بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

فصل من تاريخ الطبقة العاملة المصرية.. الوفد والعمال

« السابق التالي »

ضعف تنظيمات الوفد العمالية

اعتمد الوفد في علاقته بالعمال على التنظيم النقابي، ولكن التنظيمات النقابية التي سبقت وصول الوفد للحكم مثل: المجلس الأعلى للعمال والاتحاد العمالي التابع له، لم تكن منخرطة بالقدر الكافي بين صفوف العمال؛ فعلى سبيل المثال لم يهتم الوفد بمشكلة “عمال العنابر” المفصولين على خلفية إضرابهم عن العمل، والتي قررت الحكومة عودتهم بشروط مجحفة منها تخفيض 30% من أجورهم.

موقف سلبي آخر لاتحاد العمال العام في أحداث شركة الترام بالإسكندرية -التي سبق ذكرها- فقد اكتفى الاتحاد بإرسال برقية لمجلس الوزراء جاء فيها : “الاتحاد العام لنقابات العمال تحت إشراف المجلس الأعلى يؤيد عمال الإسكندرية، ويستنكر تصرفات البوليس بالإسكندرية، ويعطف على الجرحى والمصابين من العمال، ويطلب من الحكومة التدخل سريعا لصالح العمال”، وإزاء مثل هذه المواقف السلبية انصرف العمال عن الاتحاد العام بعد أن رأوا أنه لا يحقق مصالحهم.

ويعلق مدير مصلحة العمل -في مذكرته عن تطور العمال في مصر- على المجلس الأعلى للعمال والاتحاد العام التابع له بقوله: “لا يجب أن نتوقع من هذا المجلس أن يتجاوز حدود كونه أداة لاقتناص أصوات الناخبين والحصول على تأييد سياسي لحزب الوفد”، ويصف في مذكرته رئيس المجلس الوفدي بأنه لا يهتم بالطبقة العاملة، ولا يملك الرغبة لحل مشكلاتها، ويصف أغلب أعضاء المجلس بالنفعيين.

حاول الوفد إعادة ترتيب المجلس الأعلى للعمال، وتم تغيير بعض أعضائه ونشط بعض الاعضاء لتسوية عدد من المنازعات الجماعية لدرء الضعف الذي أصاب المجلس أو نشأ به إن أردنا الدقة، وعقد المجلس مؤتمرا عماليا ضخما بالإسكندرية حضره مصطفى النحاس، ألقى فيه خطابا مطولا عن اهتمام الوفد الشديد بالعمال، وسعي الحكومة لتنظيم العلاقات بين أصحاب العمل والعمال، ولكن كل هذه الجهود لم تُجدِ نفعا لأن الوفد في حقيقة الأمر لم يتخذ موقفا صريحا منحازا للعمال عكس ما كان يكرر أعضائه، كما أن الحركة العمالية كانت أكثر استقلالية وأكبر من أن تحتويها هذه الإدعاءات الوفدية.

والحقيقة أن الوفديين لم يدخروا جهدا في إثبات حمايتهم لأصحاب العمل من العمال وسعيهم نحو مطالبهم، فهذا زهير صبري رئيس لجنة العمال والشئون الاجتماعية بمجلس النواب، يوجه كلامه لوزير التجارة والصناعة فيقول: “حاشا لله أن اتجه مطلقا ضدهم -أي ضد أصحاب الأعمال- وهذا هو الفارق بيننا وبين الهدّامين، فنحن نطلب من أصحاب الأعمال قوتا ولا نسعى لأن نحل محلهم أو نأخذ أماكنهم”. (21) ولعل زهير صبري هو أكثر الوفديين تمسكا بمطالب العمال.
وفي سبتمبر 1937، أسس العمال “هيئة تنظيم الحركة العمالية” من 32 نقابة عمالية اتخذت بعد ذلك اسم “الاتحاد العام لنقابات عمال المملكة المصرية”، تولى رئاسة هذا الاتحاد عباس حليم ثم تولى فيما بعد محمد الدمرمداش الشندي أول عامل يدخل البرلمان، وقد نشط هذا الاتحاد الجديد في المطالبة بإصدار تشريعات العمل والاعتراف بالنقابات وتخفيض ساعات العمل ووضع حد أدنى للأجور وغيرها من المطالب، وأصدر في 1939 بيانا في غاية الأهمية جاء فيه:

“واليوم وقد ضاق العمال ذرعا من البؤس والشقاء وعدم تنظيم العمل بين العمال وأصحاب العمل قرر المجلس:
أولا: تغيير طريقة الاستجداء التي كان يتبعها في المطالبة بحقوق العمال واتخاذ طريق إيجابي، وأن يