بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

لينين – بناء الحزب

« السابق التالي »

التقارب مع المناشفة

خلال الشهور العاصفة لثورة 1905، شهد الحزب المنشفي حالة من التدفق والسيولة التي أودت به إلى الارتباك وعدم التنظيم. تشكل الحزب آنذاك من عناصر وسطية انجرفت، تحت تأثير الأحداث، إلى اليسار لترفض التحالف مع الليبراليين، وتتبنى بذلك نفس وجهة النظر البلشفية:

“الكثير من المناشفة بدأوا يفقدون إيمانهم بالثورة البرجوازية، إنهم اليوم يحتقرون البرجوازية إما بوصفها خائنة للثورة متمترسة في خندق الثورة المضادة، أو أنها عملياً غير موجودة في النضال أصلاً. ومثل البلاشفة، فهم يجهزون للاستيلاء على السلطة وتأسيس حكومة انتقالية ثورية. وكما كتب دان لكاوتسكي فـ “كأنما نعيش اليوم في هذيان تام.. المناخ الثوري له تأثير الخمر” (1).

وفي الفترة التي كان تروتسكي وبارفوس هما محررا الجريدة المنشفية، ناشالو، كانت العلاقة بينهما وبين الجريدة البلشفية، نوفايا جيزن، كما وصف تروتسكي:

“ودودة للغاية. لم تنخرط أي منهما في أي سجال ضد الأخرى. وكما ذكرت نوفايا جيزن: “صدر للتو العدد الأول من ناشالو، إننا نرحب بجريدة رفاق في النضال. وعن الملحوظ في هذا العدد ذلك الوصف المبهر لإضراب أكتوبر الذي كتبه الرفيق تروتسكي”. بالتأكيد لا يكتب الناس هكذا حين يتصارعون ضد بعض، لكن لم يكن هناك أي صراع يُذكر، بل على العكس؛ دافعت كلٌ منهما عن الأخرى ضد هجوم الصحافة البرجوازية. وحتى بعد عودة لينين، أخذت نوفايا جيزن تدافع عن مقالاتي عن الثورة الدائمة، بل أيضاً اتبعت كلٌ من الجريدتين سياسة استعادة وحدة الحزب مرة أخرى. كما مررت اللجنة المركزية البلشفية، التي كان لينين عضواً فيها، قراراً بالإجماع يعترف بأن الانشقاق نتج فقط عن ظروف المنفى خارج البلاد، وأن تطورات الثورة قد فرّغت الصراع بين شقي الحزب من أي مضمون. وكنت قد دافعت عن هذه السياسة في ناشالو حتى بالرغم من المقاومة السلبية التي أظهرها مارتوف” (2).

وبعد عدة سنوات، كان بمقدور لينين أن يكتب: “تذكروا ناشالو.. تذكروا المقالات التي حملت روح “ويت عميل البروس، وستروف عميل ويت”. كانت مقالات ممتازة في عهود ممتازة، لم نكن نختلف مع المناشفة آنذاك في تقييمنا للكاديت” (3). حتى المنشفي اليميني تشيرفانين كان يتذكر بأسى سنوات 1905 و1906: “وقع المناشفة تحت تأثير الثمالة الثورية للبلاشفة، بالمشاركة في إضراب نوفمبر في سان بطرسبورج، وبرفع مطلب تحديد يوم العمل بثماني ساعات، وبمقاطعة الدوما الأولى” (4).

