بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

لينين – بناء الحزب

« السابق التالي »

الانشقاق النهائي مع المنشفية

المناشفة ينحرفون يميناً

بينما كان المناشفة يحتلون مكاناً هاماً في معسكر اليسار أثناء الثورة الروسية الأولى 1905، سرعان ما بدأوا بعد انقضاء الثورة في الانحراف نحو اليمين بقوة. حتى أنه في مؤتمر التوحيد الذي عُقد في ستوكهولم (10 – 25 أبريل 1906)، كان تأثير الجناح اليساري للمناشفة بزعامة تروتسكي وبارفوس، محدوداً للغاية. وهكذا يصف لينين المشهد:

“الشيء المدهش هو الغياب التام بين المناشفة لذلك التيار الذي كان واضحاً بجلاء في ناشالو، والذي اعتاد الحزب أن يربط بينه وبين أسماء الرفاق تروتسكي وبارفوس. وصحيح أنه لا يزال هناك بعض “البارفوسيين” و”التروتسكيين” بين صفوف المناشفة – علمت أنه يوجد ثمانية منهم” (1).

فيما يصف لوناتشارسكي الوجه الحقيقي للمنشفية كالتالي:

“إن المناشفة انطباعيون للغاية؛ فهم يخضعون تماماً لأهواء وانفعالات اللحظة ليس أكثر. حينما صعدت الموجة الثورية في أكتوبر ونوفمبر 1905، قفزت ناشالو بسرعة فائقة وأصبحت أكثر بلشفية من البلاشفة، حيث تخطت طرح الديكتاتورية الديمقراطية لتتبنى الدكتاتورية الاشتراكية مباشرةً. لكن حينما هدأت العاصفة الثورية، وعندما برد الحماس وصعد الكاديت إلى القمة، هيأ المناشفة أنفسهم للمزاج الجديد، وهرولوا خلف الكاديت، كما نحوا جانباً بكل تعالي وتكبر كل أشكال النضال التي تبنوها في أكتوبر ونوفمبر” (2).

وحتى خلال العام 1905، كان أناس مثل بليخانوف ومارتوف، هم وحدهم الذين دافعوا عن ضرورة أن يعمل الاشتراكيين الديمقراطيين مع الليبراليين. لكن خلال سنوات الردة الرجعية، بعد هزيمة الثورة، أصبح التكتيك الأساسي لدى المناشفة هو التحالف مع الكاديت. وجادل أحد المتحدثين بإسم المنشفية، راخميتوف، حول ضرورة مثل هذا التحالف كما يلي:

“إنه لمن السهل على الكاديت أن يديروا ظهورهم حين يجدون أنفسهم محاصرين بجدران من العداء والكراهية، بدلاً من أن يُعرض عليهم تحالفاً سياسياً.. يمكن إنجاز الكثير من خلال ضغط الرأي العام على الكاديت (بإرسال العرائض والقرارات والمطالب للدوما، ومن خلال تنظيم الاحتجاجات والتفاوض بين مجموعات العمال والكاديت) بدلاً من الضوضاء عديمة النفع” (3).

وفي مقالة بعنوان “التحالفات مع الكاديت” في نوفمبر 1906، رد لينين كالتالي: “إن بناء التحالفات مع الكاديت لهو بمثابة اللمسة النهائية التي تميز المناشفة باعتبارهم الجناح اليميني لحزب العمال” (4).

أما التيار الأكثر انتهازية في المنشفية، فقد تجسد في “التصفوية” التي كان لها تأثيراً على المناشفة أقرب لتأثير “الاستدعائية” و”الإنذارية” على البلاشفة. فحينما قدّس بوجدانوف العمل غير الشرعي ومقت بشدة كل جهود العمل الشرعي في الدوما والنقابات، حاول التصفويون المناشفة قصر الحركة على العمل الشرعي والأنشطة العلنية (انتخابات الدوما والأنشطة البرلمانية، والعمل الشرعي في النقابات، وإصدار الصحف العلنية، إلخ)، كما أيدوا اختزال أو تصفية المنظمة السياسية غير الشرعية. وهكذا تحدث بوتريسوف، محرر جريدة ناشا زاريا والمتحدث الرسمي للتصفويين، في فبراير 1910: “إن الحزب كهيكل متكامل من المؤسسات المنظمة غير موجود”. وتعليقاً على هذه الرؤية، ذكرت مجلة تصفوية أخرى، فوزروجدينييه، في عددها الصادر بتاريخ 30 مارس 1910:

“لا يوجد شيء يمكن تصفيته من الأصل، ونحن (محررو فوزروجدينييه) نضيف أن وهم إعادة تأسيس هذا الهيكل في شكله غير الشرعي القديم لهو ببساطة يوتوبيا رجعية مضرة، وتشير هذه اليوتوبيا إلى افتقار إلى الحدس لدى مندوبي الحزب الذين كانوا هم الأكثر واقعية من قبل” (5).

وعلى نحو مشابه، كتب المنشفي ب. بوجدانوف: “إن النضال من أجل كسر العمل السري والشروع في النشاط السياسي المفتوح والعلني لهو سمة جديدة مميزة للتطورات الأخيرة في حركتنا العمالية” (6).

أما القيادي المنشفي مارتوف، فقد كان أكثر ميلاً تجاه التصفوية بدعوته للمساواة بين المنظمات الحزبية الشرعية وغير الشرعية. وبحسب كتاباته، فإنه ينبغي على المنظمة غير الشرعية بشكل أساسي أن تدعم الحزب العلني الشرعي.

“إلى درجة ما، تُعد المنظمة المركزية التآمرية أمراً مقبولاً (ومقبولاً جداً) فقط طالما أنها تشارك في بناء حزب اشتراكي ديمقراطي” (7).

وعلّق لينين على تلك الفكرة بأنها:

“تقود في الحقيقة إلى إخضاع الحزب للتصفويين، إخضاع الحزب للمناضل الشرعي الذي يقف ضد الحزب غير الشرعي معتبراً نفسه على قدم المساواة معه، والذي لا يعدو سوى أن يكون تصفوياً. إن هذه “المساواة” بين الاشتراكي الديمقراطي غير الشرعي الذي تلاحقه الشرطة باستمرار، والاشتراكي الديمقراطي الشرعي المحمي بشرعيته وبانفصاله عن الحزب، هي تماماً كـ”المساواة” بين العامل والرأسمالي” (8).

“إنها المنظمات غير الشرعية هي التي ينبغي عليها أن تحكم ما إذا كان الشرعيون في الواقع هم مؤيدون ومنتمون للحزب حقاً.. أي أننا نرفض تماماً نظرية المساواة” (9).

بالنسبة لمارتوف، لم تكن المنظمات غير الشرعية تمثل أكثر من هيكل احتياطي للحزب يمكن اللجوء إليه في حالات الارتداد إلى العمل السري التام. أما بالنسبة للينين فقد كان الأمر بالعكس، أي أن الأنشطة الشرعية هي التي من شأنها توسيع محيط أنشطة المنظمات غير الشرعية للحزب. أما التبعات السياسية للاستناد إلى المنظمات غير الشرعية فقط كهيكل احتياطي، فهي بعيدة المدى. فقد كان من المستحيل بالطبع التحدث عن الإطاحة بالقيصرية في الصحافة الشرعية التي تمر أولاً عبر الرقابة، لذا فإن حصر الحزب في المساحات الشرعية للحركة يعني عملياً التخلي عن بعض المبادئ. وقد كانت تلك هي الخطوة الأولى في طريق الدفاع عن التحول التدريجي للحكم القيصري إلى ملكية دستورية، وتلك كانت الرغبة التي طالما تاق لها الكاديت.

وخلال نضاله ضد اليساريين المتطرفين، كان لينين حريصاً على التحذير من خطورة الوقوع في فخ التصفوية، حيث تقييد برنامج الحزب لاحتياجات العمل الشرعي.

“إن الدمج بين العمل الشرعي وغير الشرعي يتطلب منا مكافحة أي “تقليل من دور وأهمية” الحزب غير الشرعي. أما الحاجة للدفاع عن وضع الحزب في الإطار الشرعي في أوقات معينة، فهي التي تتطلب منا أن نحافظ على الأهداف والشعارات دون أن نختزل منها شيئاً، ودون أن يتسبب تغير شكل النضال في تدمير مضمونها، أن جعلها قابلة للمساومة، ودون تشويه المنظور التاريخي والهدف التاريخي للبروليتاريا” (10).

