بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

لينين – بناء الحزب

« السابق

الحزب البلشفي يصبح حزباً جماهيرياً

كان الاشتراكيون الديمقراطيون في روسيا من جيل بليخانوف يعدون على أصابع اليد، ثم أصبحوا بالعشرات فقط. أما الجيل الثاني، الذي ينتمي إليه لينين (يصغر لينين عن بليخانوف بـ 14 عام)، فقد مارس النشاط السياسي في بداية الثمانينات من القرن التاسع عشر، وفي ذلك الوقت كانوا بالمئات. وأما الجيل الثالث، والذي تألف من اشتراكيين ديمقراطيين يصغرون عن لينين بحوالي 10 أعوام (أمثال تروتسكي، زينوفيف، كامينيف، ستالين، إلخ)، فقد انضموا للاشتراكية الديمقراطية في بداية القرن العشرين، وكانوا بالآلاف آنذاك.

في ديسمبر 1903، كان هناك 360 عضواً فقط في حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي في سان بطرسبورج (البلاشفة والمناشفة معاً). وفي شتاء 1904 انخفضت العضوية بشكل ملحوظ (1)، ومع بداية العام 1905 لم تتعد عضوية الحزب 300 عضواً فقط، لكن اندلاع ثورة 1905 قد أعطى حافزاً قوياً لنمو الحزب. ففي تقرير إلى المؤتمر الثالث للحزب في 1905، أشارت لجنة الحزب في بطرسبورج إلى أن العضوية البلشفية تبلغ 737 عضواً (2)، في حين ذكرت جريدة الإيسكرا المنشفية في أبريل 1905 أن الأعضاء المناشفة يبلغون ما بين 1200 إلى 1300 عضواً في بطرسبورج وحدها (3)، وهكذا وصلت عضوية الحزب الاشتراكي – بشقيه البلشفي والمنشفي – في منتصف عام 1905 إلى ألفي عضو.

وبحلول يناير 1907، وصل البلاشفة إلى 2105 عضواً، والمناشفة 2156، ليصل الإجمالي إلى 4261 عضواً (4). أما في موسكو، فقد قفزت عضوية الحزب الاشتراكي الديمقراطي من 300 عضو في نوفمبر 1904 إلى 8 آلاف في سبتمبر 1905، وبذلك تكون العضوية قد تضاعفت 25 ضعفاً في أقل من عام واحد (5).

حدث نمو مشابه في كل أرجاء روسيا؛ ففي التقارير المقدمة إلى المؤتمر الثاني له في 1903، لم يكن الحزب – باستثناء البوند – تتجاوز بضعة آلاف من الأعضاء (6). لكن بحلول المؤتمر الرابع للحزب في أبريل 1906، قُدرت عضوية البلاشفة وحدهم بـ 13 ألف عضو، فيما بلغ المناشفة 18 ألفاً (7). وفي 1907، وصل إجمالي عضوية الحزب الاشتراكي إلى 150 ألف عضو: 46143 عضواً بلشفياً، و38174 منشفياً، و25468 في البوند، و25654 في الحزب البولندي، بينما وصل الحزب اللاتفي إلى 13 ألف عضو.

صار الحزب بالأساس حزباً للطبقة العاملة، بالطبع مع وجود عدد قليل من المثقفين في صفوفه. وبحسب ما ذكر لينين في مايو 1914: “أصبح العمال الروس الشباب يشكلون تسعة أعشار الماركسيين المنظمين في روسيا” (9). أما عن المثقفين، فقد كتب لينين في 1912:

“إن تسعة أعشار أو 99% مما يُسمى مجتمع “المتعلمين” و”المثقفين”.. يسعون لأن يصبحوا مليونيرات. لكن أحياناً يبدأون كطلاب راديكاليين وينتهون بالعمل في “وظائف هيّنة” في أحد المكاتب أو ما إلى ذلك، بطريقة احتيال أو أخرى” (10).

وفي نهاية مارس 1913، كتب لينين إلى ل. ب. كامينيف: “كل الإنتلجنسيا إلى جانب التصفويين، وكتل العمال معنا، لكن العمال ينتجون إنتلجنسيتهم بصعوبة بالغة، ببطء وصعوبة” (11). وفي خطاب إلى ف. س. فويتنسكي في 20 ديسمبر 1913، كتب لينين: “إن الإنتلجنسيا ضلت طريقها (ومصيرها كالعاهرات) والعمال وجدوا طريقهم ضد التصفويين” (12).

أشار باداييف مراراً وتكراراً، في وصفه لعمل لجنة الحزب في سان بطرسبورج، إلى ندرة المثقفين المهرة في الحزب: “للمنشورات أهمية فائقة واللجنة تبذل قصارى جهدها لإتقان الطباعة والتوزيع. تتكون اللجنة بالكامل من عمال، نحن نكتب المنشورات بأنفسنا ولدينا صعوبة في إيجاد مثقفين يساعدوننا في تصحيحها” (13). كان س. ف. ماليشيف، يشدد دائماً، حتى تم القبض عليه، على أن هناك صعوبة بالغة في معرفة “كيف يتم تنظيم جريدة عمالية. لم يكن أبداً بمقدورنا الذهاب إلى المدارس. نحن جميعاً بلاشفة نصف متعلمون، لقد أوقفنا دراساتنا تماماً منذ أن تم اعتقالنا والزج بنا في السجون حيث نمكث هناك تقريباً على نحو دائم. وفي السجن، كنا نكتب تصريفات الأسماء والأفعال وأسماء الفاعل والمفعول به، وغيرها من قواعد اللغة. وفور إطلاق سراحنا، وجدنا أنفسنا على مكاتب التحرير بأوامر حزبية” (14).

