بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

فصل من تاريخ الطبقة العاملة المصرية.. الوفد والعمال

« السابق التالي »

نشأة الوفد

انتهت الحرب العالمية الأولى، وبدأ الإعداد لمؤتمر الصلح في باريس بحضور دول الحلفاء المنتصرين ورأت النخب السياسية في البلدان المستعمرة – ومنها مصر – فرصة في هذا المؤتمر لعرض مطلب الاستقلال الوطني، ومن هذا المنطلق نشأ الوفد في نوفمبر 1918- بعد مشاورات ونقاشات بين أعضاء الجمعية التشريعية – كحركة تنوب عن الشعب في المطالبة بالاستقلال، وتم ترتيب لقاء بين ثلاثة من أعضائه -منهم سعد زغلول – مع المندوب السامي البريطاني لبحث المسألة المصرية معه، وطلب الأعضاء الثلاثة من المندوب البريطاني عقد معاهدة صداقة بين مصر وبريطانيا كطرفين متساويين يتعاونان في مواجهة الظروف الدولية، على أن تحافظ مصر على مصالح بريطانيا وخصوصا بالنسبة لقناة السويس وقد قوبل هذا الطلب بالرفض، بل أن المندوب البريطاني أرسل في طلب رئيس الوزراء حينها مستفهما عن صفة هذا الوفد ومدى شرعية شخصيته الاعتبارية، وكان هذا الرد من المندوب البريطاني هو الدافع وراء فكرة الوكالة الشعبية وجمع توكيلات موقعة من الآلاف من الشعب لتفويض أعضاء الوفد للسعي إلى استقلال مصر بالطرق السلمية. (7)

وانتهج الوفد عدد من السبل لإنجاز مهمته، فمن ناحية كان الاتصال بالسلطات البريطانية لعرض مطلب الاستقلال ومن ناحية أخرى مخاطبة الرأي العام الإنجليزي والأوروب لكسب تأييدهم للقضية المصرية، والأمر نفسه بالنسبة للأجانب المقيمين داخل مصر ولكن يجدر هنا الإشارة أن محاولات الوفد لإنجاز مهمة الاستقلال تشابهت كثيرا مع محاولات مصطفى كامل (الذي سعى بنفس السبل ولكن ببوصلة أدق اتجاها نحو فرنسا)، وليس المقصود هنا التشابه فقط في آليات التنفيذ ولكن المقصود هو التحرك النخبوي دون نغماس حقيقي وسط قطاعات أوسع من الشعب المصري، فبعد جمع التوكيلات التي أكسبت الوفد شرعيته داخل وخارج مصر كان لسان حال أعضائه يقول للجماهير “دعونا نعمل وحدنا لأننا الأجدر بهذه المهمة والأوعى بها”، والقول بأن الجماهير هي التي دفعت الوفد دفعا نحو مواجهة أكثر ندية مع السلطات البريطانية وتيار التفاهم داخل مصر الممثل في القصر ورئيس الوزارة ليس قولا مبالغا على الإطلاق، وامتد هذا التشابه ليطول نتائج اجتماعات ورحلات أعضاء الوفد في أوروبا؛ حيث أغلق مؤتمر الصلح بباريس الباب في وجه الوفد تماما مثلما حدث مع مصطفى كامل.

إذن فـفكرة الثورة الشعبية لم تكن واضحة في أذهان أعضاء الوفد ولم تكن واردة على جدول أعمالهم، بل كانت وليدة الشعب المصري الذي تحمس لسعد زغلول ورفاقه ورأى فيه زعيما يخطو بمصر نحو الاستقلال. ويورد محمود عباس العقاد في كتابه “سعد زغلول.. سيرة وتحية” أن سعد نفسه كان يرى الثورة عملا شاقا على بلد مرهق بالأعباء مثل مصر وشعب أعزل مثل الشعب المصري(8). ويؤكد ذلك الرأي الغاضب لعبد العزيز فهمي -أحد أعضاء الوفد- من مجموعة من الطلاب الذين ألتقوا به لاستشارته في تنظيم مظاهرات مؤيدة للوفد إذ ثار عليهم وطالبهم بالهدوء وألا يزيدوا الغضب اشتعالا ضد الوفد فالمسألة خطيرة لا تستدعي هذه الأفعال (هذا رأيه).

بالفعل قامت الثورة في 8 مارس 1919 على خلفية اعتقال سعد وثلاثة من أعضاء الوفد ونفيهم خارج البلاد بعد سلسلة من المذكرات والمقالات الصحفية والمنشورات التي تحوي هجوما حادا من الوفد على الملك فؤاد والمندوب البريطاني ورفض الوفد لتدخل بريطانيا في شئون الحكم المصرية، وشهدت الثورة كثيرا من الأحداث التي تمت دون ترتيب من الوفد. (9)

« السابق التالي »