بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

لينين – بناء الحزب

« السابق التالي »

البروفة الكبرى

على الرغم من الهزيمة التي تلقتها ثورة 1905 في نهاية المطاف، إلا أن كانت لها أهمية فائقة في كشف أهداف ومصالح الطبقات الاجتماعية المختلفة، ونقاط قوتها وضعفها، ووزن وأهمية كل منها في المجتمع الروسي، وكذلك العلاقات المتغيرة بينها. خلقت الثورة أيضاً حالة من الفرز الشامل لكافة الأحزاب السياسية المتواجدة على الساحة. وفي وجهة نظر لينين، وفرت سنوات الثورة والتراجع، 1905 – 1907، فرصة هائلة للجماهير لجني الخبرة ولتعلم درساً يسري في دمائها وقلوبها وعقولها.

خلال تلك السنوات انكشفت بجلاء الطبيعة الحقيقية للطبقات والأحزاب، واجتازت كافة الأحزاب “المرحلة الجنينية في تطورها”:

“للمرة الأولى شهدت الطبقات انقساماً واضحاً واتخذت أشكالاً محددة في صراع سياسية مفتوح خلال تلك الفترة؛ بحيث أصبحت الأحزاب السياسية تعبر بدقة لم يسبق لها مثيل عن مصالح ووجهات نظر الطبقات التي تمثلها، والتي نضجت خلال هذه السنوات الثلاث مئات الأضعاف أكثر من النصف قرن المنصرم” (1).

الليبراليون على سبيل المثال:

“كان معروفاً قبل الثورة بالمجتمع الليبرالي أو الليبرالي النارودني، أو أولئك المتحدثين بإسم القسم “المتنوّر” من “الأمة” ككل، ما كان معروفاً بالمعارضة النخبوية، معارضة النبلاء، والتي كانت تبدو متكاملة، منسجمة في تخللها للزميستفوات والجامعات والصحافة “المعتدلة اللائقة”، إلخ، كل تلك الأشكال أظهرت نفسها في الثورة في صورة مؤيد البرجوازية، واتخذت ما نقول عليه اليوم موقع الثورة المضادة من وجهة النضال الجماهيري للبروليتاريا الاشتراكية والفلاحين الديمقراطيين. هذه البرجوازية الليبرالية المعادية للثورة قدمت إلى الوجود وتنمو بالفعل” (2).

وبالتأكيد أبرزت التطورات العاصفة الدور القيادي للبروليتاريا في الثورة:

“إن الدور القيادي للجماهير البروليتارية خلال الثورة بأكملها وفي كافة ميادين النضال، من المظاهرات حتى الانتفاضة، وصولاً (بحسب الترتيب الزمني) إلى النشاط البرلماني، قد صار واضحاً للجميع بجلاء خلال هذه الفترة إذا نظرنا إليها في كليتها” (3).

كانت الثورة مدرسة حقيقية للجماهير:

“جنت الملايين خبرة عملية هائلة ومتعدد الأشكال، من النضال الجماهيري الحقيقي، من النضال الثوري المباشر، الذي تضمن الإضراب العام، وطرد الملاكين العقاريين وحرق قصورهم، وصولاً إلى الانتفاضة المسلحة” (4).

إن التدريب الأفضل للجماهير يتم خلال النضال نفسه. قال لينين في محاضرة قدمها لمجموعة من العمال الشباب في زيوريخ في 9 يناير 1917، حول ثورة 1905:

“عندما تتحدث الطبقة العليا البرجوازية، وأولئك الذين يدافعون عنها ويرددون أصداء ما تقول، وكذلك الإصلاحيين الاجتماعيين، عن “توعية” الجماهير، فهم عادةً ما يقصدون شيئاً متحذلقاً، شيئاً يُضعف معنويات الجماهير ويثبط عزيمتهم، شيئاً يغرس فيهم الانحيازات البرجوازية.

إن توعية الجماهير لا يمكن أن تنفصل عن نضالهم السياسي المستقل، لا سيما نضالهم الثوري. فقط هذا النضال هو ما يوعي ويدرب الطبقة المستغَلة، فقط هذا النضال هو الذي يكشف قوة الجماهير لنفسها، هو الذي يوسّع أفقها، ويثري قدراتها، ويصلب عودها وإرادتها” (5).

“في هذه الصحوة الجماهيرية الهائلة للوعي السياسي والنضال الثوري تنكشف الأهمية والتأثير التاريخي ليناير 1905” (6).