إن التركيب الطبقي للحزب البلشفي كان متوافقاً تماماً مع برنامجه الطبقي. خارج الحزب، كانت الانشقاقات والتكتلات والمزيد من الانشقاقات تمثل النظام الطبيعي اليومي، فيما لم يعاني البلاشفة، ذوي الجذور العميقة بين الجماهير، أية انشقاقات أو حتى حالات طرد فردية خلال سنوات 14 – 1912. والفضل بالتأكيد يرجع للقوة الحاسمة للجماهير التي لحمت صفوف الحزب البلشفي معاً.

أما تلك المجموعات التي لم تكن ذات جذور جماهيرية، فقد كانت كثيرة التردد في الممارسة العملية، وكما أشار لينين فإن:

“بدلاً من خط واضح وصارم يجذب العمال ويقع تحت اختبار التجربة الحية، نجد هذه “الديبلوماسية” سائدة في هذه المجموعات. غياب الصلة المباشرة مع الجماهير، وغياب الجذور التاريخية للاشتراكية الديمقراطية في التيارات الجماهيرية الروسية.. كذلك غياب خط سياسي واضح ومتكامل ومتماسك ومحدد بدقة يخضع ويستند إلى خبرة سنوات عديدة، أي الافتقار إلى الإجابات عن تساؤلات التكتيك والتنظيم والبرنامج الحزبي.. كل هذه العوامل إنما توفر تربة خصبة تنتعش فيها “ديبلوماسية الحلقات الضيقة”.. وهذه هي أعراضها” (15).

“في السياسة بشكل عام، وفي حركة الطبقة العاملة على وجه الخصوص، فقط تلك التيارات التي تتمتع بتأثير جماهيري هي التي ينبغي التعامل معها بجدية” (16).

“السياسة بدون جماهير ليست سوى سياسة مغامرة” (17).

وفي حين أنعشت ثورة 1905 نمو الحزب البلشفي بشكل كبير، شهد الحزب حالة من التفكك خلال فترة الردة الرجعية. ليست هناك أية إحصاءات دقيقة للإشارة إلى حالة الحزب في تلك الفترة، لكن في 1910 لم يكن إجمالي عضوية الحزب البلشفي أكبر مما كان عليه قبل ثورة 1905. وعلى الرغم من ذلك لم تكن الفترة طويلة بين الثورة الأولى وصعود النضال الثوري مرة أخرى – 4 أو 5 أعوام فقط – حتى انضم إلى الحزب مجدداً الكثير من العمال الذين قد تركوه في فترة التراجع.

استطاع البلاشفة أن يجنوا ثمار جهودهم الوافرة في العمل “تحت الأرض”، ونجحت القلة المتبقية في الحزب في تجنيد الآلاف. وفي الحقيقة، يثبت التاريخ أنه من الأسهل الانتقال من ألف إلى عشرة آلاف عضو، من الانتقال من العشرات – كما كان الوضع في التسعينيات من القرن التاسع عشر – إلى ألف عضو. كان لدى لينين ومعاونيه القدرة على استغلال الفرص الشرعية الممكنة لشق الطرق إلى الجماهير، بدون التضحية ولو للحظة بعنادهم السياسي أو بمبادئهم الثورية غير القابلة للمساومة.

استقرار وعدم استقرار البلشفية

يشير تاريخ البلشفية إلى درجة كبيرة من عدم الاستقرار وعدم الاستمرارية، تلك السمات التي كان لا مفر منها نتيجة الظروف الغير شرعية التي عمل في ظلها الحزب البلشفي.

قدر أحد البلاشفة المخضرمين أنه، بسبب الاختراقات الأمنية، لا يتجاوز عُمر المجموعة الاشتراكية الديمقراطية الواحدة في بداية القرن الثلاثة أشهر (18). وأشار أحد التقارير من مدينة تفير (وهي مدينة صغيرة في الطريق بين موسكو وبطرسبورج وأحد معاقل الاشتراكية الديمقراطية الروسية) أنه كانت تجري تحولات سريعة للعضوية في الحلقات العمالية: “عدد كبير يأتي بانتظام، وآخرون يتركون الحلقة بعد حضور اجتماع أو اثنين” (19). وبشكل مشابه، كتب لينين في نوفمبر 1908 أن “متوسط العمر المتوقع للحلقات الثورية في الفترة الأولى من ثورتنا ربما لا يتجاوز أشهر معدودة” (20).

لم تكن الأجهزة العليا للحزب مستقرة هي الأخرى؛ فلقد كان أعضاء اللجنة المركزية للحزب وكل من هم على صلة مباشرة بها، في الحقيقة، أكثر تعرضاً لملاحقة الشرطة، وعدد قليل جداً منهم بقى حراً داخل روسيا بعد عودته من الخارج. كان البلاشفة من الدرجات العليا في الحزب، أمثال دوبروفينسكي وجولدنبرج وتومسكي وبيرسلاف وشوارتزمان وسريبرياكوف وزولوتسكي وستالين وسفيردلوف، كلهم تم القبض عليهم بعد ثلاثة أشهر فقط منذ عودتهم إلى روسيا. أما أوردجونيكيدزه وإينيسا أرماند وجلوكوشكين وكامينيف وبياتنسكي وسبانداريان، فقد تم القبض عليهم بعد عام منذ عودتهم. فيما استطاع كل من بيلوستوسكي وزيفين، بالإضافة إلى مالينوفسكي وإسكاراياستوف (اللذين كانا في الحقيقة عملاء للشرطة) الهرب من الاعتقال. تبقى فقط 15 ثورياً دون اعتقال لمدة عام أو أكثر: ريكوف وكوستروف وبيلوستوتسكي وزيفين وجلوكوشكين وسباندريان (1*) وليبوفا وشوارتزمان وروزميروفيتش، علاوة على النواب البلشفيين الستة في مجلس الدوما. وكما أشرنا من قبل، لم يكن ذلك الوضع مفاجئاً؛ فلم يكن هناك مؤتمراً للبلاشفة إلا وحضره على الأقل واحد من عملاء الشرطة (21).

