بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

لينين – بناء الحزب

« السابق التالي »

الموجة الثورية الصاعدة

رخاء اقتصادي

في العام 1909 تخلص الاقتصاد الروسي من أزمته وشهد حالة من الانتعاش النسبي، حيث تعافت أغلب الصناعات من أزمة 8 – 1907، ونمى الإنتاج بشكل متواصل خلال السنوات القليلة التالية كما هو موضح في الجدول أدناه والذي يرصد معدل إنتاج الفروع الأساسية في الاقتصاد الروسي (بالمليون بود) (1) (1*).

الصناعة 1910 1913
الحديد الخام 186 283
الحديد والصلب 184 246
حديد التسقيف 22,9 25,3
القضبان الحديدية 29,5 35,9
النحاس 1,4 2
الفحم 1,522 2,214
النفط 588 561
فحم الكوك 168 271
القطن 22,1 35,9

بُعثت الحركة الثورية أيضاً إلى الحياة مرة أخرى، وفي القلب من الجماهير الشعبية، كان الطلاب هم أول من انطلقوا في النضال.

الطلاب يتحركون

في خريف 1910، اندلعت المظاهرات الطلابية بعد وفاة الروائي الروسي الشهير ليو تولستوي، والرئيس الليبرالي لمجلس الدوما الأولى مورومتسيف. جاءت المظاهرات أيضاً كرد فعل على المعاملة القاسية والوحشية التي كان يتعرض لها المعتقلين السياسيين بسجن زيرينتوي. عُقدت اجتماعات طلابية عديدة وحاشدة في الجامعات، كما اُتخذت قرارات بالاحتجاج وتنظيم المظاهرات في الشارع، وفي بداية 1911 شن الطلاب إضراباً عاماً انتشر عبر روسيا احتجاجاً على الإجراءات القمعية التي اتخذتها الحكومة ضدهم. رحّب لينين بحركة الطلاب بحماسة شديدة، وفي المقابل انتقد خطاب أرسلته مجموعة من الطلاب الاشتراكيين الديمقراطيين يقللون فيه من شأن موجة النضال الطلابي من زاوية أنها ليست مرتبطة بحركة العمال. كتب الطلاب في خطابهم: “نحن نقدّر الحركة الطلابية فقط في حال ارتباطها بالحركة السياسية بشكل عام، وفي حال كونها جزء منها، وهناك افتقار شديد للعناصر القادرة على توحيد الطلاب. وعلى ضوء ذلك، نحن ضد الحركة الأكاديمية” (2).

علّق لينين على هذا الخطاب بحدة، قائلاً:

“هذه المجادلة خاطئة بشكل جذري حيث أن توجيه الشعار الثوري فقط تجاه الحركة السياسية المنسقة بين الطلاب والبروليتاريا، إلخ، ينزع من هذا الشعار حيويته في الكثير من جوانب التحريض النضالي على أسس متوسعة، وهكذا يتحول الشعار إلى دوجما عديمة الجدوى من خلال تطبيقه ميكانيكياً على مراحل مختلفة من أشكال مختلفة من الحركة. ليس كافياً على الإطلاق أن نعلن تحركاً سياسياً منسقاً، مكررين نفس “الكلمات الأخيرة” في دروس الثورة. ينبغي علينا أن نحرض على التحرك السياسي مستخدمين في ذلك كل الإمكانيات، وكل الظروف، وقبل كل شيء كل الصراعات بين العناصر المتقدمة أياً من كانت، وبين الحكم المطلق.

تعد هذه المجادلة صحيحة فقط في حالة أن تخفض الحركة الأكاديمية مستوى الحركة السياسية، أو تفتتها، أو تنحرف عنها – وفي هذه الحالة ينبغي على مجموعات الطلاب الاشتراكية الديمقراطية أن تركز تحريضها ضد مثل هذه الحركة. لكن بوسع أي منا أن يرى بوضوح أن الظرف السياسي في الوقت الراهن مختلف؛ فالحركة الأكاديمية تعبر عن بداية حركة “جيل” من الطلاب الذين يضيقون ذرعاً بالحكم المطلق بهذه الدرجة أو تلك، وهذه الحركة تبدأ الآن بينما نفتقر إلى الأشكال الأخرى في النضال الجماهيري في الوقت الراهن” (3).

كان انخراط الطلاب أسهل كثيراً خلال تلك الفترة من العمال الذين عانوا أشد المعاناة خلال سنوات الردة الرجعية. لكن التصاعد الطلابي كان له دلالات أعمق على نهوض جماهيري أكثر اتساعاً.

العمال ينهضون

شهد العام 1911 صعوداً تدريجياً للحركة العمالية؛ ففي 1908 كان عدد العمال المضربين ضئيلاً: 60 ألف عامل، فيما ازداد ضآلة في 1910 ليبلغ 46,623 عامل، ومن ثم تصاعد إلى 105,110 في 1911. وهكذا ذكر مؤتمر الحزب البلشفي في يناير 1912 أن:

“حالة الصحوة السياسية يمكن ملاحظتها بين الحلقات الديمقراطية الواسعة، وبشكل رئيسي في أوساط البروليتاريا. إضرابات العمال 11 – 1910، بداية المظاهرات، الاجتماعات البروليتارية، وبداية تحرك البرجوازية الديمقراطية المدنية، إضرابات الطلاب، إلخ، كل هذه الأحداث تشير إلى تصاعد المزاج الثوري لدى الجماهير ضد حكم الثالث من يونيو” (4).

اكتسبت الحركة العمالية زخماً هائلاً بعد المذبحة البشعة التي تعرض لها عمال مناجم الذهب في لينا 4 أبريل 1912، حيث أضرب عن العمل نحو 6 آلاف من عمال مناجم لينا في الغابة الصنوبرية التي تبعد حوالي ألفي كيلومتر عن سكك حديد سيبيريا، حينها ألقى أحد ضباط الدرك أوامره بإطلاق النار على حشود العمال العُزّل من السلاح ليسقط 500 منهم بين شهيد ومصاب. نددت مجموعة الاشتراكيين الديمقراطيين بالدوما بتلك الجريمة، لكنها لم تتلق سوى رد وقح ومتغطرس من وزير داخلية القيصر أ. ماكاروف: “هكذا كان الأمر، وهكذا سيكون دوماً”.

ومن الجدير بالملاحظة أن المظاهرات التي انطلقت احتجاجاً على مذبحة لينا رفعت منذ البداية شعار الجمهورية الديمقراطية، مما كان يعكس مستوى أعلى كثيراً في الوعي الجماهيري مما كان عليه في ثورة 1905 التي بدأت بتقديم عريضة ساذجة إلى القيصر. لقد بدأ العمال الروس في أبريل 1912 من حيث انتهوا عند أعلى نقطة للثورة منذ 7 سنوات مضت.

