بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

لينين – بناء الحزب

« السابق التالي »

انتصار الردة الرجعية

الثورة لازالت تتقدم

على الرغم من تراجع الثورة لعدة أشهر، كان لينين لا يزال يعتقد أنها تشهد تصاعداً قوياً. وهكذا كتب بعد فترة وجيزة من هزيمة انتفاضة موسكو المسلحة في ديسمبر 1905:

“ما هي حالة الثورة الديمقراطية في روسيا اليوم؟ هل هُزمت، أم أننا نمر فقط عبر حالة من الهدوء المؤقت؟ هل مثلت انتفاضة ديسمبر ذروة الثورة، ونحن بذلك متوجهين، بعد هزيمتها، إلى حكم “تأسيسي قيصري”؟ أم أن الحركة الثورية بشكل عام تتصاعد في الإعداد لموجة جديدة، مستخدمة حالة الركود النسبي لحشد قوى جديدة، متوعدة بعد هزيمة الانتفاضة الأولى بانتفاضة ثانية ذات فرص أوفر كثيراً في الانتصار؟” (1).

وأجاب على هذه الأسئلة كالتالي:

“قد لا تندلع الموجة الجديدة في الربيع، لكنها قادمة، وفي كل الأحوال ليست بعيدة. علينا أن نستعد لها متسلحين ومنظمين عسكرياً، وجاهزين للعمليات الهجومية”.

ووفقاً لذلك، قرر مؤتمر البلاشفة، المعقود في فنلندا بين 12 إلى 17 ديسمبر 1905:

“حشد كافة منظمات الحزب لاستخدام الجمعيات الانتخابية على أوسع نطاق، ليس استسلاماً لقيود الشرطة في انتخابات الدوما، لكن لتوسيع رقعة التنظيم الثوري للبروليتاريا، وللتحريض بين كافة طبقات الشعب من أجل الانتفاضة المسلحة. ينبغي التجهيز للانتفاضة على الفور، ومن دون تأجيل، وفي كل مكان، حيث أن انتصار الانتفاضة وحده هو الذي سيوفر إمكانية التمثيل الشعبي الحقيقي، والذي يتمثل في جمعية تأسيسية منتخبة بشفافية على أساس الاقتراع السري المباشر والمتساوي” (2).

وبعد ذلك بثلاثة أشهر، في مشروع قرار قدمه لمؤتمر وحدة حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي، كان لينين مازال مصراً على أن الانتفاضة احتمال قائم بالفعل: “في الوقت الراهن لا تعد الانتفاضة المسلحة وسيلة ضرورية للقتال من أجل الحرية فقط، بل مرحلة وصلت إليها الحركة بالفعل” (3).

وفي بداية يونيو 1906، كتب: “لعله من الواضح أننا نمر اليوم عبر واحدة من أكثر فترات هذه الثورة أهمية. إننا نشهد، ومنذ فترة طويلة، إشارات واضحة لصحوة الحركة الجماهيرية العريضة ضد النظام القديم، والآن تصل هذه الصحوة ذروتها” (4). وفي يوليو، ظل لينين يرى الثورة في تصاعد: “تتزايد إمكانيات شن حركة فورية عبر روسيا كلها. وتتزايد احتمالية دمج الانتفاضات الجزئية في انتفاضة شاملة واحدة. أما حتمية إضراب سياسي وانتفاضة تقاتل من أجل السلطة، فلها جذور تستشعرها قطاعات عريضة من الشعب” (5).

وعلى الرغم من ذلك، عمد لينين في بداية ديسمبر، أي بعد ستة أشهر، إلى مراجعة موقفه. وبدون أي اعتذارات، أوضح لماذا كان مختلفاً في تقديره عن الآخرين – وبالأخص المناشفة – الذين قد اعترفوا منذ شهور عدة بهزيمة الثورة:

“إن الماركسي هو أول من يرى اقتراب المد الثوري أثناء سعيه لإيقاظ الشعب إلى ناقوس الخطر بينما أولئك السياسيون ضيقو الأفق لا يزالون يمكثون في سُباتهم الوضيع. الماركسي هو أول من يأخذ طريق النضال الثوري المباشر.. وآخر من يعطي ظهره لهذا الطريق، ويفعل ذلك فقط حينما تنفذ كافة الإمكانيات المحتملة، حينما ينعدم الأمل في النهوض الثوري خلال فترة قصيرة، حينما تختفي إمكانيات الدعوة للإضراب العام أو للإعداد للانتفاضة، إلخ. لذا فإن الماركسي يتعامل بازدراء واحتقار شديدين مع أولئك المرتدين الذين يصيحون: إننا أكثر تقدمية منكم.. نحن أول من دعا للثورة.. نحن أول من طرح الملكية الدستورية” (6).

لا يمكن أن يقبل الثوري الهزيمة دون أن يلمس حقائق مادية غير قابلة للشك تدل على تلك الهزيمة.. وهكذا فإن الثوريون هم آخر من يرحل عن ميدان المعركة.

وجهة نظر خاطئة

في العام 1907، بدأ الاقتصاد العالمي ينزلق نحو أزمة عميقة، تلك الأزمة التي توقع لينين أن تجلب نضالاً ثورياً عميقاً وواسعاً وتدفع الملايين للانخراط في الحركة الثورية مرة أخرى. وهكذا كتب في مسودة قرار للمؤتمر الخامس لحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي: “هناك عدداً من الحقائق التي تثبت لأقصى درجة تكثيف النضالات العمالية في المستقبل القريب.. هذه التحركات الاقتصادية يجب النظر إليها باعتبارها مصدراً لكل الحالة الثورية التي تتطور في روسيا” (7).

وفي القلب من الماركسيين الروس الذين هيمنت عليهم فكرة أن الأزمة الاقتصادية من الضروري أن تولد نضالاً ثورياً، كان الاستثناء الوحيد في فهم العلاقة بين الأزمة الاقتصادية والنضال الثوري، هو ليون تروتسكي، والذي أثبت صحة وجهة نظره ببراعة فريدة:

“بعد فترة من المعارك والهزائم الكبرى، قد تؤدي الأزمات الاقتصادية، لا إلى استنهاض طاقة الطبقة العاملة في النضال، بل إلى سواد حالة من الإحباط بين صفوفها، بحيث تدمر ثقة العمال في قوتهم الجماعية وتقتلهم سياسياً. وفقط نهضة صناعية تستطيع أن تضخ دماءاً جديدة في شرايين الطبقة العاملة، وتعيد لها ثقتها بنفسها، وتجعلها قادرة على النضال مجدداً” (8).