وبالرغم من أن العمال لم ينجحوا في كسب الثورة، إلا أن الثورة نجحت في كسب العمال:

“وخلال النضال المستعر في سنوات 1905 – 1907، اكتسبت البروليتاريا الروسية واكتسب الشعب الروسي ما قد يتطلب عقوداً كي تكتسبه شعوب أخرى. لقد كسبت جماهير الشغيلة الروسية تحررها من تأثير الليبرالية العاجزة والغادرة. لقد حاذت بنفسها موقع الهيمنة في النضال من أجل الحرية والديمقراطية كشرط مسبق للنضال من أجل الاشتراكية. لقد انتزعت لنفسها، ولكافة الطبقات المستغَلة والمضطهَدة في روسيا، القدرة على شن النضال الجماهيري الثوري، والذي من غيره لن يُنجز شيء ذا أهمية في تقدم الجنس البشري في أي مكان بالعالم” (7).

وظلت ثورة 1905 محفورة في أذهان جماهير العمال:

“ليس ما عليكم سوى الانتظار وستأتي ثورة 1905 مرة أخرى. هكذا يفكر العمال وينظرون إلى المستقبل؛ فبالنسبة لهم قدم لهم ذلك العام نموذجاً واضحاً لما يمكن فعله. أما بالنسبة للمثقفين والبرجوازية الصغيرة الخائنة، فكان ذلك هو “عام الجنون” الذي يقدم نموذجاً لما لا ينبغي فعله. بالنسبة للبروليتاريا، ينبغي أن يتضمن الاستيعاب النقدي لخبرة الثورة على تعلُّم ومعرفة كيفية تطبيق أساليب النضال بشكل أكثر كفاءة، من أجل شن إضراب أكتوبر الجماهيري وانتفاضة ديسمبر المسلحة على نحو أكثر جماهيرية واتساعاً، وأكثر تكثيفاً ووعياً” (8).

“يُقال أن الجيوش المنهزمة تتعلم الدرس جيداً.. هناك درساً واحداً غني عن التعريف ولا يعتريه أي شك تعلمته الجماهير من سنوات النضال الثوري الجماهيري وسنوات التراجع بعد ذلك، وهو الضربة القاضية التي أنهت كل ليونة وكل ترهل في النضال. لقد انقسمت بالفعل الطبقات والأحزاب وارتسمت بينهم التخوم الفاصلة التي لا غبار عليها” (9).

لقد أضفت الثورة على الأحزاب السياسية الأساسية أشكالاً ثابتة لا تتغير مع تقلبات الصراع:

“في فترات النضال الثوري المباشر، توضع الأساسات العميقة لكل طبقة بمعزل عن الأخرى، وتنقسم تلك الطبقات إلى أحزاب سياسية كبيرة، ويظل هذا الوضع مستمراً حتى أثناء فترات الركود والتراجع. قد تختفي بعض الأحزاب أو تتراجع عن المسرح السياسي، لكن مع التصاعد الجديد، تظهر القوى السياسية الأساسية حتماً مرة أخرى.. ربما بشكل مختلف، لكن بنفس الطابع والتوجه، طالما أن أهداف ومهام الثورة – التي تلقت الهزائم بهذا القدر أو ذاك – لم تتحقق بعد” (10).

إصرار لينين على مبادرة الجماهير

بالنسبة للينين، كانت ثورة 1905 تعني تأكيداً عملياً لإيمانه بالقدرات الخلاقة الهائلة لدى الطبقة العاملة، وهكذا كتب في “انتصار الكاديت ومهام الحزب العمالي” في مارس 1906:

“إنها فقط الفترات الثوري التي تتميز بدقة ومنهجية أوسع وأكثر ثراءاً، وأكثر انتظاماً وشجاعة ووضوحاً في صنع التاريخ، من فترات التطور الإصلاحي محدود الأفق. لكن الليبراليين يقلبون الحقيقة رأساً على عقب.. إنهم يعتبرون ركود الجماهير المضطهدة والمظلومة انتصاراً “للنظام” في إطار العمل البيروقراطي والبرجوازي. إنهم يملئون العالم ضجيجاً حول اختفاء الفكر والعقل حينما تبدأ “عامة الناس” في الانخراط في النشاط السياسي المباشر بدلاً من البيروقراطيين والصحفيين الليبراليين المرتزقة، إنهم يمئلون العالم ضجيجاً حينما يناضل “عامة الناس” من أجل تحطيم أدوات القمع، ومن أجل حوذ السلطة، ولاستعادة ما سُرق من الشعب – باختصار، حينما يستيقظ فكر وعقل الجماهير، ليس فقط لقراءة الكتب، بل للفعل المباشر، الفعل البشري الحيوي المباشر، لصنع التاريخ” (11).