ألهبت أنباء مأساة لينا الدموية غضب الطبقة العاملة، وأصبحت المظاهرات والاجتماعات والاحتجاجات جزء من الحياة اليومية عبر روسيا. شارك 300 ألف عامل في الإضرابات الاحتجاجية على المذبحة، حتى أنه في الأول من مايو أضرب نحو 400 ألف عامل (5)، وتلى ذلك العديد من الإضرابات السياسية الأخرى. وعندما أعلنت الحكومة القيصرية بطلان انتخاب 21 مرشح عمالي في بطرسبورج في انتخابات الدوما الرابعة، ديسمبر 1912، دعا عمال عدد من مصانع بطرسبورج إلى إضراب سياسي شارك فيه زهاء 100 ألف عامل.

وفي 11 نوفمبر، نظم عمال “ريجا” مظاهرة احتجاجية على حكم المحكمة العسكرية في “سيباستوبول” بالإعدام على مجموعة من بحارة البارجة “أيوان زلاتوست”، وأيضاً احتجاجاً على تعذيب المعتقلين السياسيين سجون “ألجاشينسكي” و”كوتامارسكي”. تظاهر أكثر من 150 ألف عامل في مسيرة مهيبة جابت شوارع ريجا يرددون الأغاني الثورية، وفي اليوم التالي دخل عمال عدد من المصانع الكبيرة بالمدينة في إضراب سياسي. وفي موسكو أيضاً أضرب عمال عدد من المصانع في 8 نوفمبر احتجاجاً على إعدامات سيباستوبول.

وعندما تم القبض على ستة من عمال مصنع “أوبوخوف”، نوفمبر 1913، بتهمة مخالفة قانون حظر الإضراب في “الأعمال الضرورية اجتماعياً”، عقد العمال اجتماعاتهم في كل مصانع بطرسبورج لبحث التضامن والتصعيد، وخاض 100 ألف عامل إضراباً تضامنياً مع زملائهم المقبوض عليهم مطالبين بالحق في الإضراب، كما وقعت اشتباكات عنيفة أمام المحكمة. وتحت الضغط، أصدرت المحكمة أحكاماً مخففة على العمال المتهمين، وعندما جرى استئناف الحكم في 20 مايو 1914، نظم العمال إضراباً ضخماً شارك فيه ما يزيد عن 100 ألف من عمال العاصمة (6). ومرة أخرى، في 15 نوفمبر، عندما افتتحت الدوما أولى جلساتها، أضرب عن العمل نحو 180 ألف عامل.

وفي مقالة بعنوان “تطور الإضرابات الثورية ومظاهرات الشوارع” في 12 يناير 1913، كتب لينين:

“نحن نشهد إضرابات جماهيرية تمثل بداية لهبة ثورية جديدة. ولا يكون ذلك ممكناً في أي من البلدان، إن لم يكن هناك وضعاً اجتماعياً ثورياً يدفع مئات الآلاف من العمال إلى الحركة السياسية لأسباب متنوعة أكثر من مرة في السنة.. إن بداية الموجة الثورية اليوم أعلى بما لا يُقاس بما كان عليه الأمر قبل الثورة. وبالتالي فإن الثورة الثانية سوف تظهر قدراً أكبر وأعظم من الطاقة الثورية لدى البروليتاريا.. إن الإضراب الثوري للعمال الروس في 1912 كان نطاقه قومياً بالمعنى الحرفي للكلمة” (7).

تصاعدت الإضرابات السياسية الثورية حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى، ويمكننا هنا أن نسرد عدد من تلك الإضرابات التي شارك بها مئات الآلاف من العمال: ففي الذكرى الثامنة للأحد الدامي، 9 يناير 1913، أضرب عن العمل 80 ألف عامل. وفي الذكرى الأولى لمذبحة لينا، في 4 أبريل 1913، شارك 85 ألف عامل في إضراب لمدة يوم واحد. وبعد أسابيع قليلة، في الأول من مايو، زاد عدد المضربين إلى ربع مليون عامل. وفي 1 إلى 3 يوليو، خاض 62 ألف عامل إضراباً عن العمل احتجاجاً على مصادرة الحكومة للصحف العمالية. ووصل إجمالي عدد العمال المضربين في النصف الأول من عام 1914 مليون و425 ألف عامل، منهم مليون و59 ألف خاضوا إضرابات سياسية، وتلك الإحصاءات تقترب كثيراً من تلك التي كانت في العام 1905 حينما وصل عدد العمال المشاركين في الإضرابات السياسية إلى مليون و843 ألف عامل. كانت الحركة بشكل عام تندفع نحو الثورة، لكن اندلاع الحرب العالمية الأولى قد قطع عليها الطريق.

البلاشفة يستفيدون من موقعهم في البرلمان

خلال السنوات 1912 إلى 1914، نجح البلاشفة في تحقيق أقصى استفادة ممكنة في الدوما القيصري. أوضح لينين أن النشاط البلشفي في الدوما يجب أن يكون متسقاً مع النشاط الثوري خارج المؤسسة القيصرية، بل وخاضعاً له أيضاً، وهكذا ينبغي على النواب البلاشفة في الدوما أن:

“قوموا بإنشاء فريق عمل في هذا المجال.. حتى يشعر كل نائب اشتراكي ديمقراطي بأن الحزب يقف من ورائه، وأن الحزب يركز على أخطائه ويحاول تصحيح مساره ومده على استقامته، وذلك حتى يشارك كل عامل بالحزب في النشاط العام للحزب في الدوما، وأن يتعلم خلال ذلك النقد الماركسي لخطوات ذلك النشاط، وأن يشعر أن من واجبه مساندته، وأن يكافح من أجل تهيئة وموائمة نشاط مجموعة الدوما مع النشاط الحزبي الدعائي والتحريضي بشكل عام” (8).

ويكرر لينين قائلاً:

“ينبغي علينا أن – وسوف – نعمل بجهد وبإصرار على الجمع بين الحزب ومجموعة الدوما معاً، لتحسين المجموعة نفسها ودفعها للأمام.

وتصويب نضال الحزب لأخطاء المجموعة لن يمثل سوى نقطة بداية. ليس لدينا إلى الآن مؤتمراً حزبياً يوجه مجموعة الدوما ويخبرها بأن عليها تصحيح تكتيكاتها في هذه المسألة أو تلك، كما ليس لدينا إلى الآن جهازاً مركزياً يعمل بانتظام ويتابع كل خطوة للمجموعة نيابةً عن الحزب ككل ويوجّه عملها. أما منظماتنا المحلية فهي لا تزال تبذل القليل، والقليل جداً، من العمل في هذا المجال – التحريض بين الجماهير في كل مسألة تثيرها خطب الاشتراكيين الديمقراطيين في الدوما، وتوضيح الأخطاء في هذه الخطبة أو تلك” (9).

ومن أجل النضال ضد “القماءة البرلمانية”، ولتوضيح أن الدوما ليست سوى مجرد منبر للدعاية إلى ما خارجها، وضع لينين مجموعة من القواعد لنشاط النواب البلاشفة في الدوما:

“من أجل أن تؤدي الأوراق التي يتقدم بها الاشتراكيون الديمقراطيون الغرض منها، يجب أن تتوافر بها الشروط الآتية:

1- ينبغي أن تُكتب هذه الأوراق بأقصى درجة من الوضوح والتحديد لمطالب الاشتراكيين الديمقراطيين المتضمنة في برنامج الحد الأدنى لحزبنا، أو التي تتبع هذا البرنامج بالضرورة.