وفي تقرير قدمه إلى هيئة التحرير الموسعة لـ”بروليتاري”، دعا لينين لشن النضال على جبهتين؛ ضد اليساريين المتطرفين من ناحية، وضد اليمينيين التصفويين من ناحية أخرى. وهكذا دافع عن:

“مكافحة أصناف التصفوية على اختلافها: التصفوية على اليمين، والتصفوية على اليسار. التصفويون على اليمين يقولون أن لا حاجة لحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي غير الشرعي، وأن الأنشطة الاشتراكية الديمقراطية يجب مركزتها على وجه التحديد في الفرص الشرعية. والتصفويون على اليسار يذهبون إلى أقصى الطرف الآخر، وبالنسبة لهم فإن السبل الشرعية للحزب غير موجودة على الإطلاق، والعمل السري وغير الشرعي بأي ثمن هو كل شيء ويمثل هدفاً بحد ذاته. كلاهما، بدرجة مساوية تقريباً، تصفويو حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي؛ إذ أنه من دون منهجية حكيمة في الدمج بين العمل الشرعي والعمل غير الشرعي في الوضع الحالي الذي وضعنا التاريخ بصدده، يصبح الحفاظ على الحزب وتماسكه أمراً لا يمكن تصوره” (11).

وبينما كان لينين على استعداد لطرد الاستدعائيين من الشق البلشفي للحزب، لم يقدر مارتوف (الذي التزم موقف التوافقي) على شن نضال جاد وحاسم ضد التصفويين برغم معارضته لهم.

المؤتمر العمالي

كانت إحدى الطرق التي تهدف لتصفية الحزب هي استبداله بحزب عمالي واسع ومؤتمر عمالي. دافع المنشفي لارين عن تلك الفكرة باستماتة شديدة في 1906 في كراس بعنوان “حزب عمالي واسع ومؤتمر عمالي”، حيث تصور أن هذا الحزب العمالي ينبغي أن يضم 900 ألف عضو من البروليتاريا الروسية التسعة ملايين. وهنا يُرفع الستار ليكشف المضمون الأساسي لأطروحة لارين: على الحزب أن يكف عن أن يكون اشتراكي ديمقراطي، بل عليه أيضاً أن يندمج مع الحزب الاشتراكي الثوري في إطار حزب واسع.

وفي نفس السياق، كتب المنشفي المحنك أكسيلرود:

“سوف يستكمل المؤتمر العمالي عملية التصفية التي جرت خلال السنوات القليلة الماضية، تصفية نظام الحزب القديم الذي نشأ على القاعدة التاريخية البالية للنظام الإقطاعي وهرمية النظام الاجتماعي والسياسي، وفي نفس الوقت سوف يبدأ عصر جديد تماماً في تاريخ الاشتراكيين الديمقراطيين الروس، عصر التطور على خطى الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية في الغرب” (13).

كما اقترح منشفي آخر، وهو ن. روجكوف، تأسيس منظمة عمالية سلمية ومفتوحة، وعلى حد تعبيره: “اتحاد سياسي لحماية مصالح الطبقة العاملة” (14).

“ليس هناك أي دفاع عن العنف في ذلك، وليس هناك أي تفكير فيما يتعلق بضرورة الثورة العنيفة، لأنه في الحقيقة لا وجود لهذه الضرورة من الأصل. وإذا أصر أحدهم، معمياً بذلك الخبل الرجعي، على اتهام أعضاء مثل ذلك “الاتحاد” بالنضال من أجل الثورة العنيفة، فعليه أن يتحمل مسئولية هذا الاتهام السخيف والواهي والذي لا وجود ولا صحة له” (15).

جادل لينين كثيراً، وبحدة بالغة، ضد فكرة المؤتمر العمالي، حيث أوضح أنه ليس هناك أي مضمون واقعي لذلك الطرح الذي يقدمه التصفويون. ومن ثم كتب في بداية ديسمبر 1911:

“من الواضح أنه لن يُسمح بإنشاء مثل ذلك الاتحاد.. من الواضح أنهم لن يدعوه يصير واقعاً حياً. وفقط الليبراليون العميان هم من يرون عكس ذلك. من المفيد بالطبع إنشاء نقابات شرعية فاعلة، طالما أننا ندرك جيداً أنها في ظل الظروف الراهنة من غير الممكن أن تصبح واسعة ولا “سياسية” ولا مستقرة. لكن من الضار أن ننساق وراء المواعظ الليبرالية التي ترفض فكرة استخدام القوة” (16).

وفي مارس 1912، كرر مرة أخرى:

“من الواضح في ظل الظروف السياسية السائدة في روسيا، والتي يظل فيها حتى حزب الليبراليين – الكاديت – حزباً غير شرعياً، أن إنشاء حزب الطبقة العاملة الاشتراكي الديمقراطي المفتوح هو مجرد فكرة طموحة ليس إلا. إن التصفويين لم يتبرأوا فقط من الحزب غير الشرعي، لكنهم أيضاً لم يفوا بالتزامهم بإيجاد الحزب الشرعي” (17).

وفي وقت لاحق، تساءل لينين: أين المؤتمر إذن؟

“لأكثر من عام كنا نقول للتصفويين: كفاكم كلاماً وابدأوا على الفور في تأسيس “منظماتكم السياسية الشرعية”، مثل “اتحاد الدفاع عن مصالح الطبقة العاملة”، إلخ. كفوا عن ترديد العبارات المحفوظة وانزلوا إلى العمل. لكنهم لم يفعلوا ذلك، إذ أنه من المستحيل إدراك تلك اليوتوبيا الليبرالية في روسيا اليوم” (18).

وفي مواجهة فكرة المؤتمر العمالي الشرعي، طرح لينين سيادة الحزب غير الشرعي:

“1- إن الشكل الصحيح الوحيد للهيكل التنظيمي في الفترة الراهنة هو الحزب غير الشرعي والذي هو حصيلة الأنوية الحزبية الملتفة حولها شبكة من الاتحادات العمالية الشرعية وشبه الشرعية.

2- ينبغي إلزاماً تكييف الشكل التنظيمي للبناء غير الشرعي وفقاً للظروف المحلية. أما تنوع أشكال الغطاء على الأنوية غير الشرعية والمرونة العالية في تكييف أشكال العمل وفقاً للظروف المحلية والعامة إنما يضمنان حيوية التنظيمات غير الشرعية.

3- إن المهمة الرئيسية الراهنة في مجال العمل التنظيمي إنما هي بناء لجان غير شرعية في كل المصانع تتكون من العناصر الأكثر نشاطاً بين العمال. والموجة الهادرة لحركة الطبقة العاملة حالياً توفر المناخ الذي يمكن في ظله بناء المزيد من اللجان الحزبية بالمصانع، وتقوية اللجان الموجودة بالفعل في الغالبية العظمى من المناطق المحلية.

4- أصبح من الضروري حالياً إنشاء قيادة تنظيمية واحدة في كل مركز” (19).

ليس هناك من شك أن على الاشتراكيين الثوريين أن يناضلوا من أجل الحق في التنظيم وحرية تأسيس اتحادات الطبقة العاملة ومنظماتها، لكن ذلك يجب أن يكون جزءاً من النضال من أجل الإطاحة بالقيصرية. وتجاهل العلاقة المباشرة بين الإصلاحات الجزئية والإطاحة الثورية بالقيصرية ليس سوى خداعاً للعمال وسقوطاً في فخ الليبرالية.

“من المهم للغاية الإشارة إلى أن حرية الصحافة والتنظيم والتجمع والإضراب عن العمل هي أدوات لا غنى عنها للعمال، لكن من أجل تحقيق ذلك يتوجب علينا أن ندرك العلاقة غير المنفصلة بين حوذ الحريات السياسية وإنجاز تغيير جذري في النظام السياسي بأكمله. ليس اليوتوبيا الليبرالية لحرية التنظيم في ظل حكم الثالث من يونيو، لكن النضال في سبيل الحرية بشكل عام، وفي سبيل حرية التنظيم بشكل خاص، ضد هذا الحكم على طول الخط، ضد أسس هذا الحكم بالذات” (20).

“يطالب العمال بحرية التنظيم بجدية وإخلاص، لذا يناضلون من أجل الحرية لكل الشعب، من أجل الإطاحة بالملكية، من أجل الجمهورية” (21).

لقد أضفت الظروف التي سادت خلال فترة الردة الرجعية على فكرة التركيز الكامل على العمل الشرعي جاذبية شديدة، وقام المئات من المثقفين بتحويل نشاطهم إلى العديد من المنظمات الشرعية، كالتعاونيات والنقابات واللجان الاستشارية لمجموعة الدوما، إلخ.

“كان التصفويون في المقدمة خلال تلك السنوات الكريهة والمقيتة. وكما كتب أولمينسكي: “فقد عانوا قدراً أقل بكثير من ملاحقة الشرطة.. كان لديهم الكثير من الكتّاب والمحاضرين، وتشكلوا بالأساس من المثقفين”. أما محاولات الشق البلشفي، الذي كانت قواعده تتقلص كل ساعة، للحفاظ على الماكينة غير الشرعية للحزب، فقد كانت تصطدم في كل منعطف بالكثير من الظروف المعادية. وبدا أن البلشفية محكوم عليها بالفشل، فكتب مارتوف: “كل التطورات الحالية تجعل من تشكيل شق حزبي مستقل وصلب مجرد يوتوبيا رجعية مثيرة للشفقة” (22).

