي اعتاد عليه بليخانوف والمناشفة، هو ابتذال للماركسية وكاريكاتور لها. إن قيادة الثورة البرجوازية، سواء كانت ملاك الأراضي الليبراليين مع أصحاب المصانع والتجار والمحامين، إلخ، أو كانت البروليتاريا مع الفلاحين، في كلتا الحالتين تحتفظ الثورة بطابعها البرجوازي. لكن درجة إفادتها للبروليتاريا، درجة إفادتها للاشتراكية.. تختلف بشكل كامل في كل حالة عن الأخرى.

من كل ذلك يستنتج البلاشفة التاكتيكات الأساسية للبروليتاريا الاشتراكية في الثورة البرجوازية، لجذب البرجوازية الصغيرة الديمقراطية وانتشالها من الليبراليين، ولشل البرجوازية الليبرالية المهتزة، ولتطوير نضال الجماهير للقضاء الكامل على بقايا العبودية بما يشمل الملكية الإقطاعية للأرض” (52).

جادل لينين بأنه، على الرغم من الطابع البرجوازي الديمقراطي للثورة، ينبغي على الفلاحين إبداء أقصى درجات المبادرة والديمقراطية الثورية من خلال بناء منظمات محلية مستقلة للنضال دون انتظار ذلك من أعلى، حتى من المؤسسات التي تولد من رحم الثورة، كالجمعية التأسيسية لاحقاً في 1917.

“هناك طريق وحيد لإنجاز الإصلاح الزراعي، والذي لا يمكن تجنبه أو التغاضي عنه في روسيا اليوم: يجب أن يتم بالمبادرة الثورية للفلاحين أنفسهم، رغماً عن كبار الملاك والبيروقراطية، رغماً عن الدولة، أي أن يتم بالوسائل الثورية.. وهذا هو الطريق الذي نشير إليه عندما نرفع مطلبنا الأساسي ببناء لجان فلاحية ثورية” (53).

رأى ماركس، على خلفية خبرة كوميونة باريس 1871، أن “الطبقة العاملة لا يمكنها أن تستولي على جهاز الدولة القائم بالفعل كي تديره لمصالحها”، بل أن “تحطمه، وهذا هو الشرط المسبق لكل ثورة شعبية حقيقية”. أما لينين، فقد كرر أصداء نفس الفكرة فيما يخص القضية الزراعية: “لا يمكن للفلاحين إنجاز الثورة الزراعية من دون إزاحة النظام القديم والجيش النظامي والبيروقراطية بالكامل؛ فتلكم هي الدعائم الأساسية للإقطاعية والمرتبطة بها بآلاف الروابط” (54).

وإضافةً إلى ذلك، حتى برغم أن الثورة كانت فقط برجوازية ديمقراطية، إلا أنها احتفظ ببعدها الأممي:

“إن الثورة الروسية تستطيع إحراز النصر بقواها الخاصة، ولكنها لا تستطيع وحدها، في أية حال من الأحوال، أن تصون انتصاراتها وتوطدها. إنها لا تستطيع بلوغ هذا الهدف، دون قيام الثورة الاشتراكية في الغرب؛ وإلا غدت العودة محتومة، سواء كان الأمر يتعلق بإشاعة الملكية البلدية، أم بالتأميم، أم بالتوزيع؛ لأن المالك الصغير سيكون دعامة العودة مهما كانت أشكال الملكية ووضع اليد. فبعد انتصار الثورة الديمقراطية الكامل، سينقلب المالك الصغير حتماً ضد البروليتاريا، وبسرعة تزداد بقدر ما يتم بسرعة إسقاط الأعداء المشتركين للبروليتاريا ولصغار الملاكين، أي الرأسماليين، والملاكين العقاريين، والبرجوازية المالية، إلخ. وليس لدى جمهوريتنا الديمقراطية من احتياطي غير البروليتاريا الاشتراكية في الغرب” (55).