وضع مؤقت ومستقبل ممكن

في موسكو، كان المناشفة يتصدرون مقدمة النضال العمالي بشكل كبير. وفي اجتماع للسوفييت في 6 ديسمبر، أيدوا بحماسة شديدة قراراً بالإضراب العام والانتفاضة المسلحة (5)، وبعد أيام قليلة أصدروا عدداً من المنشورات المؤيدة للانتفاضة المسلحة (6). وهكذا لخص القيادي المنشفي مارتينوف أداء المناشفة في 1905 حينما كتب: “كنا نقول لأنفسنا آنذاك: بما أن الخمر قد صُبّت، فعلينا أن نشربها. في الأوقات الحاسمة على المرء أن يتصرف بصرامة، فليس هناك وقت للتحليل”. إلا أن المناشفة كانوا يتصرفون تحت وقع الأحداث التي اقتادتهم أكثر مما كانوا يحاولون توجيه هذه الأحداث، استطرد مارتينوف: “لكن الفارق ظل موجوداً فارضاً نفسه؛ ففي حين كان موقفنا مدفوعاً بتطورات الأحداث، كان البلاشفة يناضلون من أجل توجيه الدفة ويعتبرون ما كان يحدث طبيعياً” (7). وبعد عدة أشهر، صار مارتينوف يستنكر “جنون” 1905، أما مارتوف فقد كان أداؤه أكثر تميزاً، وفي خطاب إلى رفيقه أكسيلرود، شكى مارتوف.. “منذ شهرين وحتى الآن، لم أستطع أن انتهي من أي من الكتابات التي بدأت فيها. قد يكون ذلك نتيجة إنهاك عصبي أو إرهاق ذهني، لكني لا أستطيع أن أستجمع أفكاري على الإطلاق”. علّق تروتسكي على هذا الخطاب فيما بعد في العام 1917، حينما نُشر الخطاب في العلن، قائلاً: “لم يستطع مارتوف أن يشخّص حالته في 1906، لكن تلك الحالة لها إسماً محدداً: المنشفية”، وأضاف: “في الفترات الثورية، تتلخص الانتهازية، في المقام الأول، في التردد وعدم القدرة على تحديد الأفكار وتجميعها” (8).

أمل لينين في أن يستمر ضغط الأحداث الثورية على المناشفة ويزحزحهم إلى اليسار أكثر فأكثر، وبدايةً من فبراير 1905 دعا لينين للوحدة بين البلاشفة والمناشفة. وفي نوفمبر كتب:

“ليس سراً بالنسبة لأحد أن الغالبية الساحقة بين العمال الاشتراكيين الديمقراطيين مستاءة جداً من انقسام الحزب وتطالب بالتوحيد. ليس سراً بالنسبة لأحد أن حالة الانقسام تسبب استياءاً بالغاً وواسعاً بين العمال الاشتراكيين الديمقراطيين تجاه حزبهم.

يفقد اليوم العمال كل أمل في إمكانية أن يتوحد قادة الحزب مع أنفسهم. وقد ظهرت بالفعل الحاجة إلى الوحدة في كل من المؤتمر الثالث لحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي وفي مؤتمر المناشفة المنعقد في مايو الماضي على حد سواء. ولكن بعد ستة أشهر كاملة، لم تحرز قضية الوحدة أي تقدم. ولعله ليس غريباً أن يُظهر العمال علامات الملل ونفاذ الصبر حيال ذلك” (9).

وفي الحقيقة، كانت الفروع البلشفية والمنشفية تتحرك بالمبادرات العفوية، في استقلال تام عن السياسة المركزية، للاندماج سوياً عبر كل أنحاء روسيا. وفي صيف 1905، صار هناك فيضاً من عمليات الاندماج بين اللجان البلشفية والمنشفية. سأقتبس هنا من الرفيق بياتينسكي الذي يتذكر كيف حدث الاندماج بين شقيّ الحزب في أوديسا حتى قبل إعلان الاندماج رسمياً بين الحزبين بستة أشهر:

“في ذلك الوقت، أتى الرفيق البلشفي ليفا (فلاديميروف) من بطرسبورج ليتقدم بطلب التوحيد مع المناشفة مهما كلّف الأمر، حتى دون انتظار توحد مركزيّ شقيّ الحزب معاً. تلقى ليفا قدراً كبيراً من الدعم من قبل الرفيق بارون (إدوارد إيسين) الذي كان قد وصل إلى أوديسا قبل البوجروم، كما حظت مطالبتهما بالتوحيد باستجابة حارة بين أعضاء الحزب، البلاشفة والمناشفة معاً. لم يكن ذلك عصيّاً على الفهم؛ فضعف وتفتت قوى الحزب – الضئيلة أصلاً – كان واضحاً لكل عضو في الحزب خلال البوجروم. وفي الاجتماع العام لأعضاء منظمة أوديسا، حين ألقى الرفيق جوزيف تقريراً عن الشكل الذي ينبغي أن تتخذه المنظمة بعد بيان 17 أكتوبر، تحدث الرفيقان ليفا وبارون عن ضرورة التوحد الفوري مع المناشفة. لم تعارض منظمة أوديسا الوحدة مع حيث المبدأ، لكنها بالتحديد عارضت طريقة التوحيد من أسفل.

كانت منظمة أوديسا جزءاً من الحزب البلشفي الذي تقع على رأسه لجنة مركزية منتخبة من المؤتمر الثالث للحزب، فكيف في تلك الحالة أن تسعى منظمة أوديسا للوحدة مع المناشفة دون معرفة وموافقة اللجنة المركزية لحزبنا؟ لكن ليف وبارون اختارا أن يؤيدا الوحدة بدون موافقة اللجنة المركزية، وذلك من أجل خلق ضغطاً عليها من أسفل. وبات واضحاً للجنة المركزية أن قرار الوحدة يحظى بتأييد الأغلبية الساحقة في الاجتماعات الحزبية، سواء البلشفية أو المنشفية، فكلما تحدث المدافعون عن الوحدة الفورية يلقى حديثهم تأييداً إجماعياً من قبل الأعضاء. وهكذا كان على اللجنة المركزية البلشفية الخوض في عملية التوحيد مع المناشفة حتى برغم معارضتهم لذلك” (10).

وفي النهاية انعقد مؤتمر التوحيد في ستوكهولم في الفترة بين 23 أبريل إلى 8 مايو 1906، ولم يشمل الحزب الموحد البلاشفة والمناشفة فقط (70 ألف عضو معاً)، بل تضمن أيضاً البوند اليهودي (33 ألف عضو)، والاشتراكيين الديمقراطيين البولنديين تحت قيادة روزا لكسمبورج (28 ألف عضو)، وكذلك الاشتراكيين الديمقراطيين الليتوان (13 ألف عضو).

في أبريل 1906، جادل لينين بأن الاختلافات بين البلاشفة والمناشفة كانت تتضائل على أرضية الممارسة العملية، وأن الوحدة أصبحت ضرورية أكثر من أي وقت مضى.

“بالطبع إذا ما تفحصنا القضية في ضوء الانحرافات التي انجرفت فيها الحركة الاشتراكية الديمقراطية عن مسارها الطبيعي والمعتاد، فإننا سنرى أنه – حتى من هذا المنظور – كان هناك تضامناً وتكاملاً أيديولوجياً أكبر بين الاشتراكيين الديمقراطيين في فترة “العصف الثوري” من أي وقت مضى. ولم تبعد التكتيكات المتبعة في فترة “العصف” جناحي الاشتراكية الديمقراطية عن بعضهما، بل أدت إلى تقريب المسافات بينهما؛ فالخلافات السابقة قد تنحت جانباً وتركت المجال للوحدة في الرأي حول قضية الانتفاضة المسلحة. فقد كان الاشتراكيون الديمقراطيون من كلا الجناحين متفاعلين بقوة في سوفييت مندوبي العمال، هذا السوفييت الذي يمثل أداة خاصة جنينية للسلطة الثورية، جذب الاشتراكيون الديمقراطيون الفلاحون والجنود إلى هذه السوفييتات، وأصدروا البيانات والمراسيم الثورية سوياً مع الأحزاب البرجوازية الصغيرة الثورية. أما الخلافات التي سادت بينهما في فترة ما قبل الثورة، فقد ذابت في مسار القضايا العملية. لقد نحّت الهبة الثورية كل تلك الخلافات جانباً، مجبرةً الاشتراكيين الديمقراطيين على تبني تكتيكات عسكرية، لقد دفعت قضية المشاركة في الدوما إلى الوراء بينما صدرت قضية العصيان كقضية الساعة، كما جذبت الاشتراكيين الديمقراطيين والديمقراطيين البرجوازيين الثوريين بالقرب من بعضهم لإنجاز المهام المطروحة.