عرّف لينين التصفويين بأنهم مثقفين هاربين من الجهاز السري للحزب.

“إن فرار بعض الناس من المنظمات غير الشرعية يمكن أن يكون نتيجة الإرهاق أو الافتقار إلى العزيمة. مثل هؤلاء يستحقون الشفقة وينبغي مساعدتهم، إذ أنهم سيتجاوزون الافتقار إلى العزيمة وسيتخلون عن تلك البلاهة، سيبتعدون عن الليبراليين وعن السياسات العمالية الليبرالية، ومن ثم سيعودون إلى المنظمات غير الشرعية للطبقة العاملة. لكن حينما يستخدم أولئك المتعبين فاقدي العزيمة الصحافة كمنبر يعلنون من خلاله أن فرارهم من التنظيم السري ليس مظهراً للإرهاق أو الضعف أو حتى الزهد الفكري، بل أن يلقوا باللوم على التنظيم السري “غير الكفء” و”غير الفعال” و”المحتضر”، إلخ، فإن أولئك الفارين إذن يصيرون مرتدين مثيرين للاشمئزاز. أولئك الفارون يصيرون إذن أسوأ من يقدم النصيحة لحركة الطبقة العاملة، وبالتالي أخطر أعدائها” (23).

إلا أن ذلك لا يعني أن المناشفة كانوا تصفويين في مجملهم، لكن على الأقل أنهم تحملوهم وقبلوهم في صفوفهم. وبينما لم يؤيداهم الزعيمان المنشفيان مارتوف ودان، إلا أنهما دافعا عنهم ضد الهجوم البلشفي في جريدة جولوس سوسيال ديمقراطا التي صدرت في باريس. وفي نفس الوقت، كانا يساهمان بنشاط كبير في صحافة التصفويين العلنية.

قضية المصادرات

مع تراجع المد الثوري، صارت قضية تمويل الحزب أكثر ضيقاً وإلحاحاً. وحتى أثناء العام 1905 كان الجهاز الداخلي للحزب متواضعاً للغاية، وأعازت كروبسكايا ذلك إلى ضغط النشاط اليومي، وقد كانت أمانة الحزب تتكون فقط من ثلاثة أعضاء هم: كروبسكايا، وميخائيل سرجييفيتش، وفيرا رودولفوفنا مينجنسكايا.

“كان ميخائيل سرجييفيتش منخرطاً بشكل أكبر في التنظيم العسكري، وكان دائماً منشغلاً بتنفيذ تعليمات نيكيتين (ل. ب. كراسين)، بينما كنت أنا مسئولة عن تعيين الأعضاء وعن الاتصال باللجان والأفراد. وقد يكون من الصعب الآن أن أصف أسلوب عمل الأمانة العامة باللجنة المركزية، لكني أتذكر جيداً أننا لم تتسن لنا أي فرصة لحضور أي من اجتماعات اللجنة المركزية، لم يكن لدينا أي وقت، ولو حتى دقيقة واحدة، فيما كنا نحتفظ بالعناوين المشفرة داخل علب الثقاب أو بين حزم الكتب، أو ما شابه.

ينبغي علينا اليوم أن نثق بذكرياتنا. كان هناك أعداداً هائلة محيطين بنا دائماً، وكان علينا أن نعطي لهم كل وقتنا.. نمدهم بكل ما يريدون من تثقيف وأدبيات، أو جوازات سفر، أو تعليمات ونصائح عملية، إلخ. إنه لمن الصعب الآن أن نتذكر كيف كنا نلاحق على كل ذلك، وكيف حافظنا على كل تلك المهام، في حين كنا نتصرف بكامل إرادتنا المطلقة دون رقيب ولا حسيب” (24).

هذه الأمانة، المكونة فقط من ثلاثة أعضاء، كانت تشرف على حزب يضم 46,143 عضو في 1907.

أما الأعضاء المتفرغين، فقد كانوا يتقاضون مبالغ زهيدة من الحزب.. “هؤلاء الأعضاء الذين قضوا كل وقتهم في عمل الحزب، كانوا يتقاضون مبالغ ضئيلة للغاية، في بعض الأحيان 3 أو 5 أو 10 روبلات، ولم تتجاوز تلك المبالغ 30 روبل في الشهر على الإطلاق” (25)، وذلك مقارنةً بتوسط أجر العامل في الفترة بين 1903 إلى 1905 والذي كان يُقدر بـ 28 روبل.

وبرغم تواضع الجهاز الداخلي، وبرغم ضآلة المبالغ التي كان يتقاضاها محترفو الحزب، إلا أن قضية المالية كانت تمثل مشكلة مزمنة يعاني منها الحزب. خلال الثورة، لم تكن المالية تمثل عبئاً ثقيلاً؛ فقد كان يتلقى الكثير من التبرعات من المتعاطفين ميسوري الحال. في منظمة البلاشفة في موسكو، على سبيل المثال، كان هناك ألف عضو في 1905:

“وأظهرت حسابات اللجنة في يونيو أن الدخل قد تزايد إلى 9,891 روبل، منهم 4 آلاف روبل من “صديق”، و3 آلاف “من أجل السلاح”. كان معروفاً أن هناك العديد أن هناك العديد الأثرياء المتعاطفين مع القضية البلشفية، مثل مكسيم جوركي وابن أحد ملاك المصانع.. أما إجمالي اشتراكات الأعضاء فقد وصلت إلى 1,378 روبل، وهناك 1,013 آخرين” (26).

وفي أكتوبر، زادت المساهمات المالية من أثرياء المتعاطفين: “اثنان دفعا 4 آلاف روبل، و8400 آخرين من “الأصدقاء” (27)، فيما كان الوضع مشابهاً كثيراً لدى المناشفة خلال الفترة الثورية، كما وصف مارتوف:

“ازدادت ميزانيات منظمات الحزب كثيراً.. برغم أن اشتراكات الأعضاء لعبت دوراً محدوداً في ذلك. أوضح تقرير مسئول المالية بمنظمة باكو، في فبراير 1905، أن اشتراكات العمال بلغت 38,9 روبل من أصل 382,8، أي 3% فقط. وجاء في تقرير فرع ريجا، في أغسطس، أن الاشتراكات وصلت إلى 143,4 روبل من أصل 558,7 هي ميزانية الفرع، أي 22% فقط. أما في لجنة سيباستوبول، فقد بلغت 14% من الميزانية، وفي فرع ماريوبول: 33%، إلخ. ولعله واضحاً من التقارير أن النسبة الأعلى لاشتراكات الأعضاء كانت في الفرع الاشتراكي الديمقراطي الروسي في إيفانوفو – فوزينسينيك، حيث وصلت إلى 53% من إجمالي دخل الفرع” (28).

كانت واحدة من أهم المتعاطفين الذين تبرعوا بمبالغ كبيرة هي م. كاليمكوفا (كانوا يدعونها “العمة”)، حيث وفرت من أموالها التمويل الأساسي الذي صدرت به جريدة الإيسكرا. كانت كالميكوفا صاحبة دار نشر وتوزيع تصدر عنها كتب تقدمية وأدبيات شعبية رخيصة السعر، وكانت صديقة قريبة لكروبسكايا زوجة لينين. أما موروزوف، المستثمر الثري بالغزل والنسيج، فقد كان يتبرع للحزب شهرياً بألفي روبل عن طريق المهندس كراسين (1*)، وكذلك ابن أخيه ن. ب. شميدت، الذي سنشير إليه لاحقاً، من أكثر المساهمين في مالية الحزب البلشفي.

ومع سيطرة الرجعية وتدهور الثورة، انقطع كافة المتعاطفين الأثرياء عن التبرع للبلاشفة، وفشل لينين كثيراً في جمع أي أموال آنذاك، وكذلك كروبسكايا، التي لم تكن فقط عضواً في الأمانة العامة للجنة المركزيةبل أيضاً مسئولاً لمالية الحزب ككل، أخذت تشكو مراراً وتكراراً من نقض الأموال. لكن لنقرأ أولاً القصة التالية:

“كان الشاب نيقولاي بافلوفيتش شميدت يملك مصنعاً للأثاث بمقاطعة بيرنسيا بموسكو، وكان عمه هو موروزوف، ذلك الثري الذي كان يهب مبالغ كبيرة للبلاشفة. انحاز الشاب نيقولاي إلى صف العمال في 1905 وانضم للبلاشفة أيضاً، ووفر الأموال اللازمة لطباعة وتوزيع جريدة نوفايا جيزن، كما وفر الكثير من الأموال لشراء وتحصيل السلاح. أصبح نيقولاي ودوداً مع العمال وأفضل صديق لهم، وأطلقت الشرطة على مصنعه “وكر الشيطان” حيث لعب المصنع دوراً مهماً في انتفاضة موسكو المسلحة. اعتُقل نيقولاي بافلوفيتش وتعرض لأبشع ألوان التعذيب، واصطحبته الشرطة لتريه ما حلّ بالمصنع وبعماله الذين لقوا حتفهم داخله، وفي النهاية اغتالوه في السجن. وقبل أن يموت، نجح في تمرير وصيته لأصدقائه بالخارج بأن يهب كل ممتلكاته للبلاشفة.