أما لجان الحزب، فقد عانت هي الأخرى من ذلك الوضع غير المستقر، وقد اتخذ الأمر عدة سنوات لإنشاء مكتب روسي للجنة المركزية – تم إنجاز ذلك مؤخراً في 1912 (22). لم يتم تأسيس لجنة بطرسبورج إلا في نوفمبر 1912 (23)، أما لجنة موسكو فقد تأسست في صيف 1912، إلا أنها انهارت في ربيع 1913 (24). وفي ربيع 1914، كانت كروبسكايا تشكو من انهيار منظمة الحزب (25)، وفي يوليو 1914 كان هناك ثلاثة من أعضاء لجنة الحزب في سان بطرسبورج عملاء للشرطة (26). وفيما بين يناير ويوليو 1914، انحدرت عضوية لجنة الحزب بعد ما لا يقل عن خمس حملات اعتقال. وكما رأينا، لم تكن لجان الحزب متجانسة، وفي الكثير من الأحيان كانت في صراع مع لينين نفسه.

لقد حدثت أيضاً تغيرات كبرى في قيادة الحزب، ففي الفترة بين 1896 و1900 كان مارتوف وبوتريسوف حلفاءاً للينين. وفي الفترة من 1900 إلى 1903، أصبح بليخانوف وأكسيلورد وزاسوليتش في القيادة. أما خلال الانقسام بين البلاشفة والمناشفة في 4 – 1903، فقد بقى لينين وحيداً، في حين انضم له بوجدانوف ولوناتشارسكي وكراسين في القيادة في 1904، وهؤلاء الثلاثة قد انفصلوا عنه وتركوا الحزب في النهاية (كراسين في 1907 والآخرين في 1909). تشكلت القيادة فيما بعد من لينين وكامينيف وزينوفيف، وخلال التطورات الثورية في 1917 عارض زينوفيف وكامينيف انتفاضة أكتوبر المسلحة وانفصلوا عن لينين.

لماذا كان هناك هذا التغير السريع بين قيادات الحزب؟ إن عملية اختيار الأعضاء لقيادة الحزب لها مخاطرها الكامنة فيها. فالأعضاء الذين يصعدون لقمة الحزب يميلون بشكل طبيعي لتشكيل أساليب عملهم وتفكيرهم وسلوكهم لموائمة الاحتياجات الخاصة والراهنة للظروف القائمة. لقد أجرت الحركة الثورية الروسية العديد من التغييرات في مسارها كنتيجة واستجابة للتغيرات في الصراع الطبقي، وهكذا فإن القيادي الذي يكيف نفسه وفقاً للمتطلبات الفورية في مرحلة ما، ربما يجد نفسه خارجاً عن السياق في أحد المنعطفات اللاحقة. على سبيل المثال، استطاع بوجدانوف ولوناتشارسكي وكراسين أن يتوائما مع فترة نهوض العاصفة الثورية في 1905، لكنهم لم يكيفوا أنفسهم مع فترة التراجع التي أتت بعد ذلك. أما كامينيف وزينوفيف فقد تعلما أنه من الخطأ المبالغة في تقدير الإمكانيات الثورية الفورية وأن عليهما مباشرة العمل البطيء والمنهجي في التنظيم والتحريض خلال فترة التراجع والأنشطة المحدودة في الفترة التي تلتها، مثل النشاط من خلال مجلس الدوما وإطلاق حملات التأمين، إلخ. وهكذا حينما أتت الأحداث العاصفة للعام 1917، كانت مواقفهما تتسم بالكثير من الارتباك.

لم يكن لـ “رجال اللجان” أن يتخذوا القرارات السياسية الأساسية، حيث كان يتم اتخاذها بواسطة القيادة العليا للحزب. ومن هنا فإنه كلما كانت مكانة القيادي بالحزب أعلى، كلما كان أكثر قابلية لأقلمة نفسه على الظروف القائمة، وكلما كان أكثر قابلية وميلاً للمحافظة. سأعيد هنا ملاحظة هربرت سبينسر البيولوجية: “كل كائن تزداد ميوله للمحافظة بقدر كفائته”. والأمر ينطبق بشكل كامل على التنظيمات السياسية، وهكذا ينقلب ما هو مفيد وجيد إلى أن يصبح سيئاً ومضراً. لقد كان لينين فريداً بين قادة الحزب البلشفي في قدرته على التكيف مع الظروف المتغيرة فيما يستمر طيلة الوقت وبلا هوادة في التأكيد على الهدف نفسه: سلطة العمال.