كان تروتسكي محقاً تماماً في استنتاجه، وها هو يوضحه بشكل أفضل مسقطاً إياه على خبرة العام 1907، حيث كتب أن:

“الأزمة الصناعية العالمية، والتي اندلعت في 1907، قد أطالت أمد الركود الاقتصادي في روسيا ثلاث سنوات أخرى، ولم تدفع العمال على الإطلاق لشن نضالاً جديداً، بل بعثرتهم وأضعفتهم أكثر من أي وقت مضى. وتحت الضربات المتتالية بإغلاق المصانع وتفشي البطالة والفقر، عاشت الجماهير المنهكة حالة إضافية من اليأس الذريع. ومثلت تلك الحالة هي القاعدة المادية لـ “إنجازات” رجعية ستوليبين. كانت البروليتاريا بحاجة لطفرة صناعية جديدة تنعشها وتعيد إحساسها بقوتها، تملء قواعدها، وتمنح لها مرة أخرى شعورها بأن لا غنى عنها في عملية الإنتاج، وتغمسها في النضال مجدداً” (9).

الرجعية تنتصر

سادت الرجعية البغيضة طيلة السنوات من 1907 إلى 1910، ويمكننا أن نقيس حالة التراجع في الحركة العمالية إذا ألقينا نظرة سريعة على الانخفاض المأساوي في عدد المشاركين في الإضرابات العمالية بعدما وصلت قمتها في 1905 (10):

العام عدد العمال المضربين (بالألف) النسبة إلى إجمالي العمال
1895 – 1904 431 1.46 – 5.10
1905 2,863 163.8
1906 1,108 65.8
1907 740 41.9
1908 176 9.7
1909 64 3.5
1910 47 2.4

“في 1908، وحتى في 1909، انخفضت أعداد المضربين حتى عما كانت عليه في السنوات العشرة التي سبقت الثورة” (11). بل وكان الانخفاض في الإضرابات السياسية ملحوظاً، كما هو موضح في الجدول التالي الذي يرصد إجمالي أيام الإضراب السياسي في السنوات من 1895 إلى 1908 (12):

العام إجمالي أيام الإضرابات إجمالي أيام الإضرابات السياسية
1895 – 1904 2,079,408  
1905 23,609,387 7,569,708
1906 5,512,749 763,605
1907 2,433,123 521,647
1908 864,666 89,021

أدى تراجع الثورة إلى أن أصبحت يد الحكومة القيصرية مطلقة في القمع وفي إرهاب الطبقة العاملة:

“خلال فترة ديكتاتورية ستوليبين، صدر 5 آلاف حكماً بالإعدام، فيما تم إعدام 3500 شخص بالفعل، ويُقدّر ذلك على الأقل بثلاثة أضعاف من أُعدموا خلال فترة الحركة الجماهيرية (باستثناء الذين قُتلوا رمياً بالرصاص دون محاكمة بعد قمع الانتفاضة المسلحة)” (13).

تفكك الحركة العمالية

بمجرد أن بدأت الحركة الثورية في التراجع، بدأت أيضاً الحكومة القيصرية في استعادة الثقة والبطش بالحركة العمالية التي صارت تتفكك بسرعة كبيرة، وانعكست الهزيمة في وسط الطبقة العاملة في حالة من الانحطاط الحاد في معنوياتها. لم يكن بمقدر العمال الاستمرار في المقاومة لفترة أطول وتحللت الحركة العمالية بشكل كامل.

وفي 1 مارس 1908، كتب لينين:

“مرت أكثر من ستة أشهر على انقلاب الثالث من يونيو الرجعي، وبدون شك هذا النصف الأول من السنة يكشف عن تراجع وضعف كافة التنظيمات الثورية، بما يشمل تنظيمات الاشتراكيين الديمقراطيين. التذبذب، التعثر، والتفكك، تلك هي السمات العامة لنصف السنة المنصرمة” (14).

لكنه لم يستسلم بسهولة؛ فلقد تمسك بكل قشة يمكن أن تشير إلى صعود الحركة مجدداً، كزيادة توزيع الإصدارات السرية أو استمرار بعض المجموعات المحلية أو المصنعية في البقاء، إلخ. وفي يناير 1909، كان لدى لينين بعض الأمل حينما أعلن أن “المؤتمر الحالي لحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي إنما يشير إلى نقطة تحول في مسار تطور حركة الطبقة العاملة بعدما انتصرت الثورة المضادة” (15).

لكنه لم يبن تفاؤله على أي قاعدة تُذكر، وهكذا تبخرت كافة مؤشرات الصعود في الحركة الجماهيرية. وفي الحقيقة، شهد المؤتمر الذي أشرت إليه – والذي عُقد في ديسمبر 1908 – حضور أربعة مندوبين فقط من روسيا (16)، حينها وصف جوزيف ستالين الوضع المزري للحزب في مقالة بعنوان “أزمة الحزب ومهماتنا”، كالتالي:

“لعله ليس خافياً على أحد أن حزبنا يمر اليوم بأزمة حادة وعسيرة. كل تلك المظاهر، من فقدان الحزب عضويته، وانكماش وضعف منظماته، وعزلة هذه المنظمات عن بعضها البعض، وغياب العمل الحزبي المنسق والمنظم، إنما تشير إلى أن الحزب قد أصبح معتلاً وأنه يعيش حالة خطيرة.

وأول تلك العوامل التي تتسبب في إحباط الحزب هو عزلة منظماته عن الجماهير العريضة، ففي وقت من الأوقات كانت قواعد الحزب بالآلاف الذين يقودون مئات الآلاف، حينها كان للحزب جذوراً صلبة في أوساط الجماهير. لكن الوضع تغير الآن كثيراً، وبدلاً من الآلاف، هناك فقط عشرات، وفي أحسن تقدير مئات من الأعضاء الذين لازالوا باقين في منظمات الحزب. ولا يسعنا الكلام هنا لنتحدث عن قيادة الحزب سابقاً لمئات الآلاف، فيكفي الإشارة إلى أن كان لدينا في 1907 حوالي ثمانية آلاف عضو في بطرسبورج وحدها، لكننا اليوم نستطيع بالكاد أن نحشد 300 أو 400 منهم، وهذا وحده كفيل بتوضيح أي أزمة خطيرة نمر بها. ولن نتحدث أيضاً هنا عن الوضع في موسكو والأورال وبولندا والدونتس باسين، إلخ، حيث لا تقل الأزمة خطورة وعمقاً في الواقع. لكن هذا للأسف ليس كل شيء؛ فالحزب لا يعاني فقط من عزلته عن الجماهير، بل أيضاً من عزلة منظماته عن بعضها البعض. فسان بطرسبورج، مثلاً، لا تدري شيئاً عما يجري في الأورال، إلخ. وكل جزء من الحزب يعيش حياته المعزولة المنفصلة تماماً عن بقية الحزب.. باختصار، ليس لدينا اليوم حزباً يعيش حياة واحدة كما كنا في الفترة من 1905 إلى 1907” (17).