النضال الذي لا هوادة فيه ضد البرجوازية الليبرالية، عدم الثقة في حزب الفلاحين المتردد والمذبذب والاستقلال عنه، دفع الفلاحين للتحرك المباشر بأنفسهم، الكفاح من أجل تحطيم جهاز الدولة البوليسي البيروقراطي القديم، التشديد على البعد الأممي للثورة، كل تلك الأفكار التي بلورتها ثورة 1905 شكلت اللب الحي للسياسات التي انتصرت بها الثورة الروسية 1917. أما هذا الغطاء البرجوازية الديمقراطي للثورة فقد أزاحته على الفور عواصف المعارك الثورية المستقبلية. لكن لسوء الحظ، شكل التناقض بين الجوهر المتماسك لسياسات لينين في 1905 وما بعدها، والغلاف البرجوازي الديمقراطي لتصوراته لطابع الثورة، عاملاً هاماً في أزمات الحزب البلشفي وحالة الشلل التي أصابت قيادته في الأيام والأسابيع التي تلت ثورة فبراير 1917 قبل عودة لينين إلى روسيا ليعيد صياغة تلك السياسات البلشفية القديمة التي كان قد رسمها ورسخها بنفسه من قبل.

هوامش:

(1) G.T. Robinson, Rural Russia under the Old Regime, London 1932, pp.155-6.

(2) L.O. Owen, The Russian Peasant Movement, 1906-17, London 1937, p.20.

(3) Trotsky, 1905, op. cit., p.188.

(4) ibid., pp.189-90.

(5) Lenin, Collected Works, vol.13, p.227.

(6) ibid., p.256.

(7) ibid.

(8) ibid.

(9) ibid., vol.4, pp.44-5.

(10) ibid., vol.10, p.170.

لينين: التحالف بين العمال والفلاحين، مقتطف من كتيب “إعادة نظر في البرنامج الزراعي لحزب العمال”، دار التقدم، موسكو.

(11) ibid., vol.6, pp.127-8.

(12) ibid., p.132.

(13) ibid., p.133.

(14) ibid., p.134.

(15) ibid., p.140.

(16) Krupskaya, Memories, op. cit., p.110.

(17) ibid.

(18) Lenin, Collected Works, vol.13, p.257.

(19) ibid., p.256.

(20) ibid., pp.256-7.

(21) ibid., vol.10, p.177.

لينين: التحالف بين العمال والفلاحين، مقتطف من كتيب “إعادة نظر في البرنامج الزراعي لحزب العمال”، دار التقدم، موسكو.

(22) ibid., p.88.

(23) ibid., pp.194-5.

(24) ibid., vol.13, pp.291–2.

(25) ibid., vol.15, p.309.

(26) ibid., vol.15, p.310.

(27) ibid., p.311.

(28) ibid., p.313.

(29) ibid., p.313-4.

(30) ibid., vol.13, pp.398–9.

(31) ibid., vol.15, p.311.

(32) ibid., vol.13, p.398.

(33) Plekhanov, Sochineniia, op. cit., vol.3, p.119.

(34) ibid., pp.382–83.

(35) Lenin, Collected Works, vol.12, p.189.

(36) ibid., p.203.

(37) ibid., vol.13, p.458.

(38) ibid., vol.10 pp.158-9.

(39) ibid., vol.13, pp.243-4.

(40) ibid., pp.292-3.

(41) ibid., pp.319-0.

(42) ibid., vol.15, p.138.

(43) ibid., vol.13, p.323.

(44) ibid., pp.324-5.

(45) ibid., p.430.

(46) ibid., vol.10, p.411.

(47) ibid., p.191.

لينين: التحالف بين العمال والفلاحين، مقتطف من كتيب “إعادة نظر في البرنامج الزراعي لحزب العمال”، صـ 148، كُتب في النصف الثاني من مارس 1906، دار التقدم، موسكو.

(48) ibid., vol.15, p.59.

(49) ibid., vol.13, p.121.

(50) ibid., vol.12, p.467.

(51) ibid., vol.15, p.349.

(52) ibid., vol.12, pp.181–2.

(53) ibid., vol.9, p.315.

(54) ibid., vol.13, p.349.

(55) ibid., vol.10, p.280.

لينين: التحالف بين العمال والفلاحين، “الكلمة الختامية حول المسألة الزراعية في المؤتمر الرابع لحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي في روسيا (مؤتمر التوحيد)”، صـ 154، صدر للمرة الأولى عام 1907، دار التقدم، موسكو.

« السابق التالي »