في الحقيقة، وبرغم كل العوامل المحفزة لعدم الاستقرار في الحزب البلشفي، إلا أنه حيا بكل ذلك القدر من الحيوية بسبب جذوره العميقة في أوساط الطبقة العاملة، بسبب أنه كان حزباً عمالياً جماهيرياً عن حق. وفي كشف إحصائي لعضوية الحزب البلشفي غطى 22 إقليماً ومقاطعة في عام 1922، تم الكشف عن 1085 عضو قد انضموا للحزب قبل عام 1905 (27)، وفي تقدير آخر فإن العدد يصل إلى الضعف في بعض المناطق التي لم يتضمنها ذلك الإحصاء. ومع الوضع في الحسبان أن الكثير من الأعضاء قد فقدوا حياتهم خلال الثورة والحرب الأهلية، إلا أننا يمكننا بسهولة أن نلاحظ استمرارية طويلة للعضوية بين السنوات 1905 و1922. أولئك هم الكوادر الذين حافظوا على هذا القدر من الاستقرار الذي تمتع به الحزب البلشفي. والحقيقة أن حزباً يعمل في إطار غير شرعي، في بلد تبلغ البروليتاريا الصناعية فيها 2,5 مليون فقط، يستمر في الحياة لكثير من السنوات، لهو إنجاز عظيم.

سان بطرسبورج: الطليعة

لعبت مدينة سان بطرسبورج دوراً مركزياً في تطور الحزب البلشفي والبروليتاريا بشكل عام خلال سنوات 14 – 1912، وكان ذلك بمثابة دلالة منذرة باندلاع ثورة 1917.

لكن على الرغم من ذلك، لم تكن بطرسبورج بهذه الأهمية في 1905. خلال تلك الثورة، كان المناشفة أقوى من البلاشفة في بطرسبورج، فيما كان الوضع معكوساً في موسكو، وحتى خلال السنوات التي تلت الثورة لم يكن البلاشفة على ما يرام في بطرسبورج، بالأخص في مقاطعة فيبورج، التي تقع شمالي غرب المدينة والتي تعد مركزاً للصناعات الهندسية الأكثر حداثة. في 1907، وصف لينين مقاطعة فيبورج بأنها “معقل المناشفة” (28). وفي انتخابات لجنة الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي في بطرسبورج في 25 مارس 1907، حصل المناشفة على 267 صوت في مقاطعة فيبورج، بينما حظى البلاشفة بـ 155 صوتاً فقط. أما في مقاطعة نيفا، حيث يقع مصنع بوتيلوف (2*)، فقد حصل المناشفة على 231 صوت، والبلاشفة على 202. وفي مقابل ذلك، حصل البلاشفة في أوكروجوف على 300 صوتاً بينما حصل المناشفة على 50 فقط (29).

وما زاد من الصعوبات التي واجهت البلاشفة في بطرسبورج خلال سنوات 5 – 1907 هو أن النفوذ البلشفي بين عمال الصناعة كان موضع تحدي ومنافسة من جانب الاشتراكيين الثوريين – ورثة النارودنيين. في انتخابات الدوما الثانية في 1907، فاز في الانتخابات 17 اشتراكي ديمقراطي (بالإضافة إلى مرشح متعاطف مع الاشتراكية الديمقراطية) في سان بطرسبورج، بينما فاز 14 مرشح من الاشتراكيين الثوريين. كان الاشتراكيون الثوريون يحظون بتأييد واسع في المصانع الكبيرة؛ فكان هناك تسعة من مرشحيهم جاءوا من مصنعين كبيرين (سيميانيكوفكي زافود وأولوخوفسكي زافود). وإذا نظرنا إلى المصانع الأربعة الأكبر، نجد للاشتراكيين الثوريين 11 مرشح مقابل 3 فقط للاشتراكيين الديمقراطيين. أما في المصانع الصغيرة، فنجد هناك 3 مرشحين اشتراكيين ثوريين مقابل 15 مرشح اشتراكي ديمقراطي. كان الاشتراكيون الديمقراطيون في الحقيقة يستمدون الكثير من الدعم والتأييد من العمال في المصانع متوسطة الكثافة (50 إلى 100 عامل).

والسبب وراء الانتعاش الأوسع نفوذ الاشتراكيين الثوريين في المصانع الكبيرة في ذلك الوقت هو عدم نضج الطبقة العاملة بشكل عام، وبشكل خاص عمال المصانع الكبيرة، والذين كان أغلبهم عمالاً غير مهرة قدموا لتوهم من القرى إلى المدينة للعمل في تلك المصانع العملاقة.

وخلال سنوات التراجع في الصراع، وقع أعضاء حزب الاشتراكيين الثوريين، أكثر من المناشفة، فريسة لأمراض الإنتلجنسيا – عدم الاستقرار والتشاؤم والانقسام والتصفوية – وكاد الحزب أن يكف عن الوجود في سان بطرسبورج، بينما واجه المناشفة مصيراً مشابهاً.

في تلك الأثناء صقل النضال وعي عمال سان بطرسبورج؛ فقد طوّرت سنوات الثورة والردة الرجعية وعي القطاع المتقدم من الطبقة العاملة الروسية ورأس حربتها في بطرسبورج. وبينما كان عدد العمال الصناعيين في بطرسبورج بالكاد يعادل نصف عددهم في موسكو، إلا أن عمال بطرسبورج قد تجاوزوا زملائهم في موسكو في عدد الإضرابات، حيث بلغ، على سبيل المثال، عدد المضربين في بطرسبورج عام 1905 مليوناً و33 ألف عامل، بينما وصل فقط في موسكو إلى 540 ألفاً (30). كل ذلك بالرغم من أن أجور عمال بطرسبورج كانت تبلغ ضعف ما يتقاضاه عمال موسكو.