كانت حركة الحزب في واقع الأمر يسودها حالة من الفوضى التامة. فعلى سبيل المثال، كان لدى الحزب البلشفي في موسكو، في صيف 1905، 1,435 عضواً (18)، وفي صيف 1906 تضاعف العدد ليصل إلى 5,320 (19)، لكنه انخفض كثيراً في منتصف 1908 إلى 250 عضواً، وبعد ستة أشهر صار فقط 150. وفي 1910، اختفت منظمة الحزب تقريباً في موسكو، وذلك حينما كان منصب الأمين العام للمنظمة من نصيب كوكوشكين، والذي كان في الحقيقة عميلاً للأوخرانا (20).

كان المثقفون هم أول من هموا بمغادرة السفينة البلشفية فورما بدأت بالغرق. علّق لينين على رحيل المثقفين من الحزب بالجملة مستعيناً بالكثير من الخطابات والمراسلات التي تلقاها من رفاقه:

“مؤخراً، أصبحت منظمة المنطقة ميتة نتيجة افتقارنا للعمال المثقفين” – هكذا كتب أحد المراسلين من مصانع كوليباكي. “إن قوانا الأيديولوجية صارب تذوب مثل الثلج” – وهكذا كتب الرفاق من الأورال. “كل العناصر التي تتجنب المنظمات الغير شرعية بشكل كامل، والتي انضمت للحزب فقط في فترة الحراك الصاعد والحرية التي توافرت في الكثير من المناطق، كلهم تركوا منظمات حزبنا” (21).

وبعد عام, في نهاية يناير 1909، وصف لينين الحالة البائسة للحركة بالكلمات الآتية:

“عاماً من التحلل، عاماً من التفكك السياسي والأيديولوجي، عاماً من انجراف الحزب خلف ظهورنا. انخفضت عضوية كافة منظمات حزبنا، وبعضها – بالأخص تلك التي شملت عضوية أقل بروليتارية – انهار تماماً.

إن السبب الرئيسي لأزمة حزبنا هو المثقفون المترددون والعناصر البرجوازية الصغيرة، والتي كان على حزب العمال أن يتخلص منهم، تلك العناصر التي التحقت بحركة الطبقة العاملة أملاً بشكل رئيسي في انتصار مبكر للثورة البرجوازية الديمقراطية، فيما لم تقوى على الاستمرار في فترة الردة الرجعية. إن عدم استقرار تلك العناصر إنما برز في كل من النظرية (الارتداد عن الماركسية الثورية) والتاكتيك (تفريغ الشعارات من مضمونها) كما في التنظيم الحزبي” (22).

وفي خطاب لمكسيم جوركي، في فبراير أو أول مارس 1910، مرة أخرى ذكر لينين “الانهيار الحاد لمنظمات الحزب في كل مكان، وتوقفها التام في العديد من المناطق، ورحيل الإنتلجنسيا من الحزب بالجملة.. كل ما يتبقى لدينا الآن هو الحلقات العمالية والأعضاء الفرادى المعزولين. أما العمال الشباب غير المتمرسين فهم يشقون بطريقهم بصعوبة بالغة” (23).

وفي أكتوبر من نفس العام، كتب:

“إن الأزمة العميقة للحركة العمالية وحزب الاشتراكية الديمقراطية في روسيا لا تزال مستمرة. وتظل هناك الكثير من السمات السلبية في الوضع الحالي.. تفكك منظمات الحزب، والهجرة الجماعية للمثقفين من الحزب، والارتباك والتردد لدى الاشتراكيين الديمقراطيين الذي لا يزالون مخلصين، والإحباط واللا مبالاة السائدين بين قطاعات واسعة من البروليتاريا المتقدمة، وافتقار الدقة في تحديد طريق الخروج من هذا الوضع البائس” (24).

وفي ديسمبر، شكى لينين من أن “اللجنة المركزية داخل روسيا لم تعقد اجتماعاً واحداً خلال العام” (25). وفي مايو 1911، كتب: “في الوقت الحالي، يتلخص الوضع الحالي للحزب في أن، في أغلب المناطق، هناك مجموعات وأنوية عمالية غير تنظيمية وضئيلة للغاية تتقابل دورياً. هذه المجموعات ليس لها اتصال ببعضها، ونادراً ما يتلقون أي تثقيف” (26).

ساهم عملاء الشرطة السريون بشكل كبير في تفكيك حركة الحزب؛ ففي 1910 حتى بداية 1911، تم اعتقال كافة أعضاء اللجنة المركزية البلشفية المتواجدين في روسيا (27). تسللت الأوخرانا إلى كافة منظمات الحزب التي سادها بالتالي مناخ من الشك وغياب الثقة بين الرفاق، تلك الحالة التي أحبطت مبادرات العضوية وحماسهم النسبي. وفي بداية 1910، بعد عدد من الاعتقالات المحسوبة بعناية، أصبح كوكوشكين، عميل الأوخرانا، أميناً عاماً لمنظمة موسكو. ولم يكن الوضع أفضل حالاً في بطرسبورج؛ فقد فسدت القيادات وانهارت منظمات الحزب في المدينة، ولم يُعقد أي مؤتمر للحزب بالخارج بحضور ممثلين له من روسيا إلا وحضره عميل واحد للأوخرانا على الأقل.

وفي 1912، حينما بدأت الجريدة العلنية البلشفية اليومية، البرافدا، في الصدور، شارك اثنين من عملاء الأوخرانا (ميرون تشيرنومازوف ورومان مالينوفسكي) في هيئة تحريرها. وفي حين كان تشيرنومازوف محرراً ورئيساً لهيئة التحرير، كان مالينوفسكي محرراً مساعداً ومسئولاً للمالية في الهيئة. واستطاعت الشرطة، من خلال “مجهودات” مالينوفسكي، أن تحصل أيضاً على قوائم كاملة بكل من ساهم بتبرعات للجريدة وكافة المشتركين الذين يتلقونها يومياً. لم يكن مالينوفسكي مجرد عضو بارز في هيئة تحرير الجريدة، بل أيضاً مسئولاً عن مجموعة البلاشفة في الدوما، بل وعضواً في اللجنة المركزية للحزب. لينين نفسه كان منخدعاً فيه بدرجة تدعو للاندهاش؛ فلقد قال عنه: “لأول مرة يصبح لدينا، بين رفاقنا في الدوما، مثل هذا القائد العمالي الرائع” (28)، واعتاد لينين على دعوته بالخارج لحضور أكثر الاجتماعات أهمية وكان يطلعه دوماً على أكثر المعلومات سرية في حياة الحزب.