ومرة أخرى:

“إن القدرات التنظيمية لدى الجماهير، وبالأخص البروليتاريا، والفلاحين أيضاً، تبرُز بشكل أقوى، وبشكل كامل، في فترات الزوابع الثورية، مليون مرة أكثر من فترات التطور الهادئ للتاريخ” (12).

وبعد عدة سنوات، عاد لينين إلى نفس النقطة مرة أخرى:

“الديمقراطي الحق – بغض النظر عما لديه من الأوهام في بعض الأوقات حول مصالح وتطلعات الجماهير – لديه إيمان بالجماهير، بحركة الجماهير، بشرعية مشاعرهم وأساليبهم في النضال” (13).

وفي محاضرة زيوريخ التي أشرت إليها للتو، قال لينين عن 1905 أنها:

“فجرت الطاقة الهائلة الكامنة لدى البروليتاريا. لقد أظهرت أن بإمكان البروليتاريا في الأزمنة الثورية – وأقول ذلك دون أي مبالغة، وبناءاً على معرفة دقيقة بتاريخ روسيا – أن تولد طاقة نضالية أعظم مائة مرة من الأزمنة العادية السلمية” (14).

التعلم من الجماهير

لقد رأينا كيف بدا الحزب البلشفي متأخراً عن الجماهير في الفترة بين 9 يناير 1905 وحتى تأسيس سوفييت بطرسبورج. كان لينين يشدد دائماً على ضرورة استناد الحزب إلى الجماهير:

“لم تأت شعارات الحزب كرد فعل فقط، بل أتت متأخرة عن سير الأحداث. فقد كانت أحداث 9 يناير، والإضرابات الجماهيرية التي تلتها، وتمرد بوتميكين، تسبق الثوريين أنفسهم” (15).

كان الدور المركزي للحزب هو أن “يسلط الضوء على النشاط الثوري الخلاق للجماهير التي، برغم نشاطها المحدود في أوقات الهدوء الاجتماعي، تتصدر الفترات الثورية بجدارة” (16)، وأن يدرك تمام الإدراك أن “القوة الحقيقية إنما تكمن في الوعي السياسي لدى الجماهير” (17)، وأن يقدّر “قبل كل شيء تطور الوعي الطبقي والسياسي لديها” (18).

ينبغي على الحزب أن يبقى مع الجماهير في النضال، سواء في الانتصار أو الهزيمة، سواء عندما تتخذ الخطوات الصحيحة أو عندما تقع في الأخطاء الفادحة. أوضح لينين هذه الفكرة جيداً، وكتب بعد انتصار ثورة أكتوبر البلشفية في 1917، أن:

“بناء صلات لا تنكسر مع جماهير العمال، والقدرة على التحريض دون توقف، والاشتباك مع كل إضراب، والاستجابة لكافة متطلبات الجماهير: هذا هو الدور الرئيسي للحزب الشيوعي” (19).

“إن الأخطاء حتمية الحدوث عندما تناضل الجماهير، لكن الشيوعيين يبقون مع الجماهير وفي القلب منهم، يلاحظون هذه الأخطاء، ويشرحونها للجماهير، ويحاولون تصحيحها دائماً، ويناضلون بكل دأب ومثابرة لتغليب الوعي الطبقي على العفوية” (20).

حينما تحدث لينين عن الجماهير المناضلة، لم يكن يعني بالضرورة أغلبية الطبقة العاملة. وصحيح أن على الحزب الثوري أن يكون منغرساً داخل الطبقة العاملة، لكن أيضاً ليس بالضرورة أن ينغرس في الطبقة ككل، ولفترة تاريخية طويلة قد يبني الحزب قواعده بين صفوف الأقلية الطليعية من الطبقة العاملة، كما كتب لينين في 22 أغسطس 1907:

“إن عدم تأييد حركة الأقلية الثورية إنما يعني بالتالي رفض كافة الأساليب الثورية للنضال. إنه لأمر لا يقبل الجدل أن أولئك الذين شاركوا في الحركة الثورية خلال العام 1905 كانوا يمثلون أقلية ثورية لأنهم لم يحققوا نجاحاً كاملاً في نضالهم، ومع ذلك فهم جماهير رغم كونهم أقلية. لكن كل النجاحات التي حققتها حركة التحرر في روسيا، وكل المكاسب التي انتزعتها، كانت كلها وبدون استثناء، نتاجاً لنضال الجماهير المناضلة وحدها، والتي كانت في الحقيقة أقلية” (21).