2- لا ينبغي أبداً أن تُثقل هذه الأوراق بفيض من الحواشي الشرعية، بل يجب أن توضح خلفيات مشاريع القوانين التي يتقدم بها الاشتراكيون الديمقراطيون، لكن ليس نصوصاً معقدة بكل التفاصيل.

3- لا ينبغي أن تفصل هذه الأوراق بين المجالات المتنوعة للإصلاح الاجتماعي والتغيير الديمقراطي كما هو ضروري من زاوية العمل الإداري الشرعي أو “البرلمانية الخالصة”. بل على العكس؛ فانطلاقاً من أهداف الدعاية والتحريض الاشتراكيَين الديمقراطيَين، يتعيّن على هذه الأوراق أن تقدم للطبقة العاملة الفكرة بالشكل الأكثر وضوحاً وتحديداً عن الارتباط الضروري بين الإصلاحات في ظروف العمل (والإصلاح الاجتماعي بشكل عام) والتغيير السياسي الديمقراطي، ذلك الارتباط الذي من دونه ستتعرض كل “الإصلاحات” في حكم ستوليبين المطلق للتشويه الزوباتوفي” (10).

رفض لينين الفكرة الإصلاحية التي تطرح ضرورة اتخاذ المجموعة البرلمانية موقعاً مسيطراً داخل الحزب، بل على العكس، كان مصراً على ضرورة أن تخضع هذه المجموعة للحزب ككل، وأن تقوم بدور الداعم للجماهير المناضلة في المصانع والشوارع.

“إن المجموعة البرلمانية ليست فرقة جنرالات (إذا جاز لي استخدام التشبيهات العسكرية)، لكن فرقة موسيقى عسكرية في بعض الحالات، وفرقة استطلاع في حالات أخرى، وفي أحيان أخرى منظمة مسلحة احتياطية” (11).

“يرى البلاشفة نضال الجماهير المباشر.. باعتباره الشكل الأقصى للحركة، والنشاط البرلماني بدون هذا النضال المباشر باعتباره الشكل الأدنى لها” (12).

“من الضروري أن نقول بوضوح وعلى الملأ أنه ينبغي على الاشتراكيين الديمقراطيين في البرلمانات أن يستخدموا مواقعهم، ليس فقط لإلقاء الخطب، لكن أيضاً لتقديم الدعم خارج البرلمان للتنظيم غير الشرعي وللنضال الثوري للعمال، وأن على الجماهير نفسها، من خلال تنظيمها غير الشرعي، أن تراقب نشاط قادتها” (13).

كانت سيطرة الحزب على نوابه في الدوما صارمة للغاية، حتى عندما وقعت قيادة مجموعة النواب البلاشفة في أيدي عميل الشرطة القيصرية: رومان مالينوفسكي. فبينما كان لينين يكتب الخطابات التي يلقيها النواب البلاشفة، كان مالينوفسكي يقوم دوماً بتسليم خطابه إلى قائد الشرطة، وقائد الشرطة يحاول بدوره في كل مرة إدخال بعض التغييرات على نص خطاب مالينوفسكي، لكن تحكم الحزب في نوابه كان صارماً لدرجة أن مالينوفسكي لم يستطع فعل ذلك. وحتى عندما كان مالينوفسكي يتجاهل إحدى فقرات الخطاب، على سبيل المثال، مدعياً أنه لم يقصد ذلك وأن الأمر نتج عن ارتباك الجلسة، كان يتم نشر الخطاب كاملاً في الجريدة البلشفية اليومية، البرافدا، وهكذا استفاد الحزب من مالينوفسكي كمحرض مفيد برغم كونه عميلاً للأمن في الأساس.

أثبت باداييف، النائب البلشفي في الدوما والذي عمل مهندساً في الأصل، أن نشاط المجموعة البلشفية في الدوما كان لصيق الصلة بعمل هيئة تحرير البرافدا، وأيضاً بنشاط البلاشفة في المصانع.

“لقد استخدمنا الدوما كمنبر لمخاطبة الجماهير من فوق رؤوس البرلمانيين من كافة الأطياف. لكن ذلك لم يكن ممكناً من دون جريدتنا العمالية، وإذا لم يكن هناك جريدة عمالية بلشفية، لكان من غير الممكن انتشار خطبنا خارج جدران قصر توريد. ولم يكن ذلك هو العون الوحيد الذي قدمته البرافدا، ففي مكاتب التحرير كنا نلتقي بوفود من مصانع بطرسبورج لمناقشة العديد من القضايا وللحصول على المزيد من المعلومات منهم. باختصار، كانت البرافدا بمثابة البؤرة التي تجمع حولها العمال الثوريين، والتي قدمت الكثير من العون لمجموعة النواب البلاشفة في الدوما” (14).

انخرط النواب البلاشفة بكثافة في دعم النضالات العمالية، وفي الفترة بين نهاية أكتوبر 1913 وبداية يونيو 1914، ساهموا بشكل كبير في زيادة التبرعات للحزب إلى 12,819 روبل (12,063 منهم جمعتهم 1,295 مجموعة عمالية) من أجل مساندة الرفاق في المعتقل أو في المنفى، ومن أجل دعم المضربين في العديد من المصانع، ولدعم حركة الطبقة العاملة بالكثير من الطرق الأخرى (15).

وفي انتخابات الدوما الرابعة في 1912، أبلى البلاشفة بلاءاً حسناً وأصبح لهم 6 نواب في المجلس (وكان للمناشفة 7 نواب)، وأولئك النواب تم انتخابهم بالأساس في المقاطعات العمالية، فيما فاز أغلب نواب المناشفة في المقاطعات التي يقطنها أبناء الطبقة الوسطى. ففي المقاطعات التي فاز فيها المناشفة كان هناك حوالي 136 ألف عامل صناعي، أما المقاطعات التي جنى فيها النواب البلاشفة أصواتهم فقد كان بها مليوناً و144 ألف عامل. وبكلمات أخرى، حاز المناشفة تأييد 11,8% من العمال، بينما حظى البلاشفة بـ 88,2% منهم (16).

جدير بالذكر أن كل النواب البلاشفة في الدوما أتوا مباشرةً من القاعدة العمالي؛ فأربعة منهم (مالينوفسكي، باداييف، بيتروفسكي، ومورانوف) كانوا عمال تعدين، والاثنين الآخرين (شاجوف، وسامويلوف) عمال نسيج. كما انتُخب هؤلاء النواب من أضخم المدن الصناعية في روسيا: باداييف من سان بطرسبورج، ومالينوفسكي من موسكو، وبيتروفسكي من إيكاترنيسولاف، ومورانوف من خاركوف، وشاجوف من مقاطعة كوستروما، وسامويلوف من مقاطعة فلاديمير.