ورثت إيليزافيتا، الأخت الصغرى لنقولاي، جزءاً من ممتلكاته، وقررت هي الأخرى أن تمنح ثروتها للبلاشفة. لكن الفتاة كانت قاصرة، أي لم تكن قد تخطت السن الذي يسمح لها بذلك، وهكذا من أجل أن تتصرف بالمال كما أرادت، قررت أن تعلن زواجاً زائفاً بالرفيق إيجناتييف، الذي قد قرر هو الآخر أن يحتفظ بعمله الشرعي بعد أن شارك في الفرق المسلحة في موسكو. وبما أنها أصبحت متزوجة، صار بمقدورها أن تفعل ما تريده بميراثها لدى موافقة زوجها الرفيق، لكن الزواج لم يكن حقيقياً” (29).

وحتى مع ذلك، استمرت الضائقة المالية حادة ومزمنة لدى البلاشفة، وهكذا قرر لينين القيام بالعمليات التي عُرفت بـ “المصادرة”، والتي كانت في الحقيقة عمليات سطو مسلح على المصارف وغيرها من المؤسسات من أجل سد احتياجات الحزب المالية الملحة. وبعد عدد من العمليات، اتجه المناشفة للتنديد بها، واتجه تروتسكي ينتقد لينين بحدة بالغة في الصحافة الاشتراكية الديمقراطية الألمانية، حتى أن الكثير من البلاشفة أظهروا استياءاً بالغاً من تلك العمليات. وفي مؤتمر ستوكهولم (1906)، أدلى 64 مندوباً بأصواتهم تأييداً لقرار المناشفة بمنع هذه العمليات، فيما صوّت 4 لصالح استكمالها، وامتنع 20 عن التصويت. وهذا يعني أن المندوبين البلاشفة أنفسهم قد صوّتوا مع المناشفة.

وفي تقرير مطوّل أملاه لينين في مؤتمر ستوكهولم، تجنب القيادي البلشفي أي ذكر للقرار المتعلق بالعمليات المسلحة، وذلك على خلفية أنه لم يكن حاضراً أثناء مناقشة القرار. إلا أن من الصعب تصديق أن غياب لينين عن تلك المناقشة كان على سبيل الصدفة، بل أن لم يكن يحب أن يحضرها مكتوف الأيدي أثناء الهجوم عليه.

وفي مؤتمر لندن، في مايو 1907، خاض لينين في مناقشة كل القضايا الأخرى فيما عدا قضية “المصادرة” تحديداً، فيما انهالت أصواب المندوبين مرة أخرى في صالح منع عمليات السطو المسلح. ومرة أخرى أيضاً صوّت المندوبين البلاشفة لصالح قرار المناشفة، وعندما طلب المندوبين سماع رأي لينين – الذي تحاشى الإدلاء بصوته – أصدر ضحكة مكتومة مع تعبير تهكمي على وجهه دون كلمة واحدة (30).

وفي تقرير كتبه ستالين عن المؤتمر، الذي كان مندوباً به، حاول أن يشرح القرار وما جرى حوله من نقاشات بهذه الطريقة العرجاء:

“من بين كافة مشاريع القرارات التي قدمها المناشفة في المؤتمر، كان القرار حول التحركات العصابية فقط هو ما تم إقراره بالفعل، وكان ذلك أيضاً بمحض الصدفة.. فقد كان ذلك فقط بسبب أن البلاشفة لم يرغبوا في العراك، بل في أن يتركوا لرفاقهم المناشفة على الأقل فرصة واحدة وألا يفسدوا عليهم فرحة تمرير قرارهم”.

في الحقيقة، لم يكن البلاشفة “يرغبون في العراك” بسبب أنهم واجهوا في هذه المسألة ليس فقط المناشفة، بل أيضاً البولنديين والبوند، بل وكذلك الكثير من الأعضاء البلاشفة أنفسهم.

وفي 23 يونيو، أي بعد ستة أسابيع من مؤتمر لندن، ورغماً عن القرار، نفذ رجال لينين عملية سطو مسلح هي الأخطر والأكثر تهوراً وجرأة ومغامرة، حيث داهموا مصرف تيفليس، وصادروا 341 ألف روبل دفعة واحدة أُرسلوا للتو لمالية البلاشفة بالخارج. لكن لم يكن من السهل استبدال الأموال المنهوبة في البنوك الخارجية التي كانت شديدة الحذر حيال ذلك، بالأخص لأن المبلغ لم يكن يشمل سوى فئات كبيرة من العملة الروسية. والعديد من البلاشفة كان يتم القبض عليهم أثناء محاولاتهم لاستبدال الأموال، مثل الرفيق ليتفينوف الذي قُبض عليه في أوروبا الشرقية، والذي صار بعد انتصار ثورة أكتوبر الاشتراكية في 1917 مفوضاً للشعب للشئون الخارجية.

ندد كلٌ من تروتسكي ومارتوف بتلك العمليات بعنف في مؤتمر لندن، وبعد فترة وجيزة انتقل هذا التنديد في صورة مقالات وأعمدة نُشرت في الصحف الاشتراكية في أوروبا الشرقية.

لعب ستالين دوراً محورياً في تنظيم عمليات السطو. وربما يكون هذا الدور، وما يتسم به من مزج الحرص بالجرأة والمغامرة، هو الذي استرعى انتباه لينين إلى ستالين. كانت مجموعة من ضمن أفضل الكوادر البلشفية قد اشتركت في تنفيذ تلك العمليات. لنأخذ الرفيق كامو (سيميون أرشاكوفيتش تيربتروسيان) مثالاً. شارك كامو في مداهمة تيفليس وعدد من المصارف الأخرى، وسمح لنفسه هو ورفيق آخر في مجموعته أن يحظيا فقط بـ 50 كوبيك في اليوم الواحد للمعيشة. كان ذلك الرفيق جريئاً ومغامراً إلى درجة أنه هرب من سجن تيفليس وشارك في تهريب السلاح إلى روسيا، وادعى الجنون في أحد السجون الألمانية، وبرغم التعذيب الوحشي نجح في إقناع سجانيه بأنه مجنوناً بالفعل، ومن ثم أُرسل مرة أخرى إلى تيفليس، ليهرب ثم يُقبض عليه ثانيةً فيُحكم عليه بالإعدام، لكن العقوبة خُففت إلى السجن مدى الحياة.

الانقسام، الانقسام، الانقسام

بعد الانتهاء من مؤتمر التوحيد في ستوكهولم، تصدرت قضية انتخابات الدوما الصراع داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي في بطرسبورج. وعندما حان الوقت لتحديد مرشحي الحزب في المدينة، حدد البلاشفة المرشحين الذين سيدفعون بهم في الانتخابات، فيما انصرف 31 من المرشحين المناشفة من المؤتمر، وفقاً لتعليمات اللجنة المركزية للحزب والتي يسيطر عليها المناشفة، ليعقدوا مؤتمراً خاصاً بهم ويقررون فيه التحالف مع الكاديت في انتخابات الدوما.

وما لبث لينين أن أصدر على الفور كراس صغير يتهم فيه المنسحبين من المؤتمر بالتواطؤ مع الكاديت “من أجل بيع أصوات العمال” و”عقد صفقة لإقحام رجالهم في الدوما بمساندة الكاديت رغماً عن إرادة العمال”. لم يكن لينين يوجه تلك الاتهامات فقط للمنسحبين من المؤتمر، بل أيضاً للجنة المركزية للحزب، لكن ذلك كان يُعد خرقاً واضحاً للانضباط الحزبي من جانب لينين. وهكذا وجد نفسه أمام لجنة حزبية تحقق معه في “السلوك غير المسموح به الذي صدر عنه تجاه أعضاء بالحزب”. كان من حق لينين أن يحدد ثلاثة محققين في هذه اللجنة، فيما عيّنت اللجنة المركزية ثلاثة آخرين، وحددت المنظمات اللاتفية والبولندية والبوند عضواً واحداً لكل منهم في لجنة التحقيق.

