بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

لينين – بناء الحزب

« السابق التالي »

لينين يطرد اليساريين المتطرفين

خلال سنوات الردة الرجعية، واجه لينين الكثير من الصعوبات ليس فقط داخل حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي، لكن أيضاً داخل الشق البلشفي نفسه. لم تذهب قضية قضية المقاطعة أدراج الرياح بعد انتخابات الدوما الثانية التي شارك بها الحزب ككل، وحتى بعد أن أحرز الحزب نجاحاً ليس قليلاً في تلك الانتخابات، حيث فاز 65 مرشح اشتراكي ديمقراطي، منهم 15 مؤيدين مباشرين للبلاشفة (1).

إلا أنه في 3 يونيو 1907، قام رئيس الوزراء القيصري ستوليبين بحل مجلس الدوما الثانية كما أصدر مرسوماً انتخابياً جديداً يهدف إلى تمكين الحكومة من التخلص من الأغلبية المعارضة في الدوما. اشتملت القواعد الانتخابية الجديدة، وفقاً لمرسوم ستوليبين، على أن يكون هناك ممثلاً واحداً لكل 230 فرد من كبار ملاك الأرض، في حين كان واحداً لكل ألف في الدوما الأولى، ولكل 15 ألف في الدوما الثانية. أما الفلاحين فكان من حقهم أن ينتخبوا واحداً فقط عن كل 60 ألف فلاح، والعمال أن ينتخبوا واحداً لكل 125 ألف عامل. وهكذا من الناحية العملية كان من حق كبار الملاك والبرجوازيين أن يشكلوا سوياً 65% من نواب الدوما، فيما كان هناك 22% فلاحين (42% سابقاً)، وفقط 2% من العمال (4% سابقاً). وعلاوة على ذلك، حرم القانون مواطني روسيا الآسيوية وأتراك مقاطعتي أستراخان وستافروبول من حقهم في الانتخاب، كما خفض عدد ممثلي سكان بولندا والقوقاز إلى النصف. كل من لا يتحدث الروسية تم حرمانه من حقه في الانتخاب بالرغم من تبعية كل هذه البلدان والمقاطعات لإمبراطورية القيصر الروسي. وبالتالي كانت النتيجة أن زادت نسبة أعضاء الدوما الذين يمثلون كبار ملاك الأرض والبرجوازية الصناعية والتجارية، وفي المقابل انخفضت بشكل حاد نسبة نواب العمال والفلاحين التي هي نسبة قليلة في الأصل.

وهكذا في هذا السياق طفت قضية المقاطعة إلى السطح مجدداً بعدما كان قد تم اتخاذ قرار بشأنها منذ وقت قريب. صوّتت المنظمات البلشفية المحلية بالأغلبية الساحقة في صالح الاستمرار في مقاطعة الدوما. وفي مؤتمر الحزب في فنلندا، يوليو 1907، صوّت ثمانية، على رأسهم القيادي البلشفي بوجدانوف، من المندوبين البلاشفة التسعة بالمؤتمر لصالح العودة إلى سياسة المقاطعة، فيما صوّت لينين مع المناشفة والاشتراكيين الديمقراطيين البولنديين والبوند من أجل التخلي عن موقف المقاطعة.

وعندما أجريت الانتخابات وفقاً للقانون الجديد في خريف 1907، احتل الاشتراكيون الديمقراطيون 19 مقعداً. وعلى إثر ذلك نظمت مجموعة من البلاشفة نفسها في شكل تكتل وأطلقوا على أنفسهم إسم “الاستدعائيين” وطالبوا باستدعاء وانسحاب النواب البلاشفة من مجلس الدوما. وفي 1908 بدأ الاستدعائيون يتلقون المزيد من التأييد والنفوذ التنظيمي بين الصفوف البلشفية مما شكل خطورة على وضع لينين في التنظيم البلشفي. وبدأت المشاحنات تشتعل بين اللينينيين والاستدعائيين في التنافس على ولاء المنظمات المحلية. كان لينين بالكاد يحظى بتأييد منظمة موسكو التي حصل فيها الاستدعائيون على 14 صوتاً فيما جنى مؤيدي لينين 18 في مؤتمر منظمة المدينة في مايو 1908 (2)، لكن في نفس الوقت ظل المكتب المحلي للمنطقة الصناعية المركزية مؤيد للاستدعائيين بشكل راسخ (3).

لم يكن الاستدعائيون وحدهم من عارض المشاركة في انتخابات الدوما، بل ظهرت مجموعة جديدة أقل تطرفاً، أطلق أعضاؤها على أنفسهم إسم “الإنذاريين”، وطالبوا بإنذار النواب البلاشفة بالدوما على أن يديروا نشاطهم على نحو راديكالي لا يقبل المساومة. وتحكم الإنذاريون بشكل كامل في منظمة بطرسبورج البلشفية حتى سبتمبر 1909 (4).