رفع الشعار البلشفي

أتاحت الإجراءات التي فرضتها السلطات القيصرية في انتخابات الدوما فترة أطول للنشاط الجماهيري. فمن أجل عزل العمال عن الفلاحين، فرض قانون الانتخابات تأسيس دوائر عمالية منعزلة عن بعضها خلال العملية الانتخابية من أجل انتخاب نواب العمال بمعزل عن الفلاحين، ومن أجل عزل نواب العمال عن بعضهم البعض أيضاً. أما عملية الانتخاب نفسها، فقد كانت تجري – وفقاً للقانون – على مراحل متعددة: أولاً يتم انتخاب الممثلين عن المصانع ومواقع العمل، ومن ثم انتخاب المجمع الانتخابي الذي بدوره ينتخب النواب في البرلمان.

لم يكن المرشحين، ولا المندوبين المخول بهم انتخابهم، يخفون البرنامج الثوري الذي يتبنونه ويستندون إليه. وهكذا على سبيل المثال، أعلن المجمع الانتخابي في بطرسبورج في بيان له في أكتوبر 1912 أن:

“مطالب الشعب الروسي التي أبرزتها حركة 1905 لم تتحقق على الإطلاق. وطالما أنه ليس للعمال الحق في الإضراب، فليس هناك ما يضمن ألا تُلفق لهم التهم حينما يضربوا عن العمل. وطالما أنه ليس لهم الحق في تنظيم النقابات والاجتماعات، فليس هناك ما يضمن أيضاً ألا يُقبض عليهم عندما يفعلون ذلك. ليس للعمال الحق في انتخاب الدوما بشكل مباشر، وإلا سوف يُحرمون من حقوقهم ويُجردون من أهليتهم أو يتم إرسالهم إلى المنفى كما حدث لعدد من عمال بوتيلوف وعمال بناء السفن في نيفسكي منذ أيام قليلة.

ناهيك عن عشرات الملايين من الفلاحين الجوعى الذين يعيشون تحت رحمة كبار الملاك ورجال الشرطة. كل ذلك يشير إلى ضرورة تحقيق مطالب 1905.

إن الحالة الاقتصادية في روسيا إنما تنذر بأزمة قادمة في الصناعة وإفقار متنامي للفلاحين في الريف. وكل ذلك يفرض ضرورة تحقيق أهداف 1905 بشكل أكثر إلحاحاً.

نحن نرى أن الحركة الجماهيرية في روسيا اليوم تصل إلى ذروتها، ربما بشكل أكبر مما كانت عليه في 1905. ولعل الإضرابات العمالية التي تلت أحداث لينا هي خير إثبات لذلك.

وكما كان الحال في 1905، ستلعب البروليتاريا الروسية دور الطليعة المتقدمة التي تقود حركة الجماهير. والحليف الوحيد الذي يمكن أن تستند إليه البروليتاريا إنما هو الفلاحين الفقراء الذين طالما عانوا الظلم والاستبداد، والذين يتشدقون للتحرر من نير الإقطاع.

والنضال على الجبهتين – ضد النظام الإقطاعي والبرجوازية الليبرالية التي ترمي للتحالف مع القوى القديمة – لابد أن يكون أساس الخطوات القادمة في نضال الجماهير. أما الدوما، في ظل الظروف القائمة، فيمكن أن تُستخدم كواحدة من أهم الوسائل لتنوير وتنظيم الجماهير العريضة من البروليتاريا.

ومن أجل هذا الهدف، نرسل نائبنا إلى الدوما، ونحمله هو وكل المجموعة الاشتراكية الديمقراطية في الدوما الرابعة مسئولية الدعاية حول مطالبنا من هذا المنبر، وليس للعب على شرعية دوما الدولة.

نريد أن نسمع أصوات الاشتراكيين الديمقراطيين ترن عالياً في الدوما مناديةً بأهداف البروليتاريا وبكافة مطالب 1905، وتؤكد على قيادة الطبقة العاملة للحركة الجماهيرية، وتدين خيانة البرجوازية لحرية الشعب.

على مجموعة الاشتراكيين الديمقراطيين في الدوما الرابعة، خلال عملها وفقاً للشعارات السابقة، أن تؤدي دورها في توحد تام مع القواعد العمالية.

فلتتضاعف قوة الاشتراكيين في الدوما باتصالهم اللصيق مع الجماهير العريضة.. فليسيروا كتفاً بكتف مع المنظمة السياسية للطبقة العاملة الروسية” (17).

مشاركة جماهيرية في الانتخابات

لم تمر الحملات الانتخابية مرور الكرام، بل على العكس فقد لعبت الإضرابات العمالية والمظاهرات الجماهيرية دوراً مركزياً فيها. هكذا يصف الرفيق باداييف الحملة الانتخابية:

“ساعد المناخ العام الذي جرت فيه الانتخابات، بالإضافة إلى حملة الهجوم على حقوق مندوبي العمال فيما يقرب من نصف مصانع العاصمة، على تصعيد حالة الحنق والسخط لدى عمال بطرسبورج. لقد تخطت الحكومة كل الحدود ورد العمال بحركة احتجاج قوية.

بدأ مصنع بوتيلوف في التحرك أولاً؛ ففي يوم الانتخابات 5 أكتوبر، بدلاً من أن يعود العمال إلى ماكيناتهم مرة أخرى بعد الغداء، تجمعوا في ورش المصنع وأعلنوا الإضراب، وبحلول الساعة الثالثة مساءاً تحركوا جميعاً، حوالي 14 ألفاً، في مسيرة نحو بوابة نارفسكي مرددين الهتافات والأغاني الثورية، لكن الشرطة نجحت في تفريقهم. وسرعان ما امتدت الحركة إلى حوض بناء السفن في نيفسكي، حيث نظم حوالي 6,500 عامل مظاهرة سياسية، ومن انضم إليهم عمال مصنع بال وماكسويل، وليسنر، وهييسلر، ودوفلون، وفينيكس، وتششير، وليبيديف، وغيرها من المصانع.

انتشرت الإضرابات سريعاً عبر كافة ربوع بطرسبورج، ولم يكن محصوراً في المصانع التي أُلغيت فيها انتخابات المندوبين، بل في الكثير من المصانع الأخرى أيضاً. وفي الكثير من المصانع تركزت الإضرابات احتجاجاً على ملاحقة النقابات جنباً إلى جنب مع عمال المصانع الأخرى المحتجين على إلغاء الانتخابات. كان الإضراب سياسياً تماماً، فيما لم تُطرح أي مطالب اقتصادية، وفي خلال عشرة أيام فقط شارك في الإضراب نحو 70 ألف عامل.

استمر الإضراب إلى أن أدركت الحكومة بالفعل أنها لم تفلح في سلب العمال حقهم في التصويت وأُجبرت على الإعلان عن انتخابات تمهيدية جديدة في المصانع التي أُلغيت فيها الانتخابات، والكثير من المصانع التي لم يسبق لها أن شاركت في الانتخابات تم إلحاقها في القائمة الجديدة.. كان ذلك بلا شك انتصاراً للطبقة العاملة، وبالأخص لبروليتاريا سان بطرسبورج الذين أبرزوا مثل ذلك الوعي الطبقي.