لم يكن لذلك التحقيق أهمية؛ فلقد انعقد مؤتمر حزبي قبل انتهائه ولم يحظ المناشفة فيه بالأغلبية، فيما وضع لينين في موقع السيطرة. لكن سلوك لينين أثناء مثوله أمام لجنة التحقيق كان مثيراً للغاية، إذ حوّل دفة الصراع ضد الجناح اليميني بالحزب.

مع بدء التحقيق، اعترف لينين بأنه استخدم “لهجة غير مسموح بها في العلاقة مع الرفاق في نفس الحزب” (31)، لكنه لم يعتذر قط عن ذلك. وبالتأكيد، لم يكن لينين يتردد، في نضاله ضد التصفويين وحلفائهم، في استخدام أكثر الأسلحة عنفاً وحِدة؛ فالوسطية ليست من شيم البلشفية.

لينين يتقرّب إلى بليخانوف

على الرغم من النضال الذي خاضه لينين بلا هوادة ضد خصومه داخل الحزب، إلا أنه لم يحمل أي ضغائن تجاههم، بل كان يسعى للالتقاء بهم إذا لاحظ أي خطوة من جانبهم تجاه التقارب، تماماً مثلما حدث مع بليخانوف في عامي 1908 و1909.

رأى لينين أن هناك فرصة لإعادة بناء الحزب من خلال التضحية باليساريين المتطرفين واجتذاب العناصر المعادية للتصفية بين المناشفة، أي أولئك الذين لم يعارضوا فكرة بناء المنظمات السرية. وقد كان بليخانوف يتزعم هؤلاء في الشق المنشفي من حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي.

في ديسمبر 1908، استقال بليخانوف هيئة تحرير جريدة التصفويين، جولوس سوسيال ديمقراطا، وغادر أيضاً من مجموعة تحرير الكتاب ذي الخمسة مجلدات – “الحركة الاجتماعية في روسيا” – والتي كانت تضم مارتوف وماسلوف وبوتريسوف. كتب بليخانوف بكل غضب رداً على مقالة مؤيدة للتصفويين بقلم بوتريسوف.. كتب بوتريسوف:

“إني أسأل القارئ.. هل كان في العام 1909 شيئاً حقيقياً موجوداً في الواقع، ليس نسجاً من خيال مريض، يسمى النزعة التصفوية.. نزعة لتصفية شيئاً لا يحتاج لتصفية.. وليس موجوداً من الأساس ككيان منظم”.

ورد بليخانوف:

“ليس هناك من شك أن رجلاً لا يعتبر الحزب موجوداً، أن الحزب لا يعتبر هذا الرجل موجوداً في المقابل. الآن سيكون على أعضاء الحزب أن يقولوا أن السيد بوتريسوف ليس رفيقاً لهم، وربما يذهب البعض لاتهامي بموجب أني توقفت منذ زمن عن اعتباره كذلك” (32).

“لقد أخفق بوتريسوف في النظر إلى الحياة الاجتماعية في روسيا بأعين ثورية”، أما التصفوية، بحسب كلمات بليخانوف، فهي تقود إلى “مستنقع الخزي الانتهازي”؛ فهي “تؤدي إلى اختراق التيارات البرجوازية الصغيرة للبيئة البروليتارية”. “لقد حاولت (بليخانوف) مراراً وتكراراً أن أثبت للرفاق المناشفة النافذين أنهم يرتكبون خطئاً فادحاً بإبداء استعدادهم للتعاون والمضي جنباً إلى جنب مع أولئك السادة الذين يفوحون بالانتهازية”. “لا تقود التصفوية إلا إلى الانزلاق في فخ الانتهازية والتطلعات البرجوازية الصغيرة المعادية للاشتراكية الديمقراطية” (33).

وعلى إثر هذا الإعلان من جانب بليخانوف، تقدم لينين إلى تسوية الخلاف معه، وفي نوفمبر 1909، دعا إلى:

“التقارب بين أعضاء الحزب المؤيدين لكافة فصائل الحزب وقطاعاته، وقبل كل شيء التقارب بين البلاشفة والأعضاء المؤيدين للمناشفة والمناشفة على شاكلة رفاق فيبورج في سان بطرسبورج والبليخانوفيين.. نحن نطلق هذه الدعوة لكافة المناشفة القادرين على شن المعركة ضد التصفوية، لكافة المناشفة المؤيدين لبليخانوف، وبالطبع لكافة العمال المناشفة” (34).

من الناحية العملية، لم يكن لينين يبذل الكثير من الجهد للتعاون مع بليخانوف؛ فالفوارق الأساسية بين سياستيهما كانت جذرية بما يكفي لمنع ذلك التعاون بينهما. وفي الحقيقة، كان بليخانوف على أقصى يمين المناشفة في ثورة 1905؛ فلقد عارض انتفاضة ديسمبر لأنها ستخيف الليبراليين، وقد دعا أيضاً للتقارب مع الكاديت والتعاون معهم باعتبارهم قادة للثورة.

لينين يناضل ضد التوفيقيين

شن لينين نضالاً ضارياً ضد اليسارية المتطرفة في الحزب البلشفي، كما كافح بدأب ضد التصفويين المناشفة، لكنه ما لبث أن طرد الفبريوديين البلاشفة حتى واجه معارضة من نوع آخر تصعد ضده داخل الشق البلشفي من حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي: التوفيقيين، أو كما أطلقوا على أنفسهم “بلاشفة الحزب”. كان الحزب منهك القوى وفي حالة يُرثى لها إلى درجة دفعت أعضاءه للدعوة إلى الوحدة، إلى التقارب بين البلاشفة والمناشفة ووضع حد نهائي للانقسامات والانشقاقات الداخلية.

حينئذ كان لينين قد بدأ يفقد الكثير من التأييد بين البلاشفة، حيث تبنى الكثير من القادة البلاشفة الدعوة إلى الوحدة ضمن حزب واحد دون انشقاقات داخلية. كان التوفيقيون يضمون بعضاً من أبرز القيادات البلشفية المنتخبين للجنة المركزية في المؤتمر الخامس أمثال: ريكوف ونوجين ودوبروفينسكي ولوزوفسكي وسوكولنيكوف (35).

في ظل هذه الظروف، دعا القادة المناشفة إلى جلسة جديدة للجنة المركزية للحزب في باريس في بداية 1910، فيما عارض لينين هذه الدعوة بقوة. كان لينين آنذاك في موضع الأقلية، ليس فقط في صفوف الحزب ككل، بل أيضاً بين رفاقه البلاشفة أنفسهم، ومن بين كافة القادة البلاشفة البارزين، كان الوحيد الذي أبدى تأييده لأطروحات لينين ضد التوافق مع المناشفة هو زينوفيف، الذي غدا منذ ذلك الحين أقرب معاوني لينين الموثوق بهم، حتى أتى الاختبار الحاسم له بعد ذلك في الأحداث العاصفة لثورة 1917 (2*).

ولثلاث أسابيع، وقع لينين محل هجوم حاد من كل الأطراف حوله، وفي النهاية أُجبر على تسليم أموال شميدت، وتصفية الجريدة البلشفية (بروليتاري)، والموافقة على إصدار جريدة مشتركة مع المناشفة (سوسيال ديمقراط) التي اشترك في هيئة تحريرها هو وزينوفيف من البلاشفة مع المنشفيين مارتوف ودان، وفارسكي ممثلاً عن الحزب البولندي. وفي ذلك الحي، أُعلنت جريدة تروتسكي في فيينا، برافدا، كجريدة رسمية للحزب، وأُرسل كامينيف (3*) لمساعدته في تحريرها، كما ساهمت اللجنة المركزية في دعمها مالياً. ولزيادة الطين بلة، لم تندد جلسة اللجنة المركزية في باريس بالتصفويين إلا بالقول فقط؛ بل أنها قد دعتهم في نفس الوقت للمشاركة في أعمال الحزب الداخلية ولتحديد ثلاثة أعضاء يختارونهم للانضمام إلى اللجنة المركزية السرية.

رحب تروتسكي كثيراً بنتائج جلسة اللجنة المركزية بباريس كـ “أعظم ما حدث في تاريخ الاشتراكية الديمقراطية” (36). أما موقف لينين، فقد كان واضحاً في رسالة بعثها لجوركي في 11 أبريل 1910:

“في الجلسة الممتدة للجنة المركزية (استمرت لثلاثة أسابيع مشحونة بالصراع العنيف وتوتر الأعصاب) ساد مزاج عام من “التوافق” (دون أي فكرة واضحة مع من، ولماذا، وكيف)، وكراهية المركز البلشفي نظراً نضاله الأيديولوجي العنيد، والشجار مع المناشفة الذين يسعون لإشعال المعركة، والنتيجة.. طفل مغطى جسمة بالبثور. وهكذا كُتب علينا أن نعاني.. إما في أفضل الأحوال أن نفتح البثور ونخرج الصديد ونعالج الطفل، أو في أسوأ الأحوال أن يموت الطفل. وهكذا يكون علينا أن نتخلى عن الطفل لبعض الوقت (أي أن نعيد بناء الشق البلشفي) وأن نلد طفلاً جديداً أكثر صحة” (37).