عبّر زينوفيف، الذي كان من أقرب الرفاق إلى لينين، عن الحالة التي وصل إليها الحزب كالتالي: “في هذه الفترة البائسة، أوشك الحزب بالفعل على الاختفاء من الوجود” (29).

الحياة في المنفى لا تُطاق

خلال فترة الردة الرجعية، عاش الثوريون في المنفى حياة لا تُحتمل. كان لينين يردد متذمراً: “أشعر أني جئت هنا كي أُدفن”، فيما علقت كروبسكايا: “كانت فترة الهجرة الثانية أكثر قسوة من الأولى بمراحل” (30). استمرت فترة الهجرة الأولى خمسة سنوات، حينها كانت الحركة تبدأ في تصاعد ملحوظ، لكن فترة الهجرة الثانية امتدت طيلة عشر سنوات وقد بدأت بهزيمة الثورة وانتصار الردة الرجعية وتفكك الحزب بشكل كامل.

عاش المهاجرون في المنفى فترة طويلة بائسة من العجز والعزلة، حيث تسربت إليهم روح الخصومة والتشكك، ونشبت فيما بينهم نزاعات ومشاجرات غاضبة، اتهموا فيها بعضهم بالخيانة والعمالة وأصبح كلٌ منهم يلوم رفاقه على الوضع الذي وصلوا إليه حيث الهزيمة والانكسار والإذلال والعذاب اليومي:

“الحياة في المنفى مؤلمة إلى أقصى حد.. نعيش في فقر وعوز دائمين، ونسبة الانتحار كبيرة بيننا، ونسبة مزعزعي الأعصاب لا تُصدق، كثيرة بشكل مخيف. كيف تجري الأمور على نحو مختلف مع الأناس المعذبين؟” (31).

وفي خطابه إلى أخته ماريا، في 14 يناير 1908، كتب: “نحن نُشنق من الأسى كل يوم في هذه الجينيف اللعينة.. إنه كابوس مفذع، لكن ليس بمقدورنا شيئاً لنفعله سوى أن نعتاد على ذلك” (32).

وبعد عشرة أشهر في جينيف، قرر لينين ورفاقه الانتقال إلى باريس، حينها كتب لوالدته: “نأمل أن توفر لنا مدينة كبيرة بعض الحياة، لقد سئمنا من البقاء في هذه المقاطعة المعزولة” (33).

إلا أنه كتب بعد ذلك بعام، في فبراير 1910: “باريس مستنقع فاسد من زوايا عدة.. لازلت غير قادر على التأقلم بشكل كامل، حتى بعدما قضيت عاماً كاملاً هنا” (34). وفي خريف 1911، حينما قدمت أنا لزيارته لم يكن باستطاعته أن يخفي عنها مرارة الهجرة الثانية، حينها تساءل في نبرة إحباط ثقيلة: “هل سنبقى أحياءاً لنشهد ثورة أخرى؟” (35). وفي رسالة أخرى لمكسيم جوركي، في 11 أبريل 1910، كتب: “العيش في المنفى هذه المرة أقسى مئات المرات من المرة الأولى قبل الثورة. المنفى والشجار المتواصل لا ينفصلان” (36).

وضعت كروبسكايا التوصيف التالي لبؤس المنفى:

“كنا نعيش فقراً مدقعاً. كان بمقدور العمال أن يقتصدوا ويدبروا قوت يومهم بهذا الكيف أو ذاك، لكن أوضاع المثقفين كانت سيئة للغاية؛ فليس من الممكن دائماً أن تصبح عاملاً بسهولة.. أتذكر في هذا الصدد الكثير من القصص الموجعة. حاول أحد الرفاق أن يعمل ماسحاً للأحذية، لكن لم يكن من السهل عليه أن يتعلم الحرفة، وكان عليه أن يغيّر عمله باستمرار، لقد عاش في حي عمالي بعيد عن بقية رفاقه المنفيين.. صار رفيقنا ضعيفاً للغاية من قلة الطعام إلى درجة أنه لم يكن يقدر على مغادرة الفراش، وكتب إلينا طالباً بعض المال، إلا أنه طلب ألا يُسلم المال مباشرةً إليه، بل أن يُترك مع البواب.

نيقولاي فاسيليفيتش سابوجكوف (كوزنيتسوف) وزوجته مثلاً، وجدا عملاً في طلاء الفخار، لكنهما كسبا القليل جداً من المال. كوزنيتسوف.. كانت قامته تذوي ووجهه ينكمش من التجاعيد من الجوع المستمر، لكنه لم يشكو قط.. كان هناك الكثيرون في مثل حالته.

أما الحالة الأكثر بؤساً فكان هو الرفيق بريجارا الذي شارك في انتفاضة موسكو المسلحة. عاش في أحد أحياء الطبقة العاملة في باريس، ولم يكن الرفاق يعرفون عنه الكثير. وفي أحد الأيام أتى بريجارا لزيارتنا وبدأ يتحدث متوتراً عن العربات المحملة بحزم الذرة وعن الفتيات الجميلات حولها، إلخ. كان من الواضح أن الرجل قد جن جنونه، ومن الوهلة الأولى ظننا أن ذلك ربما يكون بسبب الجوع الشديد والمستمر. بقى إيليتش معه شاحب الوجه مشفقاً عليه، بينما هرعت لطلب صديق لنا عمل أخصائياً نفسياً، وعندما أتى إلينا تحدث مع بريجارا، وبعدها قال أنه يعاني حالة من الجنون نتيجة الجوع، ورغم أن الحالة ليست حرجة، إلا أنها يمكن أن تتطور إلى جنون الاضطهاد الذي قد يدفعه للانتحار، وأن من الضروري أن يبقى بريجارا تحت الملاحظة.. لم نكن نعرف عنوانه، وبحثنا عنه كثيراً.. وبعد فترة طويلة من الاختفاء، عُثر على جثته في نهر السين مقيداً عنقه وساقيه بالأحجار.. بريجارا انتحر” (37).