تم تحديد يوم الأحد 14 أكتوبر لتجري فيه انتخابات تكميلية لمندوبي أكثر من 20 موقع عمالي، ومارس الحزب وجريدته دعاية قوية، تماماً كما فعلنا في الانتخابات الأولى. استمرت الاحتجاجات ضد حرمان العمال من حقهم في الانتخاب حتى خلال سير العملية الانتخابية، وأيقظت الاجتماعات العمالية بالمصانع شعوراً ثورياً واهتماماً فائقاً بالحملة الانتخابية”.

تزامنت خطب النواب البلاشفة مرة بعد أخرى مع الحركة الجماهيرية، وبالتأكيد كان ذلك بالذات هو الهدف من تلك الخطب والاستجوابات التي قدموها.

“كان الهدف من الاستجوابات التي قدمناها هو إبراز الطبيعة الحقيقية للنظام الحاكم.

أما المظاهرة التي نظمها النواب الاشتراكيون الديمقراطيون داخل دوما المائة السود، فقد حظت بدعم وتأييد عمال بطرسبورج الذين أعلنوا إضراب لمدة يوم واحد في نفس اليوم. وعندما كنّا نتحدث في قاعة الدوما عن النموذج الأخير للقمع القيصري، ترك العمال مصانعهم، وفي اجتماعات سريعة اتخذوا قراراتهم الفورية بالاحتجاج.

لم ينته الإضراب في 14 ديسمبر، وفي صباح اليوم التالي انضم عمال المزيد من المصانع فيما لم يعد المضربون منذ اليوم الأول إلى العمل. من الصعب تقدير عدد العمال الذين شاركوا في الإضراب بدقة، لكن المؤكد أن العدد لا يمكن أن يقل عن 60 ألفاً، أي عمال المصانع الأضخم في بطرسبورج، ناهيك عن عمال الورش الذين انضموا لاحقاً للإضراب. وهذا الإضراب الهائل لبروليتاريا بطرسبورج إنما يبرز تضامنهم الكامل مع نوابهم، فقد كانت مجموعة الاشتراكيين الديمقراطيين في القلب من معارك الجماهير العمالية. كنّا على اتصال وثيق بالعمال المضربين، نساعدهم في صياغة مطالبهم، ونسلمهم التبرعات التي يتم تجميعها، ونتفاوض أحياناً نيابةً عنهم مع السلطات الحكومية المختلفة، إلخ” (18).

كانت نضالات العمال من أجل تحسين ظروف وشروط عملهم تمثل قضايا مركزية في القلب من العمل الدعائي والتنظيمي للنواب البلاشفة في الدوما.

“في مارس 1914، انفجرت الحركة العمالية في عدد من الأحداث في سان بطرسبورج، حيث اندلعت الإضرابات السياسية منذ الأيام الأولى من ذلك الشهر. نظم العمال إضرابات ليوم واحد احتجاجاً على مصادرة الصحف العمالية، ومنع النواب البلاشفة من تقديم استجواباتهم، وقمع النقابات، إلخ. انتشرت الإضرابات عبر المدينة وشملت العديد من مواقع العمل، واحتج العمال أيضاً ضد اللقاء السري الذي عقده رودزيانكو، رئيس الدوما، من أجل زيادة التسليح.. وعندما نددنا بتبذير الحكومة في أموال الشعب على التسليح، ساندنا في ذلك إضراب 30 ألف عامل في بطرسبورج.

استمرت الحركة في النمو والتصاعد طيلة شهر مارس، واندفعت بقوة أكبر مع مرور الذكرى الثانية لقتل العمال في مناجم لينا.. وفي يوم الذكرى، قررنا تقديم استجواب جديد. اشتركت كافة منظمات الحزب في الدعوة لمظاهرات كبرى في ذكرى مذبحة لينا، وأصدرت لجنة بطرسبورج بياناً تدعو فيه العمال للتظاهر في الشوارع تأييداً للاستجواب، وقرر عمال عدد من المصانع التظاهر في مسيرة إلى مقر مجلس الدوما.

تقرر التظاهر يوم 13 مارس وبدأ الإضراب بالفعل في مقاطعة فيبورج. وفي مصنع نوفي آيفاز بدأ عمال الوردية المسائية الإضراب في الثالثة فجراً، وفي الصباح انضم إليهم زملاؤهم الآخرون، وسرعان ما انتشر الإضراب عبر المدينة ليشمل 60 ألف عامل، 40 ألف منهم من عمال التعدين” (19).

عملت المجموعة البلشفية في الدوما أيضاً كبؤرة تنسيقية لكل أنشطة الحزب، بما يشمل عمله غير الشرعي.

“في الكثير من الأحيان كان عليّ أن أوفر جوازات السفر أو أماكن لتخبئة العمال المُلاحقين أمنياً، وأن أساعد العمال المفصولين إثر مشاركتهم في الإضرابات في إيجاد فرص عمل أخرى، وأن أتوجه بالعرائض للوزراء نيابةً عن العمال المقبوض عليهم، وأن أنظم الدعم للمنفيين، إلخ. وعندما كانت تبدو إشارات إضراب قادم، كان من الواجب اتخاذ خطوات لدعم المضربين وتثبيتهم، وتوفير دعماً مالياً لهم أو طباعة منشوراتهم، إلخ” (20).

“لم يكن هناك مصنعاً واحداً أو ورشة واحدة لم أكن على اتصال بها بطريقة أو بأخرى” (21).

البلاشفة يبنون مرتكزاتهم في النقابات

عانت الحركة النقابية في روسيا القيصرية من ضعف بالغ على مدار سنوات طويلة. في البداية ظهر جنين النقابات لأول مرة في تسعينات القرن التاسع عشر في شكل لجان لتنظيم الإضرابات، بالإضافة إلى الأشكال الأخرى من مجموعات الدعم العمالي التي تشكلت خلال النضال. كانت لجان الإضراب (التي سُميت أحياناً “صناديق الإضراب”) بمثابة الشكل الأساسي الذي اتخذته التنظيمات العمالية خلال موجة الإضرابات بين أعوام 1895 إلى 1897، ولم تكن تلك اللجان معنية فقط بتنظيم الإضرابات كلما حدثت، أو بتنظيم وسائل دعم المضربين، لكنها هدفت أيضاً إلى بناء منظمات عمالية دائمة داخل المصانع. وفي هذا السياق بُذِل الكثير من الجهد لخلق كيان مركزي يوحد كافة المنظمات العمالية عبر المناطق الجغرافية أو القطاعات الصناعية، لكن ذلك الهدف لم تنجح الحركة العمالية الروسية في بلوغه إلا خلال نضالات 1905 الثورية (2*).