وعلى الرغم من أن النقطة الأساسية التي فصلت لينين عن المقاطعين كانت حول المشاركة في انتخابات الدوما واعتلاء عدد من مقاعدها، إلا أن المقاطعين ضغطوا أيضاً في اتجاه مقاطعة النقابات الشرعية أيضاً. فبما أن النقابات تعمل تحت رقابة الشرطة، فلقد رأى المقاطعون أن النشاط بداخلها غير ذي نفع لقضية الثورة (5).

اشتملت كتلة الاستدعائيين على عدد من القيادات البلشفية البارزة، أمثال بوجدانوف (ماكسيموف) الرجل الثاني في قيادة التنظيم البلشفي لعدة سنوات، والمنظم البلشفي البارز كراسين، علاوة على الدعاويين والأدباء المعروفين: لوناتشارسكي وجوركي وبازاروف، والمؤرخ الشهير بوكروفسكي، وقيادي المجموعة البلشفي في الدوما ألكسينسكي. هاجم هؤلاء لينين بقسوم واتهموه بالنزوع إلى “وجهة النظر المنشفية البرلمانية” (6). وفي المؤتمر العام للحزب في ديسمبر 1908، أعلن القيادي المنشفي دان “لمن لا يعرف، البلاشفة الآن يتهمون لينين بخيانة البلشفية” (7).

أدى انهيار الحركة الثورية بشكل مباشر إلى تهيئة الظروف من أجل انتعاش الميول اليسارية المتطرفة لدى الكثير من الثوريين. هناك تشابهاً كبيراً في الحالة النفسية للثوريين بعد هزيمة ثورة 1905 الروسية و1848 الألمانية. وما كان بوجدانوف سوى نسخة روسية لويليتش وشابر الألمانيين اللذين وصفهما ماركس كالتالي:

“يترك القمع العنيف للثورة بصمة قوية في عقول كل المشاركين فيها، بالأخص أولئك الذين أُبعدوا عن منازلهم أو أُرسلوا إلى المنفى. ولذلك حتى أولئك الناس ذوي الشخصيات الثابتة يفقدون عقولهم لفترات قصيرة أو طويلة؛ فلا يستطيعون مواكبة سير الأحداث ولا يتقبلون حقيقة أن التاريخ قد غيّر مجراه، وبالتالي يتوجهون لأن يحيكوا المؤامرات التي تنال من القضية التي لا تخدم إلا أنفسهم، وهذا هو حال ويليتش وشابر” (8).

فبعدما تُسحق ثورة، ماذا يكون أكثر إرضاءاً للنفس من طرح انتفاضة مسلحة جديدة كمهمة فورية وملحة كما فعل بوجدانوف؟

دفعت الفترة الرهيبة التي تلت هزيمة الثورة الكثير من الثوريين إلى العمل الدعائي المجرد، بالأخص أولئك الذين أرسلوا للمنفى حيث توفرت لديهم فرص محدودة للغاية في النشاط العملي على الأرض، وهكذا تطورت لديهم نزعة متطرفة قولاً لكن في الحقيقة كانت تلك النزعة انعكاس لقدر كبير من السلبية لديهم. وعندما تجردوا من مسئولياتهم العملية والتنظيمية، اقتصرت شعاراتهم الثورية البراقة على تمجيد الذات، وتحول عنادهم وتعنتهم إلى واجهة زائفة تخفي ورائها سعيهم لتحقيق رضا سلبي عن النفس.

عندما يفقد الثوريون تأييد الطبقة العاملة وينعزلون عنها تحت تأثير الهزائم المتلاحقة، تتوفر بذلك تربة خصبة يترعرع فيها التطرف اليساري. وكلما ازدادوا انعزالاً، كلما قلت الفرص الحقيقية لتصحيح تكتيكاتهم من قبل العمال أثناء النضال، وازدادت الشعارات المتطرفة جاذبيةً وبريقاً. فحينما يغيب الجمهور عن تلقي ما يقوله الثوريون، ما الذي يمكن أن يمنع الثوريين من تبني شعارات ثورية متطرف؟ بالتأكيد لن يكون هناك سوى فرص ضئيلة كي يؤقلم الثوريون أنفسهم على أوضاع جديدة إذا وجدوا أنفسهم في الفراغ.