ضعف الاتصال مع روسيا

أضافت العزلة عن التحركات الضئيلة، التي استمرت في روسيا بعد هزيمة الثورة، المزيد من التوتر على لينين ورفاقه في المنفى. وعملياً، لم يكن هناك أي تواصل بين لينين والرفاق في روسيا طيلة فترة الردة الرجعية.

كانت كافة صداقات وصلات لينين محصورة فقط في دوائر التجمعات الحزبية، وفي فترة المنفى كانت صلة لينين برفاقه ضعيفة للغاية. شهد مؤتمر ديسمبر 1908، كما أشرنا من قبل، حضور 4 مندوبين فقط من روسيا، وبعد المؤتمر بستة أشهر وفر اجتماع هيئة التحرير الموسعة لجريدة بروليتاري الفرصة للينين كي يقابل خمسة مندوبين من روسيا، لكن ثلاثة منهم كانوا قد حضروا بالفعل مؤتمر ديسمبر 1908، فيما كان اثنين قد هربوا لتوهم من سيبيريا، وفقد لينين أي صلة بهم بعد ذلك.

“بالرغم من أن مكسيم جوركي كان معارضاً للينين، إلا أن الكثير من المراسلات جمعت بينهما (1*). كان جوركي موفقاً كثيراً في المدرسة التي عقدها في كابري في أغسطس 1909، حتى برغم حضور فقط 13 من رجال اللجان الروس. سمح ذلك للينين أن يوسّع دائر معارفه بدرجة ما، حيث خرج خمسة طلاب وواحد من المحرضين من تلك المدرسة وهم لينينيين وأتوا بعد ذلك إلى باريس لمقابلة لينين، أما الثمانية طلاب الآخرين فقد حذوا حذو زملائهم بعد انتهاء المدرسة في ديسمبر.

وهكذا شاء القدر أن يقابل لينين فقط 22 من رجال اللجان الروس طوال الفترة من ديسمبر 1908 إلى ديسمبر 1909. لكنه لم يصادف أن قابل أي منهم طوال الخمسة عشر شهراً التالية حتى عقد مدرسته في ربيع 1911 في لونج جامو” (38).

لم تكن مراسلات لينين إلى روسيا هي الأخرى منتظمة، فقبل مؤتمر 1903 كتب لينين في المتوسط حوالي 300 رسالة شهرياً لرفاقه في روسيا، لكن خلال فترة الهجرة الثانية أوشكت المراسلات أن تختفي تقريباً. ولعل أكثر ما يدل على ذلك هو الطبعة الخامسة الروسية من الأعمال الكاملة للينين التي تتضمن مراسلاته إلى الرفاق في روسيا خلال تلك الفترة: 9 رسائل طيلة العام 1909، و5 في 1910، و7 في 1911، و8 رسائل في النصف الأول من 1912، ومن ثم زاد عدد رسائله إلى 31 في النصف الثاني من 1912، و43 في 1913، و35 في الأشهر السبعة الأولى من 1914″ (39).

لكن الرسائل التي كان يبعثها إليه الرفاق من روسيا كانت تزيد الطينة بلة؛ فالغموض كان سائداً في تلك الرسائل، ربما من أجل مراوغة الرقابة، وقد يكون الأمر بسبب أن ليس لديهم شيئاً ليكتبوا عنه، أو لأنهم كانوا يرغبون في نقل صورة غامضة له. وهكذا كان لينين يشكو بغضب: “بعث إليّ نيقولاي برسالة تعج بالصراخ، لكن عديمة النفع” و”الرسائل التي ترسلونها ليست إلا عبارات تليغرافية مختصرة وشديدة الغموض” و”تلقيت رسالتيكما وانتابتني الدهشة بحق.. هل هناك أبسط من أن تكتبوا رسائل بسيطة وواضحة” (40). وغالباً ما كان الرفاق منقطعين تماماً عن مراسلة لينين، وطيلة الفترة من 1909 إلى 1916، ذكر لينين الكثير من الملاحظات في رسائله المختلفة، مثل: “يا للتعاسة، لم نتلق أي أنباء منكم منذ فترة طويلة، نحن معزولون تماماً هنا، حاولنا أن نتواصل معك ومع فياتش لكننا لم نفلح في ذلك” (41)، أو “أيها الرفاق الأعزاء، لم نتلق أي أخبار منكم منذ وقت طويل (يقصد المكتب الروسي للجنة المركزية للحزب)” (42). كل هذه الملاحظات تتلخص ببساطة في هذا الرجاء: “أرجوكم بحق الرب، تواصلوا معنا أكثر من ذلك. التواصُل، التواصُل، التواصُل.. هذا ما لا نحظى به أبداً” (43).

تضاعفت تلك المصاعب في التواصل بالأخص بعد انهيار نظام توزيع الصحف البلشفية التي كانت تصدر أغلبها بالخارج، ولم يقم قائمة لهذا النظام أبداً بعد هزيمة ثورة 1905. وبالكاد كان يتم تهريب بعض النسخ من الخارج إلى روسيا. وبالإضافة إلى ذلك، غالباً ما كان يشكو رجال اللجان الروس من انفصال مضمون تلك الصحف عن الظروف التي تعيش في ظلها روسيا، أي أنها كانت عملياً عديمة النفع. وفي 1909، كتب ستالين:

“الصحف التي تصدر بالخارج، بالإضافة إلى أنها تصل روسيا بكميات زهيدة للغاية، إلا أنها أيضاً تنفصل بشكل كامل عن حياة الحزب داخل روسيا، لذا فهي غير قادرة على التعليق أو حتى أن تأخذ في الاعتبار القضايا التي تثير العمال وتشغل بالهم، وهكذا فلا يمكنها بالتالي أن تخلق روابط متينة بين المنظمات المحلية للحزب.

هذا التوجه في التفكير يعد نموذجياً للناشط “العملي” الذي يضع في اعتباره، في المقام الأول، العمل التنظيمي الذي يمارسه ويحافظ عليه في ظل ظروف قاسية، لكنه يبدو حانقاً على مجموعات النقاش التي يعقدها رفاقه المهاجرين. ترددت أصداء ما كتبه ستالين في مؤتمر براج في 1912، حين أعلن بياتنيسكي: “لقد هاجمت هيئة التحرير بعنف لأنها أحياناً تتغافل عن أن الجريدة المركزية – سوسيال ديمقراط – لا تخاطب فقط الرفاق بالخارج الذين هم على دراية بكافة صراعات الحزب، لكن بشكل أساسي تتعامل مع الرفاق داخل روسيا” (45).