وحتى في 1905، لم تمثل نسبة العمال المنظمين في النقابات سوى أقلية محدودة في صفوف الطبقة العاملة، حيث شملت النقابات العمالية في عضويتها 7% من إجمالي عدد العمال في روسيا، وبالتحديد 245 ألف و555 عامل (23). وحتى تلك النقابات نفسها كانت كلٌ منها تضم أعداداً محدودة من العمال؛ فمن إجمالي 600 نقابة، كانت 349 منها تضم أقل من 100 عامل في النقابة الواحدة، ومن 100 إلى 300 عامل في 108 نقابة، فيما كان عدد النقابات التي تضم أكثر من ألفي عامل هو 22 نقابة فقط (24). وخلال فترة التراجع الحاد، من 1908 إلى 1909، كادت تلك النقابات أن تختفي تماماً من الوجود. وخلال السنوات اللاحقة، نهضت النقابات على نحو محدود، فيما لم تكن هناك حركة نقابية موحدة على مستوى قومي على الإطلاق، في حين كان إجمالي عدد العمال المنظمين في النقابات يتراوح بين 20 إلى 30 ألف عامل فقط (25).

وبالرغم من محدودية فرص النشاط داخل النقابات، إلا أن البلاشفة قد بذلوا كل ما بوسعهم من جهد لاستغلال تلك الفرص، وبشكل عام (لكن بالأخص في بطرسبورج) تفوق البلاشفة على منافسيهم من المناشفة والاشتراكيين الثوريين في التأثير وبناء النفوذ داخل النقابات. وعندما جرت انتخابات اللجنة التنفيذية لنقابة عمال التعدين في سان بطرسبورج، في 21 أبريل 1913، أصبح هناك عشرة عمال، من أصل 14 عامل منتخبين في اللجنة، من قراء البرافدا؛ أي من مؤيدي الحزب البلشفي. وعندما جرت إعادة انتخاب اللجنة التنفيذية لنفس النقابة، في 22 أغسطس 1913، حضر المؤتمر الانتخابي حوالي 3 آلاف عامل من أعضاء النقابة، وحظت القائمة البلشفية على أغلبية ساحقة، وفي المقابل أعطى 150 عامل فقط أصواتهم لقائمة المناشفة.

وفي يونيو 1914، كان بوسع لينين أن يؤكد أن البلاشفة يسيطرون بالفعل على 14 نقابة من إجمالي 18 في سان بطرسبورج وحدها، فيما وقعت 3 نقابات فقط تحت تأثير المناشفة، ونقابة واحدة حظى فيها كل من الحزبين على أعداد متساوية تقريباً من المؤيدين. أما في موسكو، كانت 10 من أصل 13 نقابة من الداعمين المباشرين لجريدة البرافدا، أي تحت التأثير المباشر للبلاشفة، أما الثلاثة الآخرين فلم يكونوا خارج أوساط المتعاطفين مع الحزب البلشفي والملتفين حوله (26).

التأمين الاجتماعي

كانت المنظمة الشرعية التي لعبت دوراً فريداً في الحركة العمالية في ذلك الوقت هي منظمة التأمين الصحي، والتي في الحقيقة ساهمت بشكل أكبر حتى من النقابات في بناء شبكة من العمال المؤيدين للبلشفية.

أما الزعم القائل بأن انتزاع التأمين الاجتماعي من شأنه أن يخدم السلطات القيصرية بتسكين الحركة الثورية، فقد كان مختلفاً تماماً عما جرى في الواقع. اعترفت الحكومة بشرعية التنظيمات العمالية في مجال التأمين الاجتماعي وذلك فقط من أجل منع الثوريين من بناء المزيد من النفوذ بين جماهير العمال. ولعل ما يدل على ذلك هو ما ردده نائب رئيس الشرطة، س. ب. بيليتسكي: “كلما حظى العمال بتأمين مالي أفضل، كلما قل خطر الدعاية الثورية بينهم” (27). وهكذا أيضاً جادل وزير الداخلية، أ. ماكلاكوف:

“إن الطبقات العاملة تقع تحت تأثير الأحزاب الثوري التي تستغلها لمصالحها الخاصة، لكن الطبقات العاملة أصبحت الآن مدركة، من خلال خبراتها السابقة، أن الأعباء الأساسية للإضرابات إنما تقع على كواهلهم، وهكذا كفوا عن تصديق الشعارات الثورية. إن اللحظة الراهنة لهي مليئة بالفرص لمنع الجماهير العمالية من النشاط الثوري، عن طريق تقديم تشريعات تضمن لهم التأمين الاجتماعي.. لكن على الجانب الآخر سنضطر لضخ كميات كبيرة من المال في أيدي المؤمّن عليهم، وبالتالي فمن المهم أن ننظم الخطوات الأولى في هذه العملية لتحجيم نفوذ الثوريين وشلهم تماماً” (28).

مررت الدوما في 23 يونيو 1912 قانونين للتأمين الصحي يقضيان بدفع تعويضات للعمال في حالات الحوادث أو المرض، لكن بالرغم من أن القانونين اُعتُبِرا بمثابة خطوة للأمام مقارنةً بقوانين 1903، إلا أنهما لم يكونا كافيين على الإطلاق، بل وكمن قصورهما في تجاهل شرائح عريضة من الطبقة العاملة مثل عمال الاستثمارات الصغيرة (20 عامل أو أقل)، وكافة عمال الزراعة والإنشاءات، عمال سيبريا وتركستان، ناهيك عن العاجزين والعاطلين وكبار السن. كل هؤلاء لم يكن لهم الحق في التأمين، وهكذا جرى القانون فقط على 20% من عمال المصانع. وبالإضافة إلى ذلك، لم يكن للعمال الحق في إدارة شئون صناديق التأمين، وفي المقابل كان يُسمح لهم فقط بتقديم مرشحين يشاركون في ذلك.

وضع البلاشفة لأنفسهم مهمة توضيح التشريعات الجديدة الخاصة بالتأمين الصحي وكشف قصورها أمام الطبقة العاملة، كما عملوا على توسيع النضال من أجل زيادة تمثيل العمال في الإشراف على صناديق التأمين. في 1912، بدأت صناديق الرعاية الصحية المؤسسة حديثاً في مصانع بطرسبورج في توزيع الدعم على المرضى، لكن هذه الصناديق تأسست في عدد محدود من المصانع التي يعمل بها 200 عامل فأكثر، أما المصانع الأصغر فقد كانت كل مجموعة منها تتقاسم صندوقاً واحداً، ومن الناحية العملية كان كل صندوق ينتفع به من 700 إلى ألف شخص. كان يتم تمويل تلك الصناديق من اشتراكات العمال (1 إلى 3% من الأجر الشهري) ومن المنح التي كان يضعها أصحاب الأعمال والتي كانت تُقدر بثلثي إجمالي اشتراكات العمال في المصنع الواحد. أما عن إدارة الصناديق، فكانت مجالس الإدارات هي التي تتولى مسئوليتها حيث تشكل كل مجلس إدارة جزئياً من العمال المنتخبين، والجزء الأكبر يتم تعيينه من قبل صاحب العمل، بحيث يكون من كل خمسة أعضاء بمجلس إدارة الصندوق كان يعين صاحب العمل أربعة منهم، فيما ينتخب العمال أحد زملائهم فيه، لذا كان للعمال درجة من الاستقلال، لكن كان باستطاعة أصحاب العمل التأثير على الأعضاء المنتخبين من خلال التهديد بالفصل وغيرها من الإجراءات التعسفية.