كان البلاشفة ينشطون بدأب وبلا هوادة تحت الأرض خلال سنوات التراجع، وبشكل تدريجي استطاعوا أن يحظوا بالهيمنة داخل الطبقة العاملة، وبحلول العام 1912 فصاعداً أصبح البلاشفة هم من يقودون عمال بطرسبورج في كل نضال. وفي الجريدة البلشفية، ترودوفايا برافدا، كتب لينين في 2 يوليو 1914 أن:

“خلال السنوات القليلة الماضية، كانت سان بطرسبورج على رأس حركة الطبقة العاملة، بينما لم تنهض البروليتاريا في بعض المناطق في بعض المقاطعات (والتي أصبحت قليلة اليوم) من سُبات السنوات 1907 إلى 1911، وفي بعض المناطق الأخرى لا تزال البروليتاريا تخطو خطواتها الأولى في مسار بروليتاريا بطرسبورج؛ فبروليتاريا بطرسبورج تتفاعل مع كافة الأحداث المتعلقة بحركة الطبقة العاملة. إن بروليتاريا بطرسبورج تحتل مكانتها في صدر النضال” (31).

لقد كان لانتعاش النضال الطبقي انعكاساً قوياً في صعود البلشفية في بطرسبورج، ذلك الصعود الذي ساعد ذلك الانتعاش نفسه على الاستمرار.

لقد تركت ثورة 1905 أثراً عميقاً في قلوب وعقول الملايين من الروس، وانطبق ذلك تماماً على أعضاء الحزب البلشفي، حتى أولئك الذين قد تركوا الحزب في فترة التراجع الذين أخذوا الكثير من الوقت للنهوض مجدداً من سباتهم. احتفظ الآلاف من أعضاء الحزب السابقين، ليس فقط بذكرياتهم الثورية، لكن أيضاً بالكثير من أدبيات وكراسات وجرائد الحزب في الأيام المجيدة للثورة. وفي السنوات 14 – 1912، ومع موجة النضال الثوري الجديدة، التحق هؤلاء بالآلاف مجدداً بالحزب. وبينما تفوق المناشفة على البلاشفة في النفوذ بين العمال في سنوات 1905 و1906، أصبح للبلاشفة اليد العليا في 1907 بين العمال المنظمين، بالأخص في سان بطرسبورج.

وتشير الإحصاءات، التي ذكرناها في الفصل السابق حول عدد المجموعات العمالية التي كانت تجمع التبرعات لجريدة البرافدا البلشفية بالإضافة إلى عدد الخطابات والتقارير المرسلة لها في 14 – 1912، بوضوح إلى أن الحزب البلشفي قد صار خلال تلك الفترة حزباً ثورياً جماهيرياً (قياساً إلى حجم الطبقة العاملة الصناعية في تلك الفترة). في أغسطس 1913، قدر لينين عدد أعضاء الحزب البلشفي بين 30 إلى 50 ألف عضو (32)، إلا أن ذلك التقدير يشوبه بعض المبالغة.

“إن الحزب الثوري الحقيقي هو الذي يضم أغلبية العمال الماركسيين الواعين طبقياً الذين يلعبون دوراً نشيطاً في الحياة السياسية” (33).

“لأول مرة توضع قاعدة بروليتارية لحزب ماركسي حقيقي” (34).

“إن المصدر الأساسي لقوة الطبقة العاملة، ذلك المصدر المنيع، هو الوعي الطبقي لدى العمال والأفق الواسع لنضالهم” (35).

كانت الشرطة السرية هي الأخرى على دراية بقوة البلاشفة التي قام لينين بتقييم شامل لها:

“إن أكثر العناصر فاعلية، وحماساً، وقدرة على النضال بلا تعب، واستعداداً للمقاومة والتنظيم المستمر، خلال العشر سنوات السابقة، موجودة في المجموعات والأفراد المتحلّقين حول لينين. إن القلب والروح الدائمين على كل تعهدات الحزب، مهما بلغت أهميتها، هما لينين. أولئك اللينينيين هم دائماً الأفضل تنظيماً من الآخرين، هم الأقوى في صلابة أهدافهم، والمتجددين دوماً في الدعاية لأفكارهم بين العمال. وعندما نمت الحركة العمالية بشكل أقوى، كان لينين وأتباعه هم الأقرب للعمال من الآخرين، وهم الأُوّل في إطلاق الشعارات الثورية. إن الحلقات والأنوية والمنظمات البلشفية الآن مشتتة عبر المدن المختلفة، لكن الاتصالات والمراسلات فيما بينهم دائمة تقريباً عبر كافة المراكز الصناعية. أما اللجنة المركزية فهي تعمل غالباً بانتظام، وهي بالكامل في قبضة لينين” (36).

وبينما كان لينين يعبر عن ثقته وتفاؤله بالجذور الجماهيرية للبلشفية، كان مارتوف يشكو من الضعف التنظيمي للمناشفة. وهكذا بعد أن تلقى مارتوف خبر انتصار البلاشفة في انتخابات نقابة عمال المعادن في ديسمبر 1913، كتب القائد المنشفي إلى رفيقه بوتريسوف:

“أشعر بالغم من خبر نقابة عمال المعادن الذي أبرز ضعفنا بشكل لا نعتاد عليه. يبدو أن أوضاعنا في بطرسبورج سوف تتقلص أكثر خلال هذا الموسم. لكن ذلك ليس بالأمر المؤسف، الأسوأ من ذلك هو الجانب التنظيمي؛ فالمنشفية تظل حلقة صغيرة وضعيفة” (37).