إن استعجال بوجدانوف ورفاقه لجني ثمار سريعة، بغض النظر عن المعوقات الموضوعية، كان من الممكن أن يتم تقويمه بواسطة الحزب – هذا هو العنصر الديمقراطي في المركزية الديمقراطية – لكن لسوء الحظ كان الحزب بالكاد متواجداً يصارع من أجل البقاء، لذا لم يكن هناك فرص فعلية كي يصحح الحزب أخطاء قادته. انتقد لينين هؤلاء القادة على رفضهم “الأعمال الصغيرة”، بالأخص استخدام المنبر البرلماني. وعملياً، توقفت تكتيكاتهم عند حدود انتظار “الأيام العظيمة” التي يشتد فيها الصراع. كانوا “يعرقلون الأمر الأكثر أهمية وإلحاحاً، وهو توحيد العمال في التنظيمات الكبيرة والتي تعمل بشكل صحيح، والقادرة على الاستمرار تحت أي ظرف، المفعمة بروح النضال الطبقي، والتي تدرك أهدافها بوضوح وتدربت على ضوء الرؤية الماركسية للعالم” (9).

إن العهود الجديدة تتطلب بالتأكيد تكتيكات جديدة، كتب لينين:

“خلال فترة الثورة تعلمنا كيف نتحدث الفرنسية؛ أي أن نقدم للحركة أكبر عدد من الشعارات الصاعدة، وأن نرفع طاقة النضال المباشر للجماهير وأن نوسّع أفق هذا النضال. والآن في فترة الركود والردة والتفكك، علينا أن نتعلم كيف نتحدث الألمانية؛ أي أن نعمل ببطء (وليس هناك شيء آخر نفعله) بانتظام وثبات، أن نتقدم خطوة بخطوة، وأن نكسب بوصة تلو الأخرى. ومن يجد هذا العمل مملاً، ومن لا يفهم الحاجة إلى الحفاظ على المبادئ الثورية للتكتيكات الاشتراكية الديمقراطية وتطويرها في هذه المرحلة أيضاً، خلال الانعطاف الراهن في الطريق، فإنه قد أخذ لقب الماركسي عبثاً” (10).

وبالتالي فإن على الثوريين:

“أن يقوموا بواجبهم مهما كان شاقاً وبطيئاً ورتيباً.. ومن أجل أن نفي بالالتزام تجاه البروليتاريا، كان علينا أن نعاون بكل صبر وأن نعيد تعليم أولئك الذين انجذبوا للاشتراكية الديمقراطية أيام الحرية، أولئك الذين انجذبوا لقوة ووضوح شعاراتنا وروحها الثورية، بل أيضاً هؤلاء الذين يفتقرون إلى القدرة على احتمال النضال اليومي في ظل حكم الثورة المضادة. بعض من تلك العناصر انخرطت بالفعل في الأنشطة البروليتارية واستوعبت الرؤية الماركسية، لكن الآخرين يتذكرون فقط قليلاً من الشعارات دون أي فهم حقيقي لمعناها، كل ما يستطيعون فعله هو ترديد بعض العبارات القديمة فيما لم يستطيعوا تكييف التكتيكيات الاشتراكية الديمقراطية الثورية وفقاً للأوضاع المتغيرة” (11).

ليس هناك من شك أنه في فترة التراجع الطويلة ومن ثم الصعود التدريجي البطيء في الصراع، كانت البلشفية ستفنى في حالة تبنيها سياسات بوجدانوف اليسارية المتطرفة. في المقابل، كان بمقدر لينين أن يكتب بعد ذلك بفترة طويلة كتيبه الشهير “مرض اليسارية الطفولي في الشيوعية” عام 1920، والذي جاء فيه:

“لقد نمت البلشفية وتمرست في نضال مديد ضد الثورية البرجوازية الصغيرة التي تشبه الفوضوية أو تقتبس بعضاً منها، والتي تتخلى، في كل ما هو جوهري، عن شروط ومقتضيات النضال الطبقي البروليتاري الدءوب.. إن البرجوازي الصغير “المنزعج” من جراء فظائع الرأسمالية، هو كالفوضوية، ظاهرة اجتماعية ملازمة لجميع البلدان الرأسمالية. وإن عدم ثبات هذه الثورية وضحالتها، وقابليتها للتحول سريعاً إلى إذعان وخمول، وحتى إلى شغف محموم بهذا التيار البرجوازي أو ذاك الذي غدا “موضة”، كل تلك السمات أصبحت معروفة للجميع” (12).

