بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

فصل من تاريخ الطبقة العاملة المصرية.. الوفد والعمال

« السابق التالي »

الطبقة العاملة المصرية: النشأة والتطور

تمتليء كتب التاريخ بالأحداث الفارقة في تاريخ مصر، لكن نركز هنا على حدثين هامين كان لهما تأثيرا هاما على الطبقة العاملة المصرية؛ الأول هو إنشاء المحاكم المختلطة في مصر على نسق النظام الفرنسي في عام 1875، والثاني هو الاحتلال الإنجليزي لمصر في عام 1882؛ فبينما أعطت المحاكم المختلطة ضمانا قانونيا لدخول رأس المال الأجنبي لمصر وفرت قوات الاحتلال الإنجليزي الحماية المطلوبة للاستثمارات الأجنبية. (1) وبالفعل بدأت رؤوس الأموال الأجنبية تتدفق إلى مصر كجزء من طبيعة النظام الرأسمالي وحاجته للتوسع في أسواق جديدة.

تشير الإحصاءات الخاصة بحجم ونوعية الاستثمارات الأجنبية والمحلية في مصر في عام 1914 إلى أن النسبة الأكبر منها (91%) رؤوس أموال أجنبية. (2)
هذا بالنسبة لرأس المال، أما بالنسبة للطبقة العاملة فقد أصدر الاحتلال الإنجليزي مجموعة من التشريعات أتاحت الملكية الخاصة للأرض بعد أن كانت الأراضي الزراعية خاضعة لسيطرة الخديوي ولا سبيل لتملكها إلا بالمنح والهبات، واستتبع ذلك إلغاء حظر انتقال الفلاحين؛ وحظر انتقال الفلاحين كان يلزم الفلاح المصري بالعمل في أرض صاحبها – المنتفع بها بقرار من الخديوي – وتقع عليه عقوبة في حالة مخالفته لذلك، وبإلغاء الحظر أصبح للفلاح حرية التنقل كأجير يبيع قوة عمله لمن أراد من الطبقة الجديدة من ملاك الأراضي الزراعية، هذا بالإضافة لانتقال قطاع كبير من الفلاحين للمدن ليعمل بالصناعة بعد أن ضاقت عليه سبل المعيشة في الريف.

أما بخصوص الحرفيين؛ فقد شهدت نفس الفترة اضمحلالا لنظام الطوائف الذي كان يضع الحرفي تحت سيطرة شيخ الطائفة (وهو من يرجع إليه أفراد طائفته من الحرفيين فيما يخص شئونهم وله عليهم ولاية شبه قضائية). وفي عام 1890 صدر قانون الرخص الصناعية الذي كان نهاية لنظام الطوائف ومنح حرية للعمال والحرفيين في العمل كأُجراء في الشركات والمؤسسات بموجب رخصة الصناعة الحكومية.

نلخص من كل ذلك إلى أن مصر في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، شهدت تغيراً في نمط الإنتاج وتحولاً كيفياً من النظام الإقطاعي إلى النظام الرأسمالي، استتبعه تحول في علاقات الإنتاج وأن العامل والفلاح المصري أصبحا، بموجب التشريعات ونمط الإنتاج، نصف حر ونصف عبد؛ نصف حر في بيع قوة عمله لمن يرغب ونصف عبد في عدم تملكه لوسائل إنتاجه واضطراره للعمل كأجير وفق شروط مالكي وسائل الإنتاج.

كانت أهم المجالات التي توجهت إليها رؤوس الأموال الأجنبية هي مجال المرافق العامة، وقد تمتع عدد من الشركات الأجنبية بامتيازات احتكارية في إنشاء السكك الحديدية وخطوط الترام والتليفونات، هذا بالإضافة لصناعات الغزل والنسيج والزيوت والسجائر.

وجدير بالذكر أن تركز النسبة الأكبر من الاستثمارات في يد الأجانب خلق لدى بعض العمال المصريين قناعة بأن الاستغلال مرتبط بصاحب العمل الأجنبي، وأن حل المشكلة يكمن في تغيير هذا الأجنبي المستبد بآخر وطني أكثر إنصافا وإحساسا بالعامل الكادح؛ هذه القناعة التي سرعان ما تغيرت بعد صعود البرجوازية الوطنية وتمثيلها لاحقا في الحياة النيابية المصرية.

ونظرا لقلة خبرة العامل المصري في مجال التصنيع لجأ الرأسماليون لدمج العمالة المصرية مع عمالة أخرى أجنبية استقدموها في الأغلب من اليونان وإيطاليا لتتولى مسئولية المهام الفنية التي تحتاج خبرة وكفاءة خاصة، وكان هذا الإجراء من أهم وأكثر الإجراءات تأثيرا على الطبقة العاملة المصرية. فالعمال القادمون من أوروبا أتوا من بلاد اشتد فيها الصراع الطبقي بين الرأسمالي والعامل وحمل كثير منهم أفكارا اشتراكية، وقد مارس هؤلاء العمال الأجانب نشاطهم الجماعي والنقابي وسط زملائهم المصريين، وشهدت بدايات القرن العشرين سلسلة من الإضرابات؛ مثل: إضراب العمال الإيطاليين بخزان أسوان في مارس 1899 للمطالبة بتخفيض ساعات العمل، وإضراب لفافي السجائر بالقاهرة في نفس العام، والذي يؤرخ به تشكيل أول نقابة عمالية مصرية وغيرها من الإضرابات. (3)

« السابق التالي »