كان أكثر من نصف النسخ المطبوعة من جريدة البرافدا يتم بيعها في سان بطرسبورج فقط. وفيما يخص جمع التبرعات، في الفترة بين 1 يناير إلى 13 مايو 1914، جمعت 2024 مجموعة عمالية (من أصل 2873) مبالغ تقدر بـ 13 ألف و943,24 روبل للبرافدا وحدها (من أصل إجمالي 18 ألف 934,10 روبل). لقد كان هناك في سان بطرسبورج وحدها نحو 70% من المجموعات العمالية في كل روسيا، وقد جمعت 74% من المال (38). كانت 86% من المجموعات العمالية في بطرسبورج تجمع التبرعات من أجل البرافدا البلشفية، بينما كانت 14% فقط من تلك المجموعات تجمع التبرعات لصالح جريدة المناشفة. وفي المحافظات الأخرى، كانت الجريدة المنشفية تتلقى التبرعات فقط من 32% من المجموعات العمالية (39).

كانت منظمة الحزب البلشفي قوية بشكل مذهل في سان بطرسبورج. في ديسمبر 1911، ذكر أحد الخطابات في جريدة رابوتشايا جازيتا (جريدة شعبية صدرت في باريس وحررها لينين)، أنه تم بالفعل إنشاء كافة الروابط وطرق الاتصال بين خلايا الحزب المختلفة كما تأسست لجنة الحزب في بطرسبورج، وأصبح لدى اللجنة اتصالاً بالمقاطعات المختلفة في المدينة: نارفسكي، فيبورسكي، بطرسبورجسكي، جورودسكوي، فاسيليوستروفسكي. ومن ضمن تلك المنظمات، كانت منظمة فاسيليوستروفسكي هي الأفضل، حيث كانت تتضمن لجاناً ولجاناً فرعية في البلدات (40).

وفي نهاية يناير 1913، عقد المكتب التنفيذي بلجنة بطرسبورج اجتماعاً أقر فيه خطة محددة بشأن هيكل المنظمة بالمدينة، بحيث تكون لجنة منظمة الحزب في بطرسبورج لجنة واسعة وديمقراطية يتم تشكيلها بالانتخاب كلما كان ذلك ممكناً، فيما لا يزيد عدد الأعضاء المعينين في اللجنة عن ثلثها، ومكتب تنفيذي مكون من ثلاثة أعضاء يتم اختيارهم حفاظاً على الأمان وضماناً لاستمرار النشاط، على أن تصدّق لجنة بطرسبورج على تعيين الأعضاء بنفسها. لقد اكتسبت لجنة الحزب في بطرسبورج المزيد من النفوذ وأصبح لها تأثير كبير بين العمال، إلى الحد الذي اعتبرت فيه منظمة الحزب في بطرسبورج، في وجهة نظر التنظيمات العمالية من مختلفة الأنواع، بمثابة المنظمة الرسمية والموثوقة الوحيدة لحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي في كل روسيا (41).

وبحلول العام 1913، أصبحت منظمة بطرسبورج مبنية بالفعل على قواعد أكثر رسوخاً وصلابة. في كل حي كانت هناك مجموعة تنتمي للمنظمة، وصار هناك المزيد من المندوبين من المزيد والمزيد من الأحياء. أصبحت أيضاً اجتماعات بطرسبورج تجري على نحو أكثر انتظاماً: كل أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، كما كان مكتبها التنفيذي نشيطاً للغاية. كان ذلك المكتب التنفيذي مكون من خمسة أعضاء: ثلاثة عمال واثنين من المثقفين، وكان يجتمع مرتين أسبوعياً لمناقشة التطورات المتلاحقة ولتحديد المهام العملية وكيفية الاستجابة والتفاعل مع تلك التطورات. حافظت اللجنة أيضاً على الاتصال الدوري مع اللجنة المركزية في الخارج لإخبارها بكافة أنشطة الحزب بالمدينة.

وفي سبتمبر 1913، حين عقد الحزب البلشفي مؤتمر بورنينو (وهي قرية بمدينة كاراكاو ببولندا – المترجم)، قدم باداييف تقريراً مفصلاً واضحاً ومذهلاً عن طبيعة عمل منظمة الحزب البلشفي في بطرسبورج على النحو التالي:

“كل الأنشطة الي تجري في مدينة بطرسبورج تتم تحت إدارة اللجنة التي بدأت في العمل منذ خريف العام الماضي. لدى اللجنة صلات حقيقية بكل المصانع والمعامل ويتم إخطارها بكل التطورات هناك. وهيكل منظمة الحزب بالمدينة هو كالتالي: في كل مصنع يؤسس أعضاء الحزب خلايا في مختلف الورش والعنابر، ومندوبي هذه الخلايا يشكلون سوياً لجنة المصنع (في المصانع الصغيرة يشكل الأعضاء أنفسهم لجان المصانع). وكل لجنة مصنع، أو خلية بإحدى الورش أو العنابر، تقوم بتكليف عضواً لجمع الاشتراكات الحزبية واشتراكات الكتب والجرائد، إلخ، في يوم تقاضي المرتبات من كل شهر، ويتم تكليف عضو آخر للتأكد من وصول الأموال إلى المسئولين. بهذا النظام نتجنب التجاوزات المحتملة في التعامل مع الأموال التي نجمعها.

كل لجنة تنتخب، بالاقتراع السري المباشر، أعضاء المكتب التنفيذي من ثلاثة أعضاء. ويجب هنا مراعاة ألا يعرف أعضاء اللجنة بشكل عام ممن يتشكل المكتب التنفيذي.

ترسل المكاتب التنفيذية المختلفة مندوبيها للجنة منظمة بطرسبورج، ومرة أخرى مع مراعاة ألا تكون أسماء المندوبين معروفة لكل أعضاء اللجنة. لجنة بطروسبورج هي الأخرى تنتخب مكتب تنفيذي من ثلاثة أعضاء، وأحياناً – لأسباب تتعلق بالسرية – فإنه من غير المفضل انتخاب ممثلين من اللجان المحلية أو المصنعية، بل أن يتم تعيينهم بواسطة لجنة بطرسبورج نفسها.