كان لينين على إدراك تام بأن على الحزب الثوري، من أجل الإعداد للمعارك الثورية الكبيرة في المستقبل، ينبغي عليه أن يتعلم كيف يخوض مرحلة التراجع مع الجماهير، وفي القلب من قواعدها المتقدمة، دون أن يذوب بينهم، لكن أيضاً دون أن ينفصل عنهم. هذه هي أيضاً الفترة التي تتمرس فيها الكوادر الراسخة ويصبحون أكثر صلابة. هذا التمرس والرسوخ، وهذه الصلابة، لا يمكن اكتسابهم من الفراغ بمعزل عن النضال، حتى برغم ضيق حدود النضال في هذه الفترات.

طرد بوجدانوف

في الفترة من 8 إلى 17 يونيو 1909 عقد لينين مؤتمراً لهيئة التحرير الموسعة للجريدة البلشفية “بروليتاري” بمسكنه في باريس. وأثناء إلحاحه الشديد على عقد المؤتمر، تعمد لينين أن يتجاهل المركز البلشفي القديم المنتخب في مؤتمر لندن في 1907، فيما استأثر مؤتمر “بروليتاري” بسلطة التعيين والطرد والتشريع، واتخذ قراراً أعلن فيه أن “البلشفية، كتيار محدد داخل حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي، ليس لديه أي شيء مشترك مع الاستدعائية أو الإنذارية”، وطرد بوجدانوف من الصفوف البلشفية باعتباره الأب الروحي للاستدعائيين. حاول بوجدانوف أن يتحدى صلاحية مؤتمر هيئة التحرير الجديدة في فصل أعضاء اختيروا بواسطة المؤتمر الحزبي الأخير، لكن من دون أي نجاح، حيث لم يلتفت أحد لدعواته المتكررة لعقد مؤتمر جديد.

علّق لينين على طرد بوجدانوف من البلاشفة كالتالي: “من وجهة النظر الرسمية، تعد إزاحة بوجدانوف من الحزب إجراءاً غير شرعي كما يقول الأعضاء المفصولين، لكننا لا نعترف بهذا الفصل؛ إذ أن بوجدانوف كان قد انتُخب أصلاً بواسطة القطاع البلشفي في مؤتمر لندن الحزبي” (13). وخوفاً من أن يحظى بوجدانوف بأغلبية في مؤتمر حزبي قادم، تصدى لينين بكل شراسة لكل دعوات عقد مؤتمر بلشفي جديد. وفي النهاية نجح في تمرير قرار من خلال هيئة تحرير بروليتاري، جاء كالتالي:

“إن الدعوة لمؤتمر بلشفي خاص من شأنه حتمياً أن يشق الحزب من القمة للقاعدة وسوف يسبب ضرراً كبيراً لا يمكن إصلاحه في القطاع الذي يبادر بإحداث مثل هذا الانقسام الكامل في حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي. وانطلاقاً من هذه النقطة، تقر هيئة تحرير بروليتاري بما يلي:

إن الهيئة تحذر كافة مؤيديها من التحريض والدعوة إلى مؤتمر بلشفي خاص، إذ أن هذا التحريض لن يؤدي إلا إلى انشقاق حزبي، كما أنه قد يفسد بشكل كامل الوضع الذي تحظى به الاشتراكية الديمقراطية الثورية في الحزب” (14).

أثبت نضال لينين ضد بوجدانوف داخل الشق البلشفي من الحزب صحته خلال مخاض عسير للغاية. وعلى الرغم من أن اليساريين المتطرفين كانوا شكليين جداً وضيقي الأفق ومعزولين تماماً عن الواقع، إلا أنه من الصعب إثبات ذلك فعلياً دون الاستناد إلى حركة جماهيرية عريضة. ولم يكن بمقدور لينين أن يلجأ إلى العمال النشطين والواعين طبقياً، لم يكن بمقدوره أن يلجأ للحركة الحية، من أجل تلقي الدعم في موقفه ضد بوجدانوف، وبالتالي كان مجبراً على استخدام أي وسيلة بديلة تتوافر بين يديه – في هذه الحالة كانت الوسيلة هي الاجتماع غير التمثيلي الذي دعا إليه هيئة التحرير الموسعة.

ومن بين مؤيدي لينين، لم يرضَ الكثيرون عن تلك الإجراءات التي بدت استبدادية بصدد بوجدانوف. وحتى جوزيف ستالين، أقرب المتعاونين الراسخين مع لينين، ذهب إلى توبيخه بشدة على مثل هذا القرار الفوقي والمتسلط، كما لامه بعنف على مسعاه لشق الصف البلشفي. وبينما كان ستالي يعلن تأييده السياسي لموقف لينين من انتخابات الدوما، كتب في افتتاحية العدد الصادر في 27 أغسطس 1909 من جريدة باكينسكي بروليتاري:

“على الرغم من الاختلافات المشار إليها سابقاً، إلا أن قسمي هيئة التحرير يتفقان على القضايا الأكثر أهمية (تقدير الظرف الراهن، ودور البروليتاريا والطبقات الأخرى في الثورة، إلخ)، ومن هذا المنطلق ترى لجنة باكو أن وحدة المجموعة، بل والتعاون بين قسمي هيئة التحرير أمراً ممكناً وضرورياً.