كتب الدكتور ن. أ. سيماتشكو، الذي كان نفسه منفياً بالخارج: “عادةً ما تبدو نزاعات المهاجرين وكأنها صدامات حول ما جرى في الماضي، صدامات حول قضايا معزولة تماماً عما يجري في الواقع، وهذا صحيح إلى حد كبير” (46). أما الرفيق سورين سباندريان، فقد قال، في مؤتمر يناير 1912 الذي اُنتخب خلاله عضواً من سبعة أعضاء في اللجنة المركزية، معبراً عن شكه في حاجة الحزب لمجموعات المهاجرين من الأصل: “دعوا أولئك الذين يرغبون في العمل أن يأتون إلى روسيا بصحبتي” (47).

لينين يعلّم الحزب كيف ينسحب

إن قيادة الجيش أثناء الانسحاب لهي مهمة أكثر صعوبة بمراحل من قيادته أثناء الهجوم. ولا شك أن أكثر صفحات تاريخ البلشفية صعوبة وتعقيداً كانت هي سنوات التراجع، سنوات الهزيمة والانكسار، السنوات التي بقى فيها لينين معزولاً أكثر من أي وقت قبلها أو بعدها. بعد سنوات عدة، نظر لينين للخلف ولاحظ أن على القادة الثوريين أن يتعلموا كيف يتراجعون وكيف ينسحبون:

“يجب على الأحزاب الثورية أن تكمل تحصيلها. فلقد تعلمت الهجوم، أما الآن فيتعين عليها أن تفهم أن من الضروري أن تتمم هذا العلم بعلم كيفية التراجع الصحيح، يتوجب عليها أن تفهم – والطبقة الثورية تتعلم فهم ذلك بتجربتها المريرة – أنه يستحيل الانتصار بدون التضلع بالهجوم والتراجع الصحيح”.

واستطرد لينين بزهو بالغ:

“ومن بين جميع الأحزاب المعارضة والثورية المنهزمة، تراجع البلاشفة بأكبر نظام، وبأقل خسارة في “جيشهم” مختفظين بنواته بدرجة أكبر وبأقل انشقاق في صفوفهم (من حيث العمق واستحالة العلاج) وبأقل درجة من وهن الهزيمة وبأكبر قدرة على استئناف العمل على أوسع نطاق وبأقصى الصواب والنشاط. ولم يفلح البلاشفة في ذلك إلا بسبب أنهم فضحوا دون رحمة وطردوا الثوريين المتشدقين الذين لم يريدوا أن يفهموا أنه لابد من التراجع، وأنه لابد من المهارة في التراجع”.

وبشكل ملموس، كان ذلك يعني الانسحاب عن ميدان النضال الثوري المفتوح والمباشر، وبدلاً من ذلك: “تعلم العمل العلني في أكثر البرلمانات رجعية وفيما هو الأكثر رجعية بين النقابات والمنظمات التعاونية ومنظمات التأمين وما شاكلها” (48).

الموقف من انتخابات الدوما

احتلت قضية الموقف تجاه مجلس الدوما القيصري أهمية مركزية طيلة سنوات عدة، والجدالات التي دارت حول هذه القضية قادت لينين إلى الاختلاف مع أغلبية البلاشفة، وبالتأكيد مع المناشفة لعدة أسباب.

احتلت القضية صدارتها لأول مرة في مايو 1905، قبل مؤتمري البلاشفة والمناشفة في ذلك العام، حينما أعطى القيصر أوامره لوزير الداخلية آنذاك، بوليجين، للعمل على مسودة قرار بإنشاء جمعية استشارية تمثيلية. فضّل المناشفة المشاركة في انتخابات الدوما حتى عندما تم الإعلان عن الشروط المجحفة لها، في 6 أغسطس، والتي كشفت عن عدم ديمقراطية إجراءات الانتخابات نفسها، حيث تُجرى عبر عدة مراحل ينقسم فيها الناخبين وفقاً لحالتهم الاجتماعية، مع تمثيل ضئيل للعمال. أما البلاشفة، فقد اتخذوا موقف المقاطعة “الإيجابية والنشيطة” لهذه الانتخابات.

وفي بداية سبتمبر 1905، انعقد مؤتمر لكافة الاشتراكيين الديمقراطيين عبر البلاد، حيث ضم البلاشفة والمناشفة، والحزب الاشتراكي الديمقراطي اللاتفي والبولندي، والبوند اليهودي، والحزب الثوري الأوكراني، وقرر المؤتمر – باستثناء مندوبي المناشفة – تأييد موقف المقاطعة. وفي مقالة بعنوان “مقاطعة دوما بوليجين والانتفاضة”، في أغسطس 1905، شرح لينين مضمون موقف المقاطعة الذي تبناه كالتالي:

“في تمايز عن الامتناع السلبي عن المشاركة في الانتخابات، تقتضي المقاطعة الإيجابية النشيطة مضاعفة التحريض عشرة أضعاف، تنظيم الاجتماعات في كل مكان، والاستفادة من اجتماعات الانتخابات، وتنظيم المظاهرات والإضرابات السياسية، إلى آخره” (49).

وفي 11 ديسمبر، صدر تشريع يتضمن قانوناً انتخابياً جديداً، وبرغم تأكيد القانون على تقسيم الناخبين وفقاً لأوضاعهم الاجتماعية وإجراء الانتخابات عبر عدة مراحل، إلا أنه قد قدم تنازلات ذات شأن فيما يتعلق بتمثيل العمال والفلاحين في الدوما، حيث أقر القانون بزيادة عدد مرشحيهم. لكن أبقى القانون على تمثيل كبار ملاك الأرض والإقطاعيين أكبر بكثير من تمثيل الفلاحين، كما كان يتوجب على العمال والفلاحين أن يصوّتوا بمعزل عن الطبقات الأخرى من المجتمع.

“جعل القانون صوت الإقطاعي يكافئ ثلاثة أصوات للبرجوازي المدني، و15 صوت للفلاح، و45 للعامل. وعلاوة على ذلك، شكل الناخبون في المناطق العمالية 4% فقط من إجمالي المصوتين لمرشحي دوما الدولة” (50).

حينما جادل لينين في صالح مقاطعة انتخابات الدوما آنذاك، كان واضحاً في أن هذا التاكتيك مبني على فرضية أن الثورة في طريقها لاستجماع زخمها بشكل أكبر، وهكذا كتب: “إن المقاطعة النشطة أمر غير معقول بدون شعار واضح وفوري، والانتفاضة المسلحة فقط هي ما يمكن أن تكون هذا الشعار” (51). وبعد هزيمة انتفاضة موسكو المسلحة في ديسمبر 1905، ظل لينين يجادل في صالح موقف المقاطعة مستنداً إلى طرحه بأن كل ما حدث هو أن الثورة متوقفة بشكل مؤقت، والانتفاضة القادمة ليست بعيدة.