إلا أن الوحدة لم تتحقق عملياً على الإطلاق، ليس بسبب تذمت البلاشفة، لكن لأن المناشفة لم يكونوا مستعدين بما فيه الكفاية لذلك؛ فقد ألزمت قرارات جلسة اللجنة المركزية في يناير 1910 البلاشفة بقطع العلاقة بدعاة المقاطعة، والمناشفة بإنهاء الصلة مع التصفويين. كان من السهل على لينين أن يلتزم بالقرار الخاص بالبلاشفة، فقد ساهم بالفعل بشكل أساسي في طرد بوجدانوف ولوناتشارسكي وكل دعاة المقاطعة من المعسكر البلشفي من قبل، أما المناشفة فقد كان عسيراً عليهم أن يلتزموا بالقرار خاصتهم. إذ كان التصفويون متوغلين بين قواعدهم بشكل كبير، وإذا عمدوا إلى طردهم فكان ذلك سيعني تدمير المعسكر المنشفي بالكامل، وبالتالي أن ينتصر البلاشفة ويصبح لهم اليد العليا والمطلقة في الحركة الاشتراكية الديمقراطية. أوضح مارتوف فيما بعد أنه لم يكن لديه أي نية لتنفيذ القرار، وقد وافق على قرارات الوحدة في جلسة اللجنة المركزية فقط لأن المناشفة كانوا أضعف كثيراً من أن يخاطروا بالانقسام (38).

كان ذلك هو أول الأسباب التي عرقلت الوحدة، أما ثانياً فهو رفض التصفويين الثلاثة الذين انضموا للجنة المركزية أن يتولوا أي مهام في المنظمات السرية، وهذا طبيعي ومفهوم؛ فلا يمكن أن يتولى تصفوي مهام منظمة يريد أن يصفيها. وعندما دعا التوفيقيون البلاشفة لبناء منظمات مشتركة مع التصفويين، تجاهل لينين الدعوة تماماً. وعندما حاول دان ومارتوف طرح رؤاهم في سوسيال ديمقراط، التي اشتركا في هيئة تحريرها مع لينين وزينوفيف، منعهم لينين من ذلك (صوّت فارسكي، ممثل الحزب البولندي في هيئة تحرير سوسيال ديمقراط، إلى جانب لينين وزينوفيف).

أما برافدا، التي حررها تروتسكي في جينيف بمعاونة كامينيف، فقد فشلت هي الأخرى في أن تصبح جريدة الحزب الموحد. فعندما فشلت محاولاته في التوفيق بين البلاشفة والمناشفة، بسبب رفض المناشفة طرد التصفويين، علّق تروتسكي صدور الجريدة (39)، فيما فشل كامينيف في إقناعه باتخاذ موقف أكثر تماسكاً وحزماً.

تدخلت الشرطة القيصرية في مسألة الوحدة وساهمت بشكل كبير في إفشال مساعيها. كان دوبروفينسكي في البداية هو المتحدث الرئيسي بلسان التوفيقيين في الحزب البلشفي، لكن الشرطة القيصرية قد ألقت القبض عليه وأرسلته إلى المنفى في سيبيريا حيث انتحر بعد ذلك بفترة قصيرة (40). أصبح أليكسي ريكوف خليفاً لدوبروفينسكي كالقيادي التوفيقي الأبرز في اللجنة المركزية، لكن ألقت الشرطة القبض عليه هو الآخر من الشارع بمجرد عودته إلى روسيا حتى قبل أن يقابل أي من رفاقه. كانت الأوخرانا على علم تام بالمواقف السياسية لكافة القيادات البلشفية، وكانت تعرف جيداً كيف تحدد أماكن تواجدهم كي تلقي القبض عليهم، وذلك بفضل العميل الرئيسي داخل الحزب البلشفي – رومان مالينوفسكي. “كان لدى الشرطة الروسية في ذلك الوقت اهتمام خاص بدعم البلاشفة الذين عارضوا التوحيد. ومن أجل منع قيام حزب اشتراكي ديمقراطي موحد, وبالتالي أكثر خطورة على السلطة، كانت الأوخرانا تركّز على القبض على التوفيقيين الداعين للوحدة بشكل خاص” (41).

كان المناشفة مقتنعين تماماً في ذلك الوقت أن سياسات لينين الانقسامية متطابقة مع سياسات الأوخرانا. وكان لدى الأوخرانا أمل كبير في أن يؤدي انقسام الاشتراكية الديمقراطية إلى إضعاف الحركة العمالية، أما لينين فقد ظن أن ذلك سوف يصقل القيادة العمالية الثورية بمزيد من الصلابة. إلا أن التاريخ قال كلمته في النهاية ولم تلتقط الأوخرانا الثمرة التي أرادتها.

لينين ينتصر على التوفيقيين

دعا لينين لعقد مؤتمر حزبي في براج في يناير 1912 واستثنى التصفويين تماماً من هذه الدعوة. رفض كلٌ من الحزب البولندي واللاتفي ومجموعة فبريود وتروتسكي وبليخانوف المشاركة في المؤتمر، فيما حضر المؤتمر 14 مندوباً فقط (اثنين منهم عملاء للشرطة) ممثلين عن 10 لجان حزبية في روسيا. انتخب المؤتمر سبعة أعضاء في اللجنة المركزية الجديدة: لينين، وزنوفيف، وأردجنيكيدزه، وسباندريان، وشوارتزمان، ورومان مالينوفسكي (عميل الشرطة). وبعد فترة قصيرة، عيّنت اللجنة المركزية عضوين آخرين: جوجاشفيلي (ستالين)، وبيلوستوفسكي، فيما أُرسل خمسة أعضاء لتنظيم اللجان داخل روسيا كان بينهم ثلاثة أعضاء قوقازيين: سباندريان، وأوردجنيكيدزه، وستالين.

لم يكن تروتسكي في ذلك الوقت قد تخلى بعد عن مساعيه في التوحيد بين المجموعات الاشتراكية الديمقراطية المختلفة، ورداً على مؤتمر لينين في براج، أقنع تروتسكي المناشفة بعقد مؤتمر لكافة الاشتراكيين الديمقراطيين في فيينا في أغسطس 1912. كان لا يزال لدى تروتسكي أمل كبير في أن يقارب المزاج الثوري في روسيا بين التيارات المختلفة للاشتراكية الديمقراطية كما كان الحال في 1905، فكتب: “إنه لمن السخف والتفاهة أن نؤكد على أن هناك تناقضاً لا يمكن إصلاحه بين سياسة لوتش وبرافدا”. وفي موضع آخر: “إن الشقاق التاريخي بين البلشفية والمنشفية لهو بين المثقفين في الأصل”.

إلا أن تروتسكي كان مخطئاً على نحو كارثي؛ فالانقسام بين البلشفية والمنشفية كان عميقاً بما يكفي بحيث لا يمكن تجاوزه، والصحوة السياسية الجديدة في روسيا لم تؤد إلا إلى تعميقه أكثر. أما لينين فقد كان حينها يجمع ثمار جهوده الطويلة والشاقة؛ فبينما كان أتباعه يقودون المنظمات القاعدية الفاعلة، اتسمت المجموعات المنشفية بالضآلة والتفكك الشديد. وبينما رفض البلاشفة المشاركة في مؤتمر فيينا، التقى كلٌ من المناشفة، ومجموعة اليساريين المتطرفين البلشفية سابقاً (الفبريوديين)، والبوند اليهودية، ومجموعة تروتسكي (6*)، وشكلوا سوياً جبهة عُرفت بإسم “كتلة أغسطس” أصبح تروتسكي متحدثها الرسمي وأخذ في الهجوم على “تاكتيكات لينين الانشقاقية”. لكن هذه الجبهة سرعان ما بدأت في التفكك فور تشكيلها.

قرر مؤتمر براج في فبراير 1912 إصدار جريدة يومية شرعية حملت إسم جريدة تروتسكي القديمة التي صدرت في جينيف – برافدا (7*). ظهر العدد الأول من البرافدا البلشفية في 22 أبريل 1912 واستمرت في الصدور يومياً حتى اندلاع الحرب لتلعب دوراً مركزياً في بناء الحزب البلشفي. ساهم بليخانوف وبوجدانوف وعدد آخر من من مجموعة فبريود في الكتابة للجريدة. لكن، باستثناء أليكسينسكي، لم تستمر هذه المساهمات طويلاً، فيما كان لينين سعيداً للغاية بكتابات بليخانوف وأليكسينكسي.