وبناءاً على ذلك، ترفض لجنة باكو السياسة التنظيمية التي تتبعها الأغلبية في هيئة التحرير، كما تندد بحالات “الطرد من قواعدنا” لمؤيدي الأقلية في هيئة التحرير. كما تحتج لجنة باكو أيضاً ضد إدارة الرفيق ماكسيموف الذي كان قد أعلن أنه لن يمتثل لقرارات هيئة التحرير، وهكذا يوفر تربة خصبة لمزيد من الخلافات والانقسامات” (15).

لينين يستخدم سلاح الفلسفة ضد بوجدانوف

كان أحد الأسلحة التي استخدمها لينين في نضاله ضد فريق بوجدانوف هو الفلسفة. لم تكن علاقة لينين ببوجدانوف حديثة العهد، فالأخير كان طبيباً وكاتب ذائع الصيت في الاقتصاد وعلم الاجتماع والعلوم الطبيعية والفلسفة. كان أول عهد لينين به في 1898 عندما وصلته نسخة من كتابه “جولة قصيرة في علم الاقتصاد” في منفاه في سيبيريا، وقد أعجب كثيراً بالكتاب لدرجة أنه رفض دعوة الناشر للكتابة في الاقتصاد السياسي، إذ أنه “من الصعب منافسة بوجدانوف” (16).

وحينما انضم بوجدانوف للبلاشفة في 1904، أرسل المجلد الأول من عمله الفلسفي “التجريبية” (صدر المجلد الثاني في 1905، والثالث في 1906). كان ذلك العمل متأثراً بقوة بكتابات الكانطيين الجدد، إرنست ماخ وريتشارد آفيناريوس، تلك الكتابات التي صوّب إليها لينين أسهم نقده في 1909.

أما بليخانوف، المتحدث الرئيسي بإسم الفلسفة الماركسية الأرثوذكسية والذي صار من أبرز قيادات المناشفة، فقد سخر من لينين على تعاونه مع بوجدانوف. ورد لينين على ذلك في المؤتمر الثالث للحزب في 1905 قائلاً:

“إن بليخانوف ينساق وراء ماخ وأفيناريوس. وإنه لأمر غامض تماماً بالنسبة لي؛ فما شأن هذين الرجلين، اللذين لم أتعاطف معهما على الإطلاق، بالثورة الاجتماعية؟ إنهما يكتبان حول التنظيم الفردي والاجتماعي للخبرة والتجربة، وما شابه من هذه الأمور، لكنهما بالتأكيد لا يعلمان شيئاً عن الديكتاتورية الديمقراطية” (17).

إلا أن لينين لم يكن مقتنعاً برؤى بوجدانوف الفلسفية، وفي خطاب لجوركي، ذكر لينين أنه قد قرأ المجلد الأول من كتاب بوجدانوف على الفور بعد استلامه ولم يتفق مع ما جاء فيه، وأرسل خطاباً نقدياً طويلاً للمؤلف. وحينما صدر المجلد الثالث من الكتاب في 1906، أرسل بوجدانوف نسخة منه إلى لينين، فيما كتب الأخير رسالة نقد أخرى للمؤلف. لكن كل لم يمنع لينين من الاستمرار في التعاون السياسي مع بوجدانوف، كما لم يدفعه إلى التخلي عن الأرضية الفلسفية المشتركة بينهما، بل أن لينين لم يعتقد أبداً أن لتلك الخلافات علاقة شرطية مباشرة بالتكتيكات السياسية.

وفي فبراير 1908، كتب:

“إن هيئة تحرير بروليتاري، باعتبارها المتحدث الأيديولوجي بإسم التيار البلشفي، ترى أنه من الضروري أن نذكر التالي. في الحقيقة هذا الجدل الفلسفي ليس جدلاً حزبياً، ومن وجهة نظر هيئة التحرير لا يجب أن يكون كذلك، وأي محاولة لتصوير هذه الاختلافات على أنها اختلافات حزبية هي محاولات خاطئة تماماً. فلكتا الكتلتان تتضمنان أتباعاً للتيارين الفلسفيين” (18).