ركزت البرافدا البلشفية بشدة على فضح القيود المفروضة على إدارة الصناديق، كما دعت بشكل صريح لإدارة العمال لها بشكل كامل، ووضع حد لإرغام العمال على تمويل الصناديق باشتراكاتهم، وفي المقابل أن يتحمل أصحاب العمل هذا العبء.

شن النواب الاشتراكيون الديمقراطيون هجوماً حاداً على إدارات الصناديق التي يسيطر عليها أصحاب العمل في ديسمبر 1912. ومن أجل توسيع رقعة الحملة، أصدرت لجنة بطرسبورج البلشفية منشوراً يدعو للإضراب لمدة يوم واحد دعماً لاستجوابات النواب. وبالمناسبة كان هذا هو الإضراب الذي أشرنا إليه سابقاً والذي استمر أسبوعاً كاملاً بمشاركة 60 ألف عامل.

استغل البلاشفة المشاركة الجماهيرية في الصناديق كساحة للتحريض وأيضاً للدعاية التي تجتاز حدود قضية التأمين الصحي. وكما أعلنت البرافدا في 3 نوفمبر 1912، فإن “صناديق التأمين في المصانع سوف تتطور إلى خلايا عمالية واسعة الانتشار، ستضم في عضويتها الآلاف من العمال، وستمتد عبر كل روسيا” (29).

وبعد نشر سلسلة من المقالات حول صناديق التأمين، خصخصت البرافدا قسماً ثابتاً فيها تحت عنوان “تأمينات العمال: أسئلة وأجوبة”. كما دعا البلاشفة العمال لعقد الاجتماعات لمناقشة كل ما يتعلق بقضية التأمينات، ولكي يبقى نواب البلاشفة في الدوما على اطلاع دائم على كل تطورات القضية في المصانع. وعندما اتسع الاهتمام الشعبي بحملة التأمين، صارت مطالب البلاشفة أكثر وضوحاً وتحديداً: إنشاء صندوق تأمين مركزي للمدينة، والإدارة العمالية الكاملة للصناديق، وضم المساعدات الطبية إليها.

قدم لينين في مؤتمر الحزب البلشفي، يناير 1912، قراراً حول قانون الحكومة، حيث أوضح أي قانون تأمنيات يريده الحزب بالتحديد:

“أ) يجب أن يدعم القانون كل الحالات الطارئة والحرجة (الحوادث والمرض والعَجَز، والإعاقة الدائمة، وإجازات الوضع والرضاعة، والأرامل والأيتام)، وأيضاً حالات فقدان مصدر الرزق نتيجة البطالة. ب) يجب أن يشمل التأمين كل العاملين وأسرهم. ج) يجب أن يتلقى كافة الأشخاص المؤمّن عليهم تعويضات مساوية لدخولهم، وأن تتكفل الدولة وأصحاب العمل بهذه التعويضات. د) يجب أن تُدار كافة أشكال التأمين بواسطة تنظيمات مقسمة جغرافياً على أساس المقاطعات وأن تستند إلى مبدأ إدارة المؤمّنين عليهم بأنفسهم” (30).

تمسك لينين بشدة بضرورة النضال من أجل انتزاع قانون تأمينات على النحو السابق دون التغافل ولو للحظة عن الهدف النهائي في الانتصار الكامل للثورة:

“يحذر المؤتمر العمال جدياً من محاولات بتر أو تشويه التحريض الاشتراكي الديمقراطي بقصره على ما هو مسموح به شرعياً في الفترة الراهنة من هيمنة الثورة المضادة. وعلى الجانب الآخر، يشدد المؤتمر على أن النقطة الأساسية في هذا التحريض يجب أن تكون أن نشرح للجماهير البروليتارية أن لا تحسين في ظروف عملهم وحياتهم يمكن أن يصبح ممكناً من دون ثورة جديدة منتصرة” (31).

على البلاشفة أن يستغلوا كل فرصة ممكنة للتحرك بشكل مفتوح على قضية التأمين الاجتماعي.

“إذا تحول مرسوم الدوما إلى قانون معمول به رغماً عن احتجاجات البروليتاريا الواعية طبقياً، فإن المؤتمر يهيب بالرفاق لشن دعاية أكثر نشاطاً للأفكار الاشتراكية الديمقراطية داخل الأشكال التنظيمية الجديدة، ومن أجل تحويل القانون الجديد، الذي صيغ كوسيلة لتكبيل البروليتاريا بقيود جديدة ولوضع نيراً جديداً على كواهلها، إلى وسيلة لتطوير وعيها الطبقي، ولإحكام تنظيمها، ولتكثيف نضالها من أجل الحرية السياسية الكاملة ومن أجل الاشتراكية” (32).

وبغرض تدعيم حملة التأمين، أصدر البلاشفة، في أكتوبر 1913، نشرة أسبوعية سُميت “فبروسي ستراخوفانيا” (قضايا التأمين)، وصل متوسط توزيعها إلى 15 ألف نسخة أسبوعياً. غالباً ما كان لينين يكتب في هذه النشرة، وعلى عكس وزير الداخلية، ماكلاكوف، الذي رأى في التأمين الاجتماعي وسيلة للحفاظ على استقرار النظام القيصري من خلال استيعاب مطالب العمال، نجح لينين بمهارة في تحويل التأمين الاجتماعي إلى وسيلة لتنظيم مئات الآلاف من العمال ضد النظام نفسه. واندلعت المظاهرات والإضرابات العمالية للمطالبة بالحق في التأمين الكامل، كما تبلورت شبكة واسعة من مؤيدي البلشفية حول صناديق التأمين في المصانع ومواقع العمل.

“في مارس 1914، عُقدت في سان بطرسبورج انتخابات هيئة التأمين لعامة روسيا، وهيئة التأمين في العاصمة. في الأولى انتخب العمال خمسة أعضاء وعشرة نواب، وفي الثانية انتخبوا عضوين وأربعة نواب. وفي كلتا الحالتين، كانت قائمة المرشحين التي تقدم بها البلاشفة قد تم انتخابها بالكامل. وكانت نتيجة الانتخابات في هيئة التأمين في العاصمة كالتالي: 37 بلاشفياً، و7 مناشفة، و4 نارودنيين، و5 مستقلين” (33).

برزت عبقرية لينين في إدراك القضايا الصغيرة التي من الممكن أن تشعل كتلاً من العمال وتوحدهم كطبقة مستقلة، في عمل البلاشفة حول صناديق التأمين. أصبح ذلك أكثر وضوحاً بعد إعلان الحرب العالمية الأولى ومشاركة روسيا بها، حينما تعرض الثوريون لقمع شديد الوطأة، حيث نُفي النواب البلاشفة إلى سيبريا وصودرت البرافدا وأُغلقت مطابعها، في ذلك الحين أصبحت مؤسسات التأمين هي الشكل الوحيد الشرعي والعلني للبلاشفة في عملهم الجماهيري.