في النهاية، التزم كل من البلاشفة والمناشفة بمقاطعة انتخابات الدوما، بعد أن غيّر المناشفة موقفهم، إلا العديد من الاشتراكيين الديمقراطيين قد شاركوا بشكل فردي في الانتخابات في تحدي صارخ لتعليمات الحزب. حقق الكثيرون منهم نجاحات معقولة، فيما دفع المناشفة بشكل متسرع إلى قبول فكرة أنهم كانوا خاطئين في موقفهم بمقاطعة انتخابات الدوما. وحينما عُقدت الدوما في 28 أبريل 1906، كانت الجلسة الأولى تضم 14 من النواب الاشتراكيين الديمقراطيين الذين نظموا أنفسهم في مجموعات منفصلة. وفي انتخابات لاحقة، نجح خمسة مرشحين آخرين من المناشفة الجورجيين.

وفي مايو، علّق لينين على هذا النصر الانتخابي في مقالة بعنوان “النصر الانتخابي للاشتراكيين الديمقراطيين في تيفليس”:

“نحن نرحب بانتصار رفاقنا في القوقاز.. يعلم قراؤنا جيداً أننا كنّا في صالح المقاطعة.. لكن، بدون شك، إذا كان الاشتراكيين الديمقراطيين المنتخبين في الدوما يسيرون على الخطى الرئيسية للحزب، فنحن، كأعضاء حزب موحّد، سوف نبذل كل ما نستطيع من جهد لمساندتهم في واجباتهم الشاقة” (52).

وعندما انعقد مؤتمر حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي في ستوكهولم (أبريل – مايو 1906)، طرح مندوبي المناشفة من القوقاز أنه ينبغي على الحزب أن يتخلى عن موقف المقاطعة وأن يقدم مرشحين للانتخابات السارية. وفي حين كان رد فعل البلاشفة أن اتهموا نظراءهم المناشفة بالخيانة، شعروا بالصدمة حينما وجدوا لينين يصوّت مع المناشفة في صالح المشاركة في الانتخابات، مخترقاً بذلك التزام البلاشفة بالتصويت معاً.

وفي نهاية يونيو 1906، كتب لينين مبرراً موقفه:

“هل مقاطعتنا تعني بالضرورة ألا ينبغي علينا تشكيل مجموعتنا الحزبية في الدوما؟ بالطبع لا.. لقد كنّا ملتزمين ببذل كل ما نستطيع لمنع انعقاد هذا الكيان المزيف.. لكن طالما أنه انعقد برغم كل مجهوداتنا، فلا يمكن أن نتهرب من مهمة استخدامه” (53).

وفي 12 أغسطس، وضع لينين حداً لا لبس فيه للمقاطعة:

“على الجناح اليساري في الاشتراكية الديمقراطية أن يعيد النظر في مسألة دوما الدولة. لقد تناولنا تلك القضية دوما بشكل ملموس باتصال وثيق مع موقف سياسي محدد” (54).

“حان الوقت الذي يتوقف فيه الاشتراكيون الديمقراطيون عن المقاطعة، ولا ينبغي علينا أن نرفض المشاركة في الدوما الثانية إذا انعقدت. لن نرفض استغلال هذه المساحة، لكننا أيضا لن نبالغ في أهميتها، بل على العكس، سنعمل، مسترشدين بالخبرة التي يقدمها لنا التاريخ، على إخضاع النضال الذي نشنه داخل الدوما إلى نضال من نوع آخر خارج الدوما: الإضرابات والانتفاضات، إلخ” (55).

وبعدما أجرى هذا التحول في خطه السياسي، وجد لينين نفسه معزولاً بين رفاقه البلاشفة، وفي المؤتمر الثالث لحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي في فنلندا (21 – 23 يوليو 1907)، قدم لينين مشروع قرار ضد المقاطعة، في حين قدم المتحدث الرسمي بإسم البلاشفة، بوجدانوف، قراراً في صالح المقاطعة، ولم يحظى قرار لينين بتأييد أي من مندوبي المؤتمر، وفي المقابل اتهموه بخيانة البلشفية.

ذكر مشروع القرار الذي أعده لينين أن:

“1) المقاطعة النشيطة، كما أظهرت لنا خبرة الثورة الروسية، تعد تاكتيكاً سليماً يتبعه الاشتراكيون الديمقراطيون فقط في حالة موجة ثورية سريعة وكاسحة تتطور إلى انتفاضة مسلحة، وفقط في اتساق مع الأهداف الأيديولوجية للنضال ضد الأوهام البرلمانية النابعة من انعقاد الجمعية التمثيلية الأولى للنظام القديم.

2) وفي غياب تلك الظروف، فإن التاكتيك السليم للاشتراكيين الديمقراطيين الثوريين هو الدعوة للمشاركة في الانتخابات كما كان الحال مع الدوما الثانية” (56).

لم يكن لينين يهتم بحقيقة أنه قد توصل لاستنتاج ضرورة التوقف عن مقاطعة الانتخابات متأخراً بعد المناشفة الذي سبقوه في ذلك، بل على العكس، فخطأ من هذا النوع ليس خطئاً على الإطلاق؛ فـ “الاشتراكي الديمقراطي الثوري ينبغي أن يكون الأول في اتباع المسار الأكثر حسماً والأكثر مباشرة في النضال.. وعليه أن يكون الأخير التكيف مع الأساليب الملتوية الغير مباشرة في النضال” (57) (2*).

كما أدرك لينين بعمق أن البلاشفة الذين يصرون على الاستمرار في المقاطعة يضمون العناصر الأكثر قتالية وتفانياً وإخلاصاً في النضال:

“لاشك أن التعاطف مع المقاطعة نابع على وجه الدقة، لدى الكثير من الناس، من رغبة محمودة لدى الثوريين في الحفاظ على تقاليد أفضل ماضي ثوري وتنشيط مستنقع الرتابة اليومية الكئيب بلهيب نضال شجاع مفتوح وحازم. لكن تمسكنا بالتقاليد الثورية العزيزة علينا هو، بالضبط، ما يلزمنا بالاحتجاج الشديد ضد اعتقاد أن تطبيق شعار حقبة تاريخية معينة يمكنه أن يستثير أهم شروط تلك الحقبة. إن الحفاظ على تقاليد الثورة، وإتقان الاستفادة منها لأجل دعاوة وتحريض متواصلين ولأجل تمكين الجماهير من معرفة شروط النضال المباشر والهجومي ضد المجتمع القديم، هو أمر يختلف تماماً من ترديد شعار منزوع من الشروط التي ولدته، وضمنت نجاحه، قصد تطبيقه على شروط مغايرة جوهرياً” (58).