وفي خطاب لجوركي في 25 فبراير 1908، كتب أيضاً:

“في صيف وخريف 1904، وصلت أنا وبوجدانوف لاتفاق كامل، وشكلنا كتلة بلشفية واحدة استبعدت ضمنياً الفلسفة واعتبرتها مجالاً محايداً، هذا المجال الممتد طوال الثورة والذي مكننا في الثورة من تطبيق التكتيكات الاشتراكية الديمقراطية (البلشفية) معاً. وأنا مقتنع تماماً أنها كانت التكتيكات الوحيدة الصحيحة” (19).

“لابد أن تبقى بروليتاري محايدة تجاه الاختلافات في الفلسفة، على ألا تعطي للقارئ أي إشارة تربط بين البلشفية، كتيار، كخط تكتيكي للجناح الثوري للاشتراكية الديمقراطية الروسية، وبين التجريبية أو المذهب النقدي التجريبي” (20).

وفي 16 أبريل، كتب مجدداً لجوركي يقول: “ينبغي أن تنفصل الفلسفة عن الشئون الحزبية، وقرار المركز البلشفي يجعل ذلك إلزامياً” (21).

لكن على الرغم من ذلك، بدى واضحاً في العام 1908 أنه لن يكون هناك صعوداً ثورياً وشيك الحدوث، وحينها بدلاً من أن تتراجع الخلافات حول التكتيكات بين لينين وبوجدانوف حول قضايا مثل مقاطعة الدوما، طفت تلك الخلافات إلى السطح وتضاعفت أهميتها. وخلال فترة الردة الأيديولوجية العامة، صارت للخلافات الفلسفية أهمية أكبر وتأثير أقوى. فضّل كلٌ من بوجدانوف وبازاروف ولوناتشارسكي في ذلك الوقت الالتحاق بالمنشفيين يوسكيفيتش وفالنتين وكتّاب آخرين لنشر سلسلة من المقالات تحت عنوان “خطوط عريضة في الفلسفة الماركسية”.

إلا أنه من الخطأ أن نعتبر اهتمام لينين البالغ بالفلسفة كان فقط نتيجة ميله لاستخدامها كسلاح في العراك ضد بوجدانوف، على الرغم من أن ذلك مثّل عاملاً مهماً في الأمر. ففي ذلك الوقت، تصدرت الفلسفة كافة الجدالات بين الماركسيين الروس. قبل ثورة 1905، كانت مبادئ كارل ماركس الاقتصادية تمثل عنصراً جوهرياً وأساسياً في النقاشات بين الاشتراكيين. أما خلال الثورة، فقد حلت السياسات الماركسية محلها في النقاش. وخلال فترة انتصار الرجعية بعد الثورة، فرضت الفلسفة الماركسية نفسها على كل النقاشات. وكما كتب لينين:

“التشاؤم، انعدام المقاومة وضعف العزيمة، ومناشدة “الروح”، كل تلك العناصر تشكل معاً أيديولوجيا حتمية في عصر ينقلب فيه النظام القديم برمته رأساً على عقب. وحينما تكون الجماهير، التي نشأت في ظل هذا النظام القديم الذي غرس فيها مبادئه وعاداته وتقاليده ومعتقداته، لا ترى، ولا تستطيع أن ترى، ماهية النظام الجديد الذي “يتشكل”، وماهية القوى الاجتماعية التي “تشكله” وكيف، ماهية القوى الاجتماعية القادرة على إحراز النصر والتحرر من مظاهر المعاناة الحادة، تلك سمة عصر الاضطرابات الثورية” (22).

كان من الطبيعي في تلك الفترة، حينما انصبت السياسة فقط على كيفية تفادي فظائع القمع الذي مارسته السلطة القيصرية، أن يصبح الهرب إلى بستان التخمينات والظنون والتأملات الفلسفية موضة شائعة لدى الماركسيين. وفي ظل الغياب التام لأي صلة مع حركة جماهيرية حقيقية، كان من المفترض إثبات كل شيء انطلاقاً من نقطة الصفر، ولم تستثني الشكوك والتساؤلات أيٍ من المبادئ ولا حتى خبرات وتراث الحركة.

وافق العام 1904 الذكرة المئوية الأولى لوفاة الفيلسوف إيميونيل كانط. وفي السنوات القليلة اللاحقة، ناقش الكثير من الماركسيين أفكار كانط والنظرية الكانطية الجديدة في المعرفة عن كثب. وفي تلك النقاشات، حاول بوجدانوف ولوناتشارسكي وبازاروف دمج الماركسية بالنظرية الكانطية الجديدة في المعرفة كما طرحها إرنست ماخ وريتشارد آفيناريوس. حتى أن لوناتشارسكي ذهب إلى الدفاع علناً عن “الفلسفة الإيمانية” (1*)، وأصبح يستخدم الاستعارات الدينية متحدثاً عن “رغبة الرب” و”البناء الإلهي”. أما جوركي، فقد تأثر كثيراً ببوجدانوف ولوناتشارسكي، ووصلت روايته الشهيرة “الاعتراف” إلى الذروة في هذا الاتجاه على النحو التالي:

“دعوت البشرية إلى الدين الجديد.. الناس هم الخالقون.. والله يسكن في نفوسهم.. رأيت هنا الأرض (أمي) في الفضاء بين النجوم.. ورأيت سيدها القدير والأناس الخالدون.. ثم بدأت صلاتي: أيها الشعب خالق كل الآلهة التي تشكلت من جمال روحك في العناء والعذاب في سعيك. ليس هناك في العالم آلهة أخرى إلا أنت، لأنك أنت الله وحده الذي يفعل المعجزات” (24).

كان رد فعل لينين حاداً وعنيفاً، فكتب إلى جوركي يقول أن “الراهب الكاثوليكي الذي يفسد الفتيات الصغار لهو أقل خطراً بكثير على “الديمقراطية” من راهب تخلى عن عباءته الرسمية، راهب من دون دين خام، راهب ديمقراطي ومُسلح أيديولوجياً يعظ الخلق باختراع إله” (25).

استخدم لينين سلاح الفلسفة ضد بوجدانوف ورفاقه ليس فقط لتسوية الاختلافات داخل الحزب حول المشاركة في انتخابات الدوما والعمل في النقابات وما إلى ذلك، لكن أيضاً لأنه رأى في المثالية الفلسفية الكانطية الجديدة خطراً يهدد بقاء الماركسية خلال فترة الردة الرجعية. لقد كان التصوف الاجتماعي – الديني يسير يداً بيد مع التشاؤم السياسي – الاجتماعي مهدداً بقايا الحركة الثورية.

وبرغم ذلك، إلا أن كتاب لينين “المادية والمذهب النقدي التجريبي” افتقر تماماً إلى أي صلة بالواقع الحي (ويكفي هنا مقارنة هذا الكتاب بـ “المذكرات الفلسفية” الرائعة التي نجدها في المجلد 38 من الأعمال الكاملة له باللغة الإنجليزية). ومن اللافت للنظر أنه لم يشر إلى هذا الكتاب في أي من أعماله اللاحقة، ولا حتى في مراسلاته الغزيرة خلال العام 1909، على عكس ما اعتاد عليه في كل كتاباته الأخرى.

البوجدانوفيون يستمرون في النضال

بعد الانشقاق الذي فرضه لينين في يونيو 1909، شكل بوجدانوف ومؤيدوه تياراً مستقلاً داخل حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي، وأطلقوا على أنفسهم إسم “البلاشفة الحقيقيين”. وفي ديسمبر أصدروا جريدة حملت نفس إسم تلك الجريدة التي كان يصدرها لينين سوياً مع بوجدانوف في نهاية 1904: فبريود – وتعني إلى الأمام. وفي الأعوام التالية أصبحت مجموعة بوجدانوف تطلق على نفسها “البلاشفة الفبريوديين”.

لفترة من الزمن، لم يكن الفبريوديون على صلة باللينينيين، وكتب لينين عن ذلك في ديسمبر 1910: “الفبريوديون.. يجمعون أنفسهم بتماسك في كتلة لها مؤسستها ووسائل اتصالها الخاصة، وقد ازدادوا عدداً بشكل كبير منذ يناير الماضي” (26).

ومن أجل نشر أفكارهم، عمد بوجدانوف جنباً إلى جنب مع لوناتشارسكي وأليكسينسكي، بمساعدة مكسيم جوركي، إلى تنظيم مدرسة حزبية في كابري بإيطاليا في 1909 استمرت لمدة 4 أشهر. ولم يتوقفوا عند هذا الحد، بل نظموا أيضاً مدرسة ثانية في بولوجنا في نهاية 1909 وبداية 1910.

“دعا طلاب مدرسة كابري إيليتش لإلقاء محاضرة هناك، لكنه رفض بشكل قاطع، وأوضح لهم السمة التكتلية لهذه المدرسة وطلب منهم الحضور إلى باريس. وفي المدرسة اندلع صراع سياسي في بداية نوفمبر، كان على إثره أن أعلن خمسة طلاب (من إجمالي 12 طالب) منهم فيلونوف منظم المدرسة، رسمياً أنهم لينينيون راسخون، ومن ثم تم طردهم من المدرسة. وتثبت هذه الواقعة أفضل من أي شيء آخر صحة وجهة نظر لينين حينما أشار إلى السمة التكتلية للمدرسة.