بفضل هذا النظام، من الصعب على الشرطة أن تتعرف على أعضاء لجنة بطرسبورج، والتي يكون بمقدورها الاستمرار في مهامها وإرشاد أنشطة المنظمة، وإعلان الإضرابات السياسية، إلخ” (42).

كان هيكل منظمة بطرسبورج، والحزب البلشفي في كل روسيا بشكل عام، متمحوراً حول مجموعة النواب البلاشفة في مجلس الدوما. وفي الحقيقة، كان مالينوفسكي على رأس هذه المجموعة، وكان عميلاً سرياً للشرطة، ولهذا السبب تم القبض على كل أعضاء مجموعة الدوما بعد فترة وجيزة من إعلان الأحكام العرفية في روسيا إثر اشتراكها في الحرب العالمية الأولى عام 1914، مما أدى إلى تبعثر الهيكل برمته. لكن القصة لم تنته عند هذا الحد.

كانت منظمة الحزب البلشفي خارج بطرسبورج بائسة حقاً، حتى خلال العام 1914. هكذا وصفت كروبسكايا تلك الحالة التي سيطرت على الحزب في خطابها إلى إيلينا ستاسوفا، بتاريخ 21 فبراير 1914:

“إن التنظيم الغير شرعي ممزق إرباً، وليس هناك أي مرتكزات محلية صلبة. إن المنظمات المحلية مقطوعة الصلة ببعضها، وفي أغلب الحالات في كل مكان تتضمن عمالاً فقط، أما الثوريين المحترفين فقد اختفوا منذ فترة طويلة، ولم يعد هناك أسماءاً حركية في أي مكان” (43).

وبالمفردات التنظيمية، كان البلاشفة في بطرسبورج متقدمين كثيراً عن رفاقهم في أي مدينة أخرى عبر روسيا. وعلى عكس بطرسبورج، لم يكن البلاشفة في الكثير من المناطق منفصلين تنظيمياً عن المناشفة، حتى بعد ثورة فبراير 1917.

“لم ينفصل البلاشفة في المراكز العمالية كايكاتير ينبورغ، وبرم، وطولا، ونيجني نوفوغورود، وسورموفو، وكولومنا، وايوزوفكا، عن المناشفة إلا في نهاية مايو، ولم يكن البلاشفة في منتصف يونيو (حزيران) يملكون تنظيمات مستقلة في أوديسا ونيقولاييف، وايليزا فتغراد، وبولتافا وفي أنحاء أخرى من أوكرانيا. ولم ينفصل البلاشفة نهائياً عن المناشفة في باكو، وزلاتوست، وبيجتبيسك، وكوستروما إلا في نهاية يونيو” (44).

في الحقيقة، ظلت هناك 351 منظمة حزبية مشتركة بين البلاشفة والمناشفة، وبعض تلك المنظمات استمرت دون انفصال بين الطرفين لفترة طويلة حتى سبتمبر 1917 (45). وكما سنرى، كانت المنظمات البلشفية كثيراً ما تتوجه باللوم الشديد للجنة المركزية البلشفية لاهتمامها فقط ببطرسبورج.

صعود المد الثوري قبيل اندلاع الحرب

لقد أشرنا من قبل أن عدد الإضرابات السياسية في النصف الأول من عام 1914 كان يضاهي العام 1905. شهد عيد العمال عام 1914 في روسيا مظاهرة عمالية حاشدة أضخم بكثير من الأعوام السابقة، كما أضرب عن العمل في بطرسبورج نحو 250 ألف عامل وفي موسكو حوالي 50 ألفاً، بالإضافة إلى الإضرابات التي شنها العمال في مدن المحافظات الأخرى.

عبر نائب الدوما، بوريسكيفيتش، ذلك الرجعي اللدود، عن انطباعه عن تلك الإضرابات الهائلة في 2 مايو قائلاً: “نحن اليوم أمام مشاهد فارقة، حيث نمر بفترة شديدة الشبه بالعام 1904، وإذا لم نكن عمياناً فينبغي أن نرى أنه بالرغم من الاختلافات إلا أن هناك الكثير من القواسم المشتركة بين ما يحدث اليوم وما حدث في 1904. وعلينا أن نستخلص الاستنتاجات الضرورية” (46).

في 7 يوليو، دعا بلاشفة سان بطرسبورج إلى الإضراب والتظاهر احتجاجاً على إطلاق النار على المتظاهرين قبل ذلك بأيام قليلة.

“في صباح 7 يوليو، كانت المدينة تبدو تماماً كما بدت خلال العام 1905. وباستثناءات قليلة، أُغلقت المصانع والمعامل ودخل حوالي 130 ألف في الإضراب. انهمر العمال في الشوارع، فيما صارت دوريات الشرطة عاجزة تماماً عن مواجهتهم، واستطاعت أن تمنع المظاهرات فقط في حي نيفسكي. ومن أجل تجنب “الفضيحة” أثناء زيارة الرئيس الفرنسي، تركزت كتل ضخمة من قوات الشرطة هناك للحيلولة دون وصول العمال إلى وسط المدينة. لكن الحركة لم تقتصر فقط على المظاهرات، فالمرور كان مشلولاً، وأوقفت عربات الترام وأُجبر الركاب على الترجل. ولاحقاً في نفس اليوم، التحق عمال الترام أنفسهم بالمضربين.. تخلص العمال من رهبة الشرطة وكسروا حاجز الخوف منها وشنوا نضالاً مستعراً ضد عنف رجالها، ووقعت الكثير من الاشتباكات.