في سيفيرني جولوس، دعا المناشفة بالاشتراك مع البلاشفة للإضراب العام والعصيان، كما دعوا العمال لاستكمال هذا النضال حتى الاستحواذ على السلطة. طرح الموقف الثوري نفسه شعارات ثورية عملية، فيما كانت هناك بعض الجدالات فقط حول أمور تفصيلية تتعلق بسير الأحداث، فعلى سبيل المثال اعتبرت ناشالو (جريدة المناشفة) أن سوفييتات مندوبي العمال كأجهزة ثورية للحكومات الذاتية المحلية، بينما اعتبرتها نوفايا جيزن (جريدة البلاشفة) كأجهزة جنينية لسلطة الدولة، وبينما كانت ناشالو أكثر ميلاً لديكتاتورية البروليتاريا، دافعت نوفايا جيزن عن ديكتاتورية العمال والفلاحين الديمقراطية. لكن ألم تكن هناك اختلافات مثل هذه موجودة بالفعل في كل مرحلة من تطور كل حزب اشتراكي في أوروبا؟” (11).

لكن لينين لم يعتقد أنه بالإمكان الاعتماد على المناشفة بشكل كامل، كما لم يرغب في تذويب الشق البلشفي في “الحزب الموحد”. وفي خضم مؤتمر التوحيد، أوضح للوناتشارسكي: “إذا حظينا بأغلبية داخل اللجنة المركزية سنطالب المناشفة بالالتزام الأكثر صرامة وشدة، سنصر على إخضاعهم لوحدة الحزب. وإذا منعتهم طبيعتهم البرجوازية الصغيرة من السير معنا، فدعهم يتحملون مسئولية انقسام الحزب”. حينها سأله لوناتشارسكي: “لكن ماذا إذا بقينا أقلية؟ هل سنُجبر على الخضوع لهم؟”، فابتسم لينين مجيباً: “لن نسمح لفكرة التوحيد بأن تخنق رقابنا، وتحت أي ظرف لن نسمح للمناشفة باقتيادنا بالحبال” (12).

آمن لينين بأن ضغط الأحداث الثوري سيكون وحده كفيلاً بدفع المناشفة أكثر فأكثر إلى اليسار، وظل مصراً على ذلك حتى بعد أن دخل المناشفة، بحلول نهاية 1906، في تحالف انتخابي مع الكاديت الليبرالي، تلك الخطوة التي استنكرها لينين بشدة. حينها كتب في نوفمبر 1906:

“هل التحالف مع الكاديت يتطلب قطع الصلات التنظيمية بشكل كامل، أي الانقسام؟ نحن لا نعتقد ذلك، وكل البلاشفة متفقون على ذلك. لكن أولاً يخطو المناشفة خطوتهم الأولى في طريق الانتهازية.. ثانياً – وهذا هو الأمر الأكثر أهمية – تتطلب الظروف الموضوعية للنضال البروليتاري في روسيا اليوم اتخاذ خطوات محددة وحاسمة. وسواء في حالة صعود الموجة الثورية بشكل كبير (وهذا ما توقعناه) أو في حالة انحسارها تماماً (كما يعتقد بعض الاشتراكيين الديمقراطيين ويخافون قول ذلك) فإن تكتيكات التحالف مع الكاديت سوف تذهب حتماً أدراج الرياح، ولن يكون ذلك في المستقبل البعيد. لذا فإن واجبنا في الوقت الراهن هو تجنب هستيريا المثقفين والحفاظ على وحدة الحزب، أن نثق في قوتنا وصلابتنا، وأن نعكس الغريزة الطبقية للبروليتاريا الثورية” (13).