في يناير 1905، اعتقد أغلب العمال أنه يمكن مخاطبة القيصر وتقديم مطالبهم له، لكن الأحد الدامي قد فتح عيون وعقول الملايين منهم، وفي أكتوبر ظنوا أن الاحتجاج ضد القيصر كفيلاً بإجباره على تقديم تنازلات هامة. لكن الإضراب العام في أكتوبر أثبت أن الأمور لا تسير على ذلك النحو، وجاءت الخطوة التالية بحمل السلاح ضد أوتوقراطية القيصر. لكن ذلك مرة أخرى لم يكن مقبولاً من أغلبية الطبقة العاملة، فيما تحركت فقط أقلية من عمال موسكو في انتفاضة ديسمبر المسلحة.

إن الحزب الثوري المتجذر في القطاع المتقدم من الطبقة العاملة يتعلم من العمال ويعلمهم خلال النضال.. وبكلمات أخرى: يقوم بدور الأستاذ والتلميذ في نفس الوقت.

1905: مدرسة البلاشفة

كانت ثورة 1905 مدرسة حقيقية للحزب العمالي الثوري؛ فالثورة هي الاختبار الأمثل للنظريات والبرامج، ولقد حطمت الثورة كل أنماط الغموض والخيال في النظرية الثورية إذ تطلبت تماسكاً نظرياً لا يلين. وكما أن الثورة تكسر حالة الروتين والخمول في وعي العمال المتقدمين، فهي أيضاً تتطلب من الحزب مهارات تكتيكية متميزة يستجيب بها للتغيرات الحادة في مجرى الصراع، ودرجة عالية من القدرة على التكيف مع التغيرات السريعة في احتياجات الحركة.

لقد أوضحت الثورة ليس فقط العلاقة بين الحزب الطليعي والطبقة العاملة، لكن أيضاً بين قادة الحزب وقواعده. في 1905، كان لينين قائداً حزبياً بارزاً لا يرقى إليه الشك، لكن التطورات الثورية تطلبت منه جهداً مستمراً في التفكير والتنظيم، وكان عليه أيضاً في بعض الأحيان أن يناضل داخلياً ضد توجهات حزبه. يمكننا أن نكتب الكثير من الفصول التي تتناول خبرة 1917 على ضوء تجربة الثورة في 1905 وما حدث للقيادة اللينينية من دون لينين. لكن إذا كانت 1905 قد أصقلت البلاشفة بالخبرة والتمرس، فإن أكثر من أصقلت كان لينين نفسه الذي تعرضت أفكاره وتكتيكاته وبرنامجه للاختبار الأشرس خلال تلك الفترة.

كان لينين متفوقاً في وضوحه التام في القضايا الجوهرية والأكثر إلحاحاً في الثورة، حيث الدور القيادي للطبقة العاملة واستقلالها عن الليبراليين، ودور السوفييت كشكل تنظيمي للنضال الثوري وكنواة للحكومة الثورية المستقبلية، وحول فن الانتفاضة. وبالرغم من صحة استراتيجية وتكتيك لينين، انهزمت ثورة 1905 في نهاية المطاف لأن البروليتاريا وحزبها لم يتطورا بما فيه الكفاية نحو الانتصار. وبالنسبة للينين مثلت ثورة 1905 مدرسة هائلة أعدته هو وحزبه للاختبار الأكثر حسماً في 1917.

وكما كان ماركس وإنجلز يعودان مرة بعد أخرى خلال أيام الركود والتراجع في الصراع إلى 1848 كنقطة انطلاق في تحديد شكل ومسار الحركة العمالية الثورية في المستقبل، كان لينين أيضاً يستند دائماً إلى خبرات 1905 خلال السنوات اللاحقة. إن النضال الجماهيري الثوري خلال تلك الفترة هو بالذات ما انطلق منه لينين في صياغته، وإعادة صياغته، لاستراتيجية البلشفية وتكتيكها.

هوامش:

(1) Lenin, Collected Works, vol.15, pp.268

(2) ibid.

(3) ibid., p.269.

(4) ibid., p.268.

(5) ibid., vol.23, p.241.

(6) ibid., p.237.

(7) ibid., vol.16, p.387.

(8) ibid., vol.15, p.53.

(9) ibid., pp.208–09.

(10) ibid., p.274.

(11) ibid., vol.10, pp.253–54.

(12) ibid., p.259.

(13) ibid., vol.17, p.293.

(14) ibid., vol.23, p.240.

(15) ibid., vol.13, p.26.

(16) ibid., vol.8, p.563.

(17) ibid., vol.11, p.435.

(18) ibid., vol.16, p.123.

(19) ibid., vol.29, p.563.

(20) ibid., p.396.

(21) ibid., vol.13, p.65.

« السابق التالي »