لكن لينين كان مصراً على استكمال المعركة ضد “التوافق” مع المناشفة والتصفويين. ولثلاثة أشهر، شطبت البرافدا مصطلح “التصفويين” من مفرداتها.. “ولهذا السبب كان لينين يشعر بالضيق الشديد حينما كانت البرافدا تزيل من مقالاته كل ما يتعلق بالجدال ضد التصفوية، فكتب لينين رسائل غاضبة لهيئة تحرير البرافدا يعرب فيها عن احتجاجه على ذلك” (43). “وفي بعض الأحيان كانت مقالات إيليتش تضيع أو يتأخر نشرها كثيراً، وهذا ما كان يغضب إيليتش بشدة، فبعث برسائل احتجاجية لهيئة تحرير البرافدا.. لكن ذلك لم يصلح الأمور” (44).

وفي رسالة إلى مولوتوف، سكرتير هيئة تحرير البرافدا، في 1 أغسطس 1912، كتب لينين:

“باعتبارك سكرتيراً لهيئة التحرير كتبت لي: “إن هيئة التحرير تعتبر مقالاتك مقبولة من حيث المبدأ بما يشمل الموقف تجاه التصفويين”. إذا كان الأمر كذلك، فلماذا إذن تقتطعون في كل مرة وبشكل منتظم كل ذكر للتصفويين سواء في مقالاتي أو مقالات بقية الزملاء” (45).

وفي 25 يناير 1913، كتب للنواب البلشفة في الدوما:

“لقد تلقينا خطاباً غبياً ووقحاً من المحررين، ولن نرد عليه. يجب أن يُطردوا على الفور.. إن غياب الأنباء عن خطة إعادة تنظيم هيئة التحرير يسبب لنا قلقاً بالغاً.. إعادة التنظيم والتنحية التامة لكافة المحررين القدامى لهو الأمر الضروري الآن, إنهم لا يستطيعون السير على الخط الصحيح تجاه لوتش.. وتعاطيهم مع المقالات أصبح مشيناً” (46).

وفي 9 فبراير، كتب إلى سفيردلوف (8*):

“إن استخدام البرافدا من أجل التواصل مع العمال الواعين طبقياً وتلقي مراسلاتهم (لجنة بطرسبورج على وجه التحديد) هو عمل قابل للنقد بكل تأكيد. يجب أن تضعوا حداً لما يسمى الاستقلال الذاتي لهيئة التحرير التي ترتكب الكثير من الأخطاء. عليكم أن تتدبروا ذلك الأمر قبل أي شيء.. ضعوا هيئة التحرير بين أيديكم.. وإذا تم تنظيمها بشكل جيد، سيكون ذلك بمثابة إعادة إحياء للجنة بطرسبورج التي هي الآن خاملة بشكل سخيف، وغير قادرة على النطق ببنت شفة، وتهدر الفرص التي يجدر بها إصدار البيانات والتصريحات بصددها.. على اللجنة أن تصدر تلك البيانات مرة يومياً بشكل علني، ومرة أو مرتين شهرياً بشكل سري. مرة أخرى، مفتاح الحل في الأمر برمته يكمن في البرافدا. إذا تم تنظيمها بشكل جيد، يمكن تنظيم العمل المحلي أيضاً، وإلا سوف ينهار كل شيء” (47).

أرسلت اللجنة المركزية الرفيق سفيردلوف إلى بطرسبورج لإعادة تنظيم هيئة التحرير (48)، فكتب لينين له في 9 فبراير 1913: “أصبحنا على علم اليوم ببدء الإصلاحات في البرافدا. ألف تحية وتقدير وتهنئة وتمني بالنجاح.. لا يمكنك أن تتخيل كيف كان العمل متعباً للغاية مع فريق التحرير المعادي بمعنى الكلمة هذا”.

سارت الأمور على نحو ما كما أراد لينين، وبعد فترة وجيزة انعقد اجتماع مشترك بين المكتب الروسي للجنة المركزية وهيئة تحرير البرافدا وتوصل إلى حل وسط، ألا وهو أن يبقى ثلاثة من هيئة التحرير كما هم، وأن يكن لسفيردلوف – بالرغم من كونه خارج الهيئة – الحق في التصويت على قراراتها، وفرض الرقابة على كافة المقالات في الجريدة. لم يدم هذا الاتفاق طويلاً؛ فسرعان ما ألقي القبض على سفيردلوف بعد ذلك بثلاثة أسابيع فقط.

بات واضحاً أن هيئة التحرير الجديدة متعافية تماماً من الميل تجاه التصفويين. في البداية عملت الهيئة بسلام تام مع لينين، لكن بحلول نهاية مايو تفجرت قضية أخرى، وهذه المرة بسبب تقارب البرافدا مع الاستدعائيين. ففي 26 مايو، نشرت البرافدا مقالة لبوجدانوف يشرح فيها موقف مجموعته من الدوما. وعندما تلقى لينين نسخته من الجريدة، غضب كثيراً وبعث برسالة إلى هيئة التحرير جاء فيها:

“إن تصرف المحررين فيما يخص تشويه السيد بوجدانوف لتاريخ الحزب لهو فضيحة مشينة إلى درجة أنني، ولأكن صريحاً في ذلك، لا أعرف ما إذا كنت سأظل مساهماً في الجريدة بعد ذلك.

إني أطالب بكل حزم بنشر المقالة المرفقة كاملةً. لقد كنت أسمح للمحررين برفاقية بأن يقوموا ببعض التغييرات في مقالاتي، لكن بعد خطاب السيد بوجدانوف فإني لا أعطي لأحد أي حق في تغيير أو فعل أي شيء من هذا القبيل في هذه المقالة”.

أرسلت الهيئة المقالة للينين مرة أخرى، فوافق على تعديل واحد فقط، وهو إزالة كلمة “السيد” من أمام إسم بوجدانوف. لكن هيئة التحرير رفضت نشر المقالة التي لم تظهر للعلن إلا في العام 1939 (49).

كتب لينين إلى كامينيف مطالباً إياه بممارسة المزيد من الضغط على البرافدا، وفي يناير 1914 أرسله إلى روسيا لتولي تحرير الجريدة. وبالرغم من عودة الصلة الجيدة بين لينين والبرافدا مجدداً، إلا أن قضية بوجدانوف لم تكن قد انتهت بعد، فقد كان لينين يتلقى دوماً رسائل من الرفاق في روسيا يعبرون فيها عن عدم رضاهم عن موقفه إزاء بوجدانوف (50).

في ظل تولي كامينيف تحرير البرافدا، ظل لينين على صلة قوية وجيدة بها حتى منعت الشرطة القيصرية إصدارها بشكل نهائي في يوليو 1914 مباشرةً بعد إعلان القيصرية الروسية المشاركة في الحرب العالمية الأولى. لكن إغلاق البرافدا تفادى الوقوع في أزمات جديدة، حيث انقسم لينين وكامينيف بحدة حول الموقف من الحرب.

لم تكن المجموعة البلشفية بمجلس الدوما بعيدة عن كل ذلك؛ فلقد كانت لـ “مسألة التوافق” تأثيراً كبيراً عليها. تكونت هذه المجموعة من ستة بلاشفة استمروا أعضاءاً بالدوما ما يقارب عاماً كاملاً، من ديسمبر 1912 إلى سبتمبر 1913. وكان أول ما فعله النواب البلاشفة الستة لدى انتخابهم هو الاتفاق مع النواب المناشفة على المساهمة بمقالات في كلٍ من البرافدا البلشفية ولوتش التصفوية. وفي قرار خاص نُشر في البرافدا، أعلنت المجموعة عن تأييدها للاندماج بين البرافدا ولوتش، وكخطوة في هذا الاتجاه أوصت المجموعة أعضاءها بالكتابة في كلتا الجريدتين. وفي 18 ديسمبر، نشرت لوتش أسماء 4 نواب بلاشفة بين كتابها (انسحب اثنين من تلك المبادرة بالكتابة في لوتش)، في حين ظهرت أسماء النواب المناشفة السبعة على الفور في عناوين البرافدا الرئيسية (51).