وفي عددها الأول، كشفت فبروسي ستراخوفانيا بكل وضوح عن جوهر سياساتها كالتالي: “إن تقديم صناديق تأمين للمرضى يفتح مساراً شرعياً، بل وملزماً للنضال والتحرك” (34). وبعد اندلاع الحرب، نشرت فبروسي ستراخوفانيا بياناً تندد فيه بدخول روسيا الحرب، جنباً إلى جنب مع قضايا العمال ومطالبهم: “كلنا نعرف جيداً أن تكاليف الحياة في ازدياد، لكننا لم نسمع قط عن زيادة الأجور، أو عن تحسين في ظروف حياة الطبقة العاملة تخفف أعباء الغلاء” (35).

وفي مايو 1916، نشرت على صفحاتها مقالة كتبها لينين بعنوان “الشوفينية الألمانية والشوفينية غير الألمانية”، هاجم فيها بكل حدة النزعات القومية التي تغذي الحرب، خاتماً المقال بأنه ليس هناك ثمة فارق جوهري بين الشوفينية الروسية والشوفينية البروسية (36).

كانت تلك النشرة أيضاً بمثابة سلاح فعال في حملة البلاشفة قبيل انتخابات لجان المصانع الحربية، في منتصف 1915، والتي دعوا إلى مقاطعتها تماماً. فقد كان الغرض من تلك اللجان هو دمج المزيد من العمال في المصانع الحربية من أجل مضاعفة إنتاج السلاح. وبينما شارك المناشفة بفعالية في تلك الانتخابات، كان من الطبيعي أن يقاطع البلاشفة، المناهضين الشرسين للحرب، اللجنة وانتخاباتها ويدعون العمال لذلك أيضاً، فنشروا في فبروسي ستراخوفانيا تنديداً شديد اللهجة بهذه اللجنة:

“فقط في مناخ من الحرية السياسية والمدنية، حينما يختفي الحكم المتسلط والقمعي من الوجود، عندما تتوفر إمكانية تحرر كل البروليتاريا الروسية، عندها فقط يمكن للطبقة العاملة أن تدلي برأيها فيما يتعلق بقضية الدفاع عن البلاد” (37).

خلال فترة الحرب، اجتذبت الصناديق حركة جماهيرية هائلة تجاوزت أكثر أحلام لينين طموحاً وتفاؤلاً. وبحلول فبراير 1916، كان هناك حوالي 2 مليون عامل في عضوية لجان الصناديق (38). كان تأثير البلاشفة بين هؤلاء العمال واسع النطاق، وعندما جرت انتخابات مجلس التأمين في يناير 1916، كان هناك 39 من أصل 70 مندوباً من قائمة فبروسي ستراخوفانيا؛ أي من مؤيدي البلاشفة (39).

لم تكن الأوخرانا غافلة عن تلك التطورات التي تعاظم فيها دور الحزب البلشفي وتأثيره بين العمال. وفي تقرير لأحد عملاء الأمن في سبتمبر 1916، توصلت الأوخرانا إلى أن: “أعضاء الحزب القدامى بدأوا يشكلون عضوية مجلس إدارة صناديق التأمين الصحي الذي انتخبه العمال بأنفسهم، وهكذا صارت لصناديق التأمين لوناً سياسياً محدداً” (40). ولعل من الواضح هنا أن لينين، وليس ماكلاكوف، هو من كان على صواب فيما يتعلق بالدور الذي يمكن أن تلعبه هذه الكيانات بين أوساط الجماهير.

إن التجربة البلشفية في معركة التأمين الاجتماعي تضرب مثالاً بالغ الأهمية لكافة الثوريين الذين ينبغي أن تتوازى تطلعاتهم من أجل التحرر الشامل للطبقة العاملة مع محاولاتهم المستمرة والمستمية للمشاركة بفعالية في النضالات الجزئية والصغيرة، حيث أن:

“كل تحرك للبروليتاريا، مهما بدا صغيراً، مهما كان معتدلاً في البداية، ومهما بدا وقعه بسيطاً، فهو يحمل حتماً في داخله تهديداً بتجاوز أهدافه الآنية وبتطوره إلى قوة صلبة تتحدى النظام القديم برمته وتدمره بالكامل” (41).

هوامش:

(1*) البود = 16,38 كيلو جراماً.

(2*) في بولندا ولاتفيا نجحت الكثير من محاولات الثوريين في بناء منظمات دائمة من رحم لجان الإضرابات، وبحلول العام 1900 كان 20 إلى 40% من اليهود منظمين بالفعل في لجان مصنعية دائمة. وقد حظى البوند، الذي تأسس في 1897، بالكثير من التأييد داخل لجان الإضراب، كما ركز نشاطه بشكل مكثف عليها.

(1) P.I. Lyashchenko, History of the National Economy of Russia, New York 1949, p.688.

(2) Lenin, Collected Works, vol.15, pp.214-5.

(3) ibid., pp.215-6.

(4) ibid., vol.7, p.467.

(5) ibid., vol.18, p.105.

(6) T. Dan, in Martow, Geschichte der russischen Sozialdemokratie, op. cit., pp.268-9.

(7) Lenin, Collected Works, vol.18, pp.471-2.

(8) ibid., vol.15, pp.352-3.

(9) ibid., pp.298-9.

(10) ibid., vol.16, pp.111-2.

(11) ibid., vol.15, p.294.

(12) ibid., vol.16, p.32.

(13) ibid., vol.36, p.384.

(14) A. Badaev, The Bolsheviks in the Tsarist Duma, London 1933, p.179.

(15) Lenin, Collected Works, vol.20, pp.541-2.

(16) ibid., vol.19, p.462.

(17) Badaev, op. cit., pp.21-2.

(18) ibid., pp.53-6.

(19) ibid., pp.135-6.

(20) ibid., p.86.

(21) ibid.

(22) S.P. Turin, From Peter the Great to Lenin, London 1935, p.53.

(23) V. Grinevich, Professionalhoe dvizhenie rabochikh v Rossii, St. Petersburg 1908, p.285.

(24) ibid.

(25) S.M. Schwarz, Labor in the Soviet Union, New York 1952, p.338.

(26) Lenin, Collected Works, vol.20, p.387.

(27) M. Korfut, The 1912 Insurance Act, Krasnaia letopis, no.1 (25), 1928, p.139.

(28) ibid., p.163.

(29) S. Milligan, The Petrograd Bolsheviks and Social Insurance, 1914-17, Soviet Studies, January 1969.

(30) Lenin, Collected Works, vol.17, p.476.

(31) ibid., p.478.

(32) ibid., pp.478-9.

(33) ibid., vol.20, p.234.

(34) Voprosy strakhovaniia, 26 October 1913; Milligan, op. cit.

(35) ibid., 20 March 1913; ibid.

(36) ibid., 31 May 1916; Lenin, Collected Works, vol.22, p.184.

(37) ibid., 31 August 1915; Milligan, op. cit.

(38) ibid., 16 February 1916; ibid.

(39) ibid.

(40) M.G. Fleer, Peterburgskii komitet bolshevikov v gody voiny, 1914-1917, Leningrad 1927, p.69.

(41) Lenin, Collected Works, vol.8, p.426.

« السابق التالي »