توقع لينين أن “الرفاق المناشفة بعد أن يتوغلوا في التكتل مع انتهازيي البرجوازية، سوف يرجعون إلى الاشتراكية الديمقراطية الثورية” (14). إلا أنه في ذلك الحين، أصدر مؤتمر تامرفورس (3 – 7 نوفمبر 1906)، تحت تأثير المناشفة، قراراً بالدخول في تكتل انتخابي مع الكاديت. وجاء رد فعل بالإصرار على أن للجان الحزبية المحلية الحق في معارضة القرار في المناطق التي تعمل بها. “في الحملة الانتخابية الجارية، لا يعد القرار الذي اتخذه المناشفة واللجنة المركزية في صالح التكتلات، من الناحية العملية، ملزماً للمنظمات المحلية، كما لا يُلزم الحزب ككل بهذه التاكتيكات المشينة بالتكتل مع الكاديت” (15).

“وافق كل المندوبين بالمؤتمر أن قراراته ليست ملزمة لأحد بأي طريقة، إذ أن هذا المؤتمر إنما هو هيئة استشارية وليست هيئة مخول بها اتخاذ القرارات. كما أن مندوبي المؤتمر لم يتم انتخابهم بديمقراطية، بل تم اختيارهم من المنظمات المحلية من قبل اللجنة المركزية، وبالعدد الذي حددته” (16).

وحول القرارات، تساءل لينين: “ضمن أي حدود تعد تلك القرارات ملزمة؟ إنها بوضوح ضمن حدود قرارات المؤتمر نفسه، وضمن حدود استقلالية منظمات الحوب المحلية التي يعترف بها المؤتمر” (17).

جادل لينين لسنوات عديدة بضرورة إخضاع الهيئات الأدنى بالحزب لهيئاته الأعلى، كان دائم الرفض للتصورات الفيدرالية للحزب وهيكله ونظامه الداخلي. وفي “خطوة للأمام وخطوتان للخلف”، الذي كتبه في فبراير – مايو 1904، أوضح لينين بجلاء أن “الميل الصريح للدفاع عن الاستقلالية الذاتية في مواجهة المركزية إنما هو سمة أساسية للانتهازية في التنظيم” (18).

لكن بالنسبة للينين، فإن من الضروري أن يخضع التنظيم بالكامل للضرورات السياسية، وكان هو نفسه على وشك تقديم قواعد تنظيمية جديدة لمؤتمر الحزب الموحد في 1906 مختلفة تماماً عن تلك التي قدمها من قبل. وبشكل صريح، أوضح لينين بعد ذلك باختصار:

“إن قواعد حزبنا تؤسس المنظمة الديمقراطية للحزب بشكل محدد، بحيث تُبنى المنظمة من أسفل لأعلى على أساس الانتخاب، وتقر القواعد الحزبية بأن المنظمات المحلية مستقلة ذاتياً في أنشطتها المحلية. ووفقاً لهذه القواعد فإن اللجنة المركزية تقوم بتنسيق وتوجيه كل عمل وحركة للحزب، لكن ليس لديها الحق في التدخل في تحديد تركيب المنظمات المحلية. وبما أن كل منظمة مبنية من أسفل لأعلى، فالتدخل في تركيبها من أعلى يعد خرقاً فادحاً للديمقراطية ولقواعد الحزب” (19).

ومن ثم أضاف لينين زاوية أخرى لمفهوم الانضباط الحزبي:

“بعدما تتخذ الهيئات المختصة قراراتها، ينبغي علينا جميعاً، كأعضاء في الحزب، أن نتحرك كرجل واحد. فالبلشفي في أوديسا عليه أن يلقي في صندوق الانتخاب ورقة تحمل إسم مرشح الكاديت حتى إذا كان يصيبه بالاشمئزاز. والمنشفي في موسكو عليه أن يلقي في صندوق الانتخاب ورقة تحمل أسماء مرشحي الاشتراكيين الديمقراطيين حتى إذا كانت روحه تتوق للكاديت” (20).