وبعد جلسة مداولة سريعة، في نفس الليلة، اتخذ محافظ المدينة ووزير الداخلية عدداً من التدابير الصارمة أملاً في ردع العمال. وفي صباح اليوم التالي، أصدر المحافظ بياناً يحذر فيه سكان المدينة من عواقب تلك الاضطرابات، في إعادة إنتاج الأمر الشهير لتريبوف في 1905: “لا تبخلوا بالخرطوش”.

وعلى الرغم من ذلك، لم يكن هناك أي إشارة للتراخي أو التراجع، بل على العكس، أخذت الحركة في التوسع خلال الأيام التالية حتى 12 يوليو، حيث ازداد عدد العمال المضربين إلى 150 ألف، وفي 9 يوليو أقام العمال المتاريس في شوارع بطرسبورج، مستخدمين عربات الترام والبراميل والأعمدة، إلخ، وبالأخص في حي فيبورج. كان المرور في حالة شلل تام، فيما سيطر العمال في العديد من المناطق على الشوارع بشكل تام” (47).

للأسف، قطع إعلان روسيا للحرب في 1 أغسطس الطريق على الحراك العمالي المتصاعد في يوليو 1914. تراجعت الحركة بشكل كبير، لكنها تصاعدت مجدداً فيما بعد، حيث عمقت الحرب ووطدت وأسرعت الحركة الثورية.

هوامش:

(1*) يتكرر إسم سباندريان في كلتا القائمتين، إذ بلغت فترة بقائه حراً عاماً بالضبط.

(2*) مصنع بوتيلوف: مصنعاً للصناعة الحربية في مقاطعة فيبورج بمدينة سان بطرسبورج. بحلول العام 1917 كان المصنع يضم 40 ألف عامل، وكان يوصف بـ “قلعة الاشتراكيين الثوريين” في مارس 1917 عشية إسقاط قيصر روسيا، فيما صار قلعةً للبلاشفة منذ شهر يونيو. (أنظر: ليون تروتسكي، تاريخ الثورة الروسية – الجزء الأول، الفصل العشرين: تجمعات جديدة للجماهير، ترجمة أكرم ديري وهيثم الأيوبي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر) – المترجم.

(1) Lane, op. cit., p.72.

(2) Tretii sezd RSDRP, op. cit., p.547.

(3) Iskra, no.97, April 1905; Lane, op. cit., p.74.

(4) Lenin, Collected Works, vol.12, p.400.

(5) Pokrovsky, Brief History of Russia, op. cit., p.155.

(6) Vtoroi sezd RSDRP, op. cit., pp.514-685.

(7) Lenin, Collected Works, vol.11, pp.264-5.

(8) M. Liadov, The London Congress of the RSDLP in figures, Itogi Londonskogo sezda, St. Petersburg 1907, p.84.

(9) Lenin, Collected Works, vol.20, p.329.

(10) ibid., vol.18, p.274.

(11) ibid., vol.35, p.93.

(12) ibid., vol.43, p.368.

(13) Badaev, op. cit., p.110.

(14) S.V. Malyshev in Molodaia gvardiia, nos.2-3,1925, pp.138-9.

(15) Lenin, Collected Works, vol.20, pp.471-2.

(16) ibid., p.465.

(17) ibid., vol.20, p.356.

(18) O. Piatnitsky, Iskrovski period v Moskve, Moscow-Leningrad 1928, p.60.

(19) N. Angarsky, ed., Doklady sotsial-demokraticheskikh komitetov vtoromu sezdu RSDRP, Moscow-Leningrad 1930, p.616.

(20) Lenin, Collected Works, vol.15, pp.289-90.

(21) Longley, op. cit.

(22) Istoriia KPSS, Moscow 1966, vol.2, p.338.

(23) ibid., pp.384-5.

(24) Proletarskaia revoliutsiia, no.2 (14), 1923, p.452.

(25) Istoricheskii arkhiv, no.1, 1957, pp.26-7.

(26) A. Kiselev, In July 1914, Proletarskaia revoliutsiia, no.7(30), 1924.

(27) Lane, ibid, p.12.

(28) Lenin, Collected Works, vol.12, p.20.

(29) ibid., p.400.

(30) ibid., vol.16, p.399.

(31) ibid., vol.20, p.553.

(32) ibid., vol.19, p.406.

(33) ibid., p.444.

(34) ibid., vol.20, p.279.

(35) ibid., p.363.

(36) Quoted in Trotsky, Stalin, op. cit., pp.162-3.

ذكر تروتسكي نفس الاقتباس في: تاريخ الثورة الروسية – الجزء الأول، ترجمة أكرم ديري وهيثم الأيوبي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ص 43 – المترجم.

(37) Quoted in L. Harrison, The Problem of Social Stability in Urban Russia, 1905-1917,” Slavic Review, December 1964.

(38) Lenin, Collected Works, vol.20, pp.364-5.

(39) ibid., p.366.

(40) Partiia bolshevikov v gody novogo revoliutsionnogo podema, 1910-1914 gg, Moscow 1959, pp.284-7.

(41) ibid., p.291.

(42) Badaev, op. cit., p.109.

(43) R.H. McNeal, Bride of the Revolution, London 1973, p.145.

(44) Trotsky, History of the Russian Revolution, op. cit., p.445.

(45) V.V. Anikeev, in Voprosy Istorii KPSS, nos.2 and 3, 1958.

(46) Badaev, op. cit., p.153.

(47) ibid., pp.176-7.

« السابق