طالب لينين البلاشفة بدرجة أعلى من الاستعداد لمواجهة التطورات العملية على أرض الواقع: “وبما أن الثورة المضادة اللعينة نجحت في اقتيادنا إلى حظيرة الخنازير اللعينة تلك، فسنعمل هناك أيضاً من أجل خدمة الثورة، من دون أنين، لكن أيضاً من دون تفاخر” (59).

وبعد سنوات عديدة، عاد لينين إلى نفس القضية، فكتب:

“كثيراً ما تفرض الظروف المساومات على الحزب المناضل بصورة لا مفر منها.. إن مهمة الحزب الثوري حقاً لا تفرض الامتناع عن كل المساومات التي لا مفر منها، بل تفرض معرفة الحزب كيف يبقى، عبر جميع المساومات التي لا مناص منها، مخلصاً لمبادئه ولطبقته ولمهمته الثورية، ولواجبه في الإعداد للثورة وتمهيد الطريق لجماهير الشعب من أجل إحراز النصر في الثورة.

إن قبول الاشتراك في الدوما الثالث والرابع كان مساومة، إذ كان عدولاً مؤقتاً عن المطالب الثورية، ولكنها كانت مساومة اضطرارية، لأن توازن القوى حينذاك حرمنا من إمكانية النضال الثوري الجماهيري، في حين كان ينبغي – من أجل الإعداد لهذا النضال خلال فترة طويلة – العمل أيضاً من خلال “حظيرة” كهذه. ولقد أثبت التاريخ صحة هذا النحو الذي سلكه حزب البلاشفة” (60).

هوامش:

(1*) بالرغم من معارضة جوركي للينين، وبالرغم من أن جوركي لم يكن بلشفياً قط في تلك الفترة، إلا أنه كان يقوم بتحرير القسم الأدبي في مجلة “التنوير” البلشفية، وهي مجلة سياسية/ اجتماعية/ أدبية صدرت في بطرسبورج من ديسمبر 1911 إلى يونيو 1914 (أنظر الفصل التاسع عشر: البرافدا) – المترجم.

(2*) كتب لينين ذلك في نهاية أكتوبر 1906، بجريدة فبريود، مقالة بعنوان “الاشتراكيون الديمقراطيون والاتفاقات الانتخابية – The Social-Democrats and Electoral Agreements” – لينين: الأعمال الكاملة باللغة الإنجليزية، صفحة 278. سنقتبس هنا فقرة أخرى من نفس المقالة لتوضيح مقصد لينين:

“إن مشاركة الاشتراكيين الديمقراطيين في حملات انتخابات الدوما إنما لها طبيعة خاصة مختلفة تماماً عن مشاركة الأحزاب الأخرى. فعلى نحو مختلف عنهم، نحن لا نعتبر هذه الحملة كهدف في حد ذاته أو حتى نعتبرها ذات قيمة جوهرية. على نحو مختلف عنهم، نحن نخضع هذه الحملة لمصلحة النضال الطبقي”. المصدر السابق، صفحة 278.

(1) Lenin, Collected Works, vol.10, p.135.

(2) KPSS v Rezoliutsiiakh, op. cit., vol.1, pp.100-01.

(3) Lenin, Collected Works, vol.10, p.152.

(4) ibid., vol.1, p.17.

(5) ibid., p.130.

(6) ibid., p.351.

(7) ibid., vol.12, p.142.

(8) Trotsky, My Life, op. cit., p.223.

(9) Trotsky, Stalin, op. cit., pp.126-27.

(10) Lenin, Collected Works, vol.16, pp.395-96.

(11) ibid., p.395.

(12) ibid., p.406.

(13) Pokrovsky, op. cit., vol.2, p.284.

(14) Lenin, Collected Works, vol.15, p.17.

(15) ibid., p.345.

(16) Krupskaya, op. cit., p.192.

(17) Stalin, op. cit., vol.2, pp.150-51.

(18) Lane, op. cit., p.104.

(19) Martow, Geschichte der russischen Sozialdemokratie, op. cit., p.195.

(20) Trotsky, Stalin, op. cit., p.95.

(21) Lenin, Collected Works, vol.15, pp.17-18.

(22) ibid., pp.345-46.

(23) ibid., vol.34, p.411.

(24) ibid., vol.34, p.411.

(25) ibid., vol.17, p.17.

(26) ibid., p.202.

(27) ibid., p.581.

(28) ibid., vol.36, p.21.

(29) Zinoviev, op. cit., p.241.

(30) Krupskaya, op. cit., p.148.

(31) Lenin, Collected Works, vol.18, p.319.

(32) ibid., vol.37, p.372.

(33) ibid., pp.396-97.

(34) ibid., p.451.

(35) ibid., p.56.

(36) ibid., vol.34, p.421.

(37) Krupskaya, op. cit., pp.185-86.

(38) ibid., p.218.

(39) D.A. Longley, Central Party Control in the Bolshevik Party, 1909–17, mimeographed 1973.

(40) Lenin, Sochineniia, 5th Russian edition, vol.48, pp.54-55.

(41) ibid., vol.47, p.223.

(42) ibid., vol.48, p.267.

(43) ibid., p.58.

(44) Stalin, op. cit., vol.2, p.159.

(45) Piatnitsky, op. cit., p.162.

(46) Proletarskaia revoliutsiia, no.2(14), 1923, p.452.

(47) Istoriia KPSS, Moscow 1966, p.369.

(48) Lenin, Collected Works, vol.31, p.28.

مذكور في: لينين، “مرض اليسارية الطفولي في الشيوعية”، دار التقدم، موسكو، ص 7 – المترجم.

(49) ibid., vol.9, p.182-3.

(50) ibid., vol.12, pp.513-4.

(51) ibid., vol.9, pp.182-3.

(52) ibid., vol.10, pp.423–24.

(53) ibid., vol.11, pp.80–81.

(54) ibid., p.141.

(55) ibid., p.145.

(56) ibid., vol.13, p.60.

(57) ibid., vol.11, p.278.

(58) ibid., vol.13, pp.39-40.

(59) ibid., p.42.

(60) ibid., vol.25, pp.305-06.

مذكور في: لينين، المختارات في ثلاث مجلدات، المجلد 3، “بصدد المساومات”، سبتمبر 1917 – المترجم.

« السابق التالي »