وبعد ذلك بشهرين، في يناير 1907، جادل لينين بأنه من الضروري استفتاء كل الأعضاء في بعض القضايا التي تواجه الحزب – وهذا الاقتراح يسير بالتأكيد مخالفاً لمبدأ المركزية الديمقراطية.

“من أجل ضمان ديمقراطية حقيقية في تسوية القضايا، ربما لن يكون كافياً أن يتم استدعاء الممثلين المنتخبين في المنظمات المختلفة، بل يصبح من الضروري أن يقوم كافة أعضاء المنظمات، أثناء انتخابهم لممثليهم، أن يعبروا أيضاً عن رأيهم، كلٌ على حدا، في هذه القضايا” (21).

لكن على الرغم من ذلك، أكد لينين على أنه من المستحيل أن تُتخذ كافة القرارات السياسية بالاستفتاء: “فقط القضايا الأكثر أهمية، وبالأخص تلك المرتبطة مباشرةً بتحركات جماهيرية محددة، ينبغي، من أجل الديمقراطية، أن يتم تسويتها ليس فقط بإرسال المندوبين الممثلين لمنظماتهم، بل أيضاً بفرز آراء كل أعضاء الحزب” (22).

باختصار، كان المناشفة غائبين عن التأثير في موجة الأحداث الثورية خلال 1905، وفي ذلك الوقت نضجت الكثير من الفوارق بين التيارات المختلفة داخل المناشفة لتصبح أكثر تمايزاً عن بعضها. فعلى اليمين كان هناك قادة مثل بليخانوف وأكسيلرود ومارتوف، أولئك الذين جرفهم التيار نحو الكاديت وسيطرت على أذهانهم أفكار الثورة البرجوازية تحت قيادة البرجوازية. أما على اليسار فقد كان هناك أناس مثل تروتسكي وبارفوس. وضع لينين أمله على أن تؤدي تلك الاختلافات إلى زحزحة العناصر الوسطية إلى اليسار أكثر وأكثر، تلك العملية التي مهدت، بعد ذلك بعدة سنوات، الطريق لتأسيس الأممية الشيوعية. لقد رسم لينين خطاً فاصلاً بين وسطية العمال المناشفة ووسطية قادتهم المحترفين التي لا يمكن علاجها. لكنه وقف بحزم ضد اليمين المنشفي وضد القادة الوسطيين، وكان مؤمناً آنذاك بأن الطريقة الوحيدة التي يستطيع بها البلاشفة التأثير بشكل أكبر لجذب العناصر المنشفية الوسطية، هي أن يعمل البلاشفة كشق داخل الحزب الموحد، وليس كحزب مستقل تماماً عن المناشفة.

هوامش:

(1) Getzler, Martov, op. cit., p.110.

(2) Trotsky, My Life, op. cit., p.182.

(3) Lenin, Collected Works, vol.2, p.352.

(4) ibid., vol.16, p.104.

(5) M.I. Vasilev-Iuzhin, Moskovskii sovet rabochikh deputatov v 1905 g., Moscow 1925, p.85.

(6) M.N. Pokrovsky, ed., 1905, Moscow-Leningrad 1926, pp.443-45.

(7) B.D. Wolfe, Three Who Made a Revolution, Boston 1948, p.340.

(8) Trotsky, My Life, ibid., pp.182-83.

(9) Lenin, Collected Works, vol.10, p.37.

(10) Piatnitsky, Memoirs, op. cit., pp.90-91.

(11) Lenin, Collected Works, vol.10, pp.251-52

(12) A. Lunacharsky, Vospominaniia o Lenine, Moscow 1933, p.21.

(13) Lenin, Collected Works, vol.11, p.321.

(14) ibid., p.325.

(15) ibid., p.321.

(16) ibid., p.322.

(17) ibid.

(18) ibid., vol.7, p.306.

(19) ibid., vol.11, pp.441-42.

(20) ibid., p.323.

(21) ibid., p.434.

(22) ibid., p.435.

« السابق التالي »