وفي أحد الاجتماعات في كاراكاو في نهاية ديسمبر، أصر لينين على أن يتراجع النواب البلاشفة عن اتفاقهم مع المناشفة بالكتابة في لوتش. كما أصر اجتماع كاراكاو أيضاً على ضرورة مطالبة المجموعة البلشفية بالدوما بالمساواة مع نظيرتها المنشفية، وذلك على الرغم من زيادة المناشفة عن البلاشفة في الدوما بواحد؛ سبعة مناشفة مقابل ستة بلاشفة. كانت النواب البلاشفة قلقين حيال إعادة تنظيم هيئة تحرير البرافدا، الأمر الذي كان يهدف إلى إنهاء مساعيهم التوفيقية مع المناشفة. وبعد ذلك بستة أشهر، في يونيو 1913، كتب لينين إليهم في إلحاح شديد للإسراع في المطالبة بالمساواة مع المناشفة، على أن ينشقوا عنهم في حالة الرفض (52). لكن النواب البلاشفة لم يتخذوا ولو خطوة واحدة في هذا الاتجاه، وفي مؤتمر بورونين في سبتمبر، اتُخذ نفس القرار بنفس الحيثيات من جديد (53). كان ذلك المؤتمر مشتركاً بين اللجنة المركزية ومحترفي الحزب مع نواب الدوما الستة. وبعد ذلك، نفذ النواب البلاشفة قرار المؤتمر وطالبوا نظرائهم المناشفة بالمساواة في التصويت، وحينما رفض المناشفة، انقسمت الكتلة الاشتراكية الديمقراطية في الدوما وكان ذلك بمثابة الضربة القاضية للعلاقة الودودة بين البلاشفة والمناشفة في مجلس الدوما.

وفي الحقيقة، لعب مالينوفسكي دوراً خطيراً – وفي الحقيقة كان دوراً مزدوجاً – في الانقسام النهائي للحزب إلى بلاشفة ومناشفة. كتب جنرال الشرطة سبيريدوفيتش: “لقد نجح مالينوفسكي، من خلال تنفيذه لتوجيهات لينين وإدارة الشرطة معاً، في إشعال المعركة الأخيرة بين “السبعة” و”الستة” في أكتوبر 1913″ (54).

لكن لينين كان يبذل مجهوداً جباراً على مدار عام كامل من أجل إقناع النواب البلاشفة بضرورة قطع الصلة بشكل كامل مع المناشفة، هذه الحقيقة ترسم لنا صورة مختلفة تماماً عن وجهة النظر السائدة عن البلشفية كتنظيم غير ديمقراطي يُدار تحت قيادة شمولية وديكتاتورية. كان على لينين أن يناضل بدأب بالغ وأن يجادل مراراً وتكراراً لإقناع أعضاء حزبه أولاً وأخيراً.

هوامش:

(1*) كان ب. كراسين عضواً في اللجنة المركزية البلشفية آنذاك، وجدير بالذكر أن موروزوف قد انتحر بعد هزيمة ثورة 1905 – المترجم.

(2*) عارض زينوفيف وكامينيف الانتفاضة المسلحة في أكتوبر 1917، وسارع الاثنين إلى كشف القرار الذي اتخذته اللجنة المركزية للحزب البلشفي في 10 أكتوبر في الصحافة العلنية محذرين من مخاطره. وفي 11 أكتوبر، أي قبل قيام الانتفاضة المسلحة بأسبوعين فقط (25 أكتوبر)، وبعد يوم واحد من قرار اللجنة المركزية بدعوة سوفيتات العمال والجنود للانتفاضة، كتب زينوفيف وكامينيف “رسالة حول الساعة الراهنة” والتي جاء فيها: “نحن مقتنعون تماماً بأن إعلان الثورة المسلحة في هذا الوقت ليس فقط لعباً بكيان حزبنا وإنما أيضاً لعب بالثورة الروسية والعالمية” – المترجم.

(3*) كان كامينيف أيضاً صهر تروتسكي (زوج أخته) – المترجم.

(4*) كان لدى تروتسكي مجموعة صغيرة من بضع مئات من العمال تدعى “ميجرا يونتس” (أو المنظمة الإقليمية)، انضمت بالكامل للحزب البلشفي في يوليو 1917، وانتُخِبَ تروتسكي على الفور عضواً في اللجنة المركزية للحزب – المترجم.

(5*) أنظر الفصل التاسع عشر: البرافدا – المترجم.

(6*) لا يفوتنا هنا تعريف القارئ بأحد أكثر المناضلين إخلاصاً وتفانياً في تاريخ البلشفية الروسية، وهو يعقوب ميخائيلوفيتش سفيردلوف. انضم سفيردلوف لحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي في 1901، وبعد أن أعلن تأييده للبلشفية في 1903 وحتى العام 1917 تخصص في العمل السري غير الشرعي، واختير عضواً في اللجنة المركزية للحزب البلشفي عام 1913.

وخلال الأشهر الثورية العصيبة للعام 1917، لعب سفيردلوف من وراء الستار دور المنظم الفعلي للحزب بأكمله. يقول عنه أناطولي فاسيليفيتش لوناتشارسكي في كتيبه “لوحات ثورية”: “عندما صدر الأمر بإلقاء القبض على لينين وزينوفيف، واعتقلت أنا وتروتسكي وكثير من البلاشفة، ظل سفيردلوف طليقاً. وجعل هذا الظرف من سفيردلوف القائد الفعلي للحزب في تلك اللحظة المصيرية والرجل الذي شد عزيمته رغم الهزائم التي حلت به”.

كان يعقوب سفيردلوف وافر المجهود إلى حد أذهل رفاقه وجعله محل إبهار لجميع الثوريين الروس. وفي عام 1919، “انهار سفيردلوف متوفياً (عن عمر يناهز 34 عاماً فقط) تحت وطأة المهام الفائقة لطاقة الإنسان التي أخذها على عاتقه” (لوناتشارسكي). وفي تأبينه، قال لينين: “إن أشخاصاً مثله ليس لنا غنى عنهم، وسنحتاج إلى فرقة كاملة كي تحل محله” – المترجم.

(1) Lenin, Collected Works, vol.10, pp.323-4.

(2) ibid., p.369.

(3) ibid., vol.11, pp.57-8.

(4) ibid., p.320.

(5) ibid., vol.16, pp.242-3.

(6) ibid., vol.17, p.164.

(7) Martov, On Liquidationism, Golos sotsialdemokrata, August-September 1909; Getzler, op. cit., p.125.

(8) Lenin, Collected Works, vol.16, p.158.

(9) ibid.

(10) ibid., p.153.

(11) ibid., vol.15, pp.432-3.

(12) ibid., vol.12, p.390.

(13) Zhivala zhizn, 25 July 1913; ibid., vol.19, pp.44-5.

(14) N. R-kov, The Present Situation in Russia and the Main Tasks of the Working-Class Movement at the Present Moment, Nasha Zariia, nos.9-10; ibid., vol.17, p.322.

(15) ibid., vol.17, p.323.

(16) ibid., pp.357-8.

(17) ibid., p.540.

(18) ibid., vol.18, p.395.

(19) ibid., pp.458-9.

(20) ibid., pp.417-8.

(21) ibid., p.243.

(22) Trotsky, Stalin, op. cit., p.111.

(23) Lenin, Collected Works, vol.19, p.398.

(24) Krupskaya, op. cit., pp.127-8.

(25) E. Yaroslavsky, History of the Communist Party, Moscow 1927, vol.5, p.15.

(26) Lane, op. cit., p.108.

(27) ibid.

(28) Martow, Geschichte der russischen Sotzialdemokratie, op. cit., p.33.

(29) Krupskaya, op. cit., pp.16l-2.

(30) Trotsky, My Life, op. cit., p.218.

(31) Lenin, Collected Works, vol.12, pp.424-5.

(32) ibid., vol.17, pp.493-4.

(33) ibid., vol.16, pp.19-20.

(34) ibid., p.101.

(35) Zinoviev, op. cit., p.162.

(36) Pravda, Vienna, February 12, 1910; Getzler, op. cit., p.32.

(37) Lenin, Collected Works, vol.34, p.420.

(38) Martov, Spasiteli ili uprazdniteli? Paris 1911, p.16.

(39) Pravda, Vienna, no.12, in I. Deutscher, The Prophet Armed, London 1954, p.195.

(40) Zinoviev, op. cit., pp.244-5.

(41) M.A. Tsialovsky, ed., Bolsheviki, Dokumenty po istorii bolshevizma 1903 po 1916 god bivshago moskovskago okhrannago otdeleniia, Moscow 1918, pp.48ff, in O.H. Gankin and H.H. Fisher, The Bolsheviks and the World War, Stamford University Press 1940, p.106.

(42) Lenin, Collected Works, vol.20, pp.475-6.

(43) Krupskaya, op. cit., p.209.

(44) ibid., p.226.

(45) Lenin, Collected Works, vol.35, p.47.

(46) ibid., vol.43, p.335.

(47) ibid., vol.35, p.79.

(48) A footnote in Lenin, Sochineniia, 3rd edition, vol.16, p.696, quoted in Trotsky, Stalin, op. cit., p.48.

(49) Lenin, Collected Works, vol.43, p.356.

(50) ibid., pp.385-7.

(51) Trotsky, Stalin, op. cit., p.144.

(52) Lenin, Collected Works, vol.35, pp.101-2.

(53) See ibid., vol.19, pp.425-6.

(54) Trotsky, Stalin, op. cit., p.160.

« السابق التالي »