وصل الخمسة طلاب إلى باريس مع ميشيل.. وألقى إيليتش عليهم سلسلة من المحاضرات، كما اعتنى كثيراً بدراساتهم. ومن ثم غادر الطلاب إلى روسيا، فيما عدا ميشيل الذي كان يعاني من السل.. وبحلول نهاية ديسمبر، انتهت مدرسة كابري، فيما التحق بقية الطلاب بلينين في باريس، وقد ألقى عليهم سلسلة من المحاضرات أيضاً، حيث تحدث عن المواضيع الراهنة بما يشمل الحركة الفلاحية ومهام الاشتراكيين الديمقراطيين، وسياسة ستوليبين الزراعية، إلخ” (27).

في تلك الأيام كان هناك قدر ضئيل جداً من المهام، إلى درجة أن تنظيم مدرسة تثقيفية للكوادر كان إنجازاً في حد ذاته؛ فالحزب كان بالكاد يحافظ على وجوده، كما بدا للجميع أن الانشقاق بين البلاشفة بزعامة لينين والفبريوديين بزعامة بوجدانوف وكأنه القشة الأخيرة في حياة البلشفية.

بدا وقتها للاشتراكيين الديمقراطيين الروس أن حزب لينين قد انتهى تماماً، قد انهارت عضوية الحزب إلى مستوى متدني للغاية، من أكثر من 40 ألف عضو في 1907 إلى مئات قليلة في 1910. كما انقسمت تلك المئات إلى مجموعات صغيرة قام البوليس السياسي بتصفيتها بعنف شديد. لم يكن لتلك المجموعات أي اتصال ببعضها أو بالقيادة في الخارج، وعلاوة على ذلك فقد لينين أبرز وأفضل الكتّاب الملتفين حوله (بوجدانوف، ولوناتشارسكي، وبوكروفسكي، وروجكوف، وجوركي). كان القادة المناشفة يشمتون في افتقار نظرائهم البلاشفة إلى المثقفين، وبعد طرد بوجدانوف والآخرين من الحزب البلشفي ببضعة سنين، كتب مارتوف مستهزءاً بالقيادة البلشفية:

“حفنة من الناس الذين هم بكل معنى الكلمة بدون أسماء، أو أن لهم أسماء محاطة بهالات من التفاهة.. مجموعة هي أكثر انتماءاً إلى مثقفي البروليتاريا الرثة من الإنتلجنسيا. وبمجرد أن وجدوا أنفسهم في القيادة، تحولوا إلى رقباء متسلطين يحملون الراية الأيديولوجية لمثقف واحد فقط لديهم – لينين” (28).

لكن ذلك لم يعدو سوى أن يكون وهماً منشفياً؛ إذ أن فطنة كوادر الحزب للقيادة في النضال الجماهيري لم يكن من الممكن قياسها بهذه المعايير. لقد احتفظ لينين بمئات الكوادر خلال فترة الردة الرجعية وإرهاب الشرطة، كما قام بتجنيد وتدريب مئات أخرى في هذه الفترة.. كان دائم الإعداد من أجل معارك المستقبل.

هوامش:

(1*) الفلسفة الإيمانية: عرفها لينين بأنها “مبدأ يحل الإيمان محل المعرفة” (23).

(1) A. Levin, The Second Duma, Newhaven 1940, p.70.

(2) Lenin, Collected Works, vol.15, p.458.

(3) ibid., vol.16, p.42.

(4) ibid., pp.68-74.

(5) T. Hammond, Lenin on Trade Unions and Revolution, 1893-1917, New York 1957, pp.56-57.

(6) Lenin, Collected Works, vol.16, p.67.

(7) ibid., p.48.

(8) Marx, The Cologne Communist Trial, London 1971, p.131.

(9) Lenin, Collected Works, vol.16, p.349.

(10) ibid., vol.15, pp.458-59.

(11) ibid., pp.457-58.

(12) ibid., vol.31, p.32.

(13) ibid., vol.16, p.52.

(14) ibid., vol.15, p.449.

(15) Stalin, Works, op. cit., vol.2, p.172.

(16) Letters to his mother, 14 February and 29 May 1898, Lenin, Collected Works, vol.37, pp.155, 264.

(17) ibid., vol.8, p.389.

(18) ibid., vol.13, pp.448-49.

(19) ibid., p.449

(20) ibid., pp.452-3.

(21) ibid., vol.34, p.393.

(22) ibid., vol.17, p.51.

(23) ibid., vol.14, p.19.

(24) Gorky, The Confession, London 1910, pp.309, 319-20.

(25) Lenin, Collected Works, vol.35, p.122.

(26) ibid., vol.16, p.366.

(27) Krupskaya, op. cit., pp.174-75.

(28) Nasha Zariia, no.3, 1914; Getzler, op. cit., p.137

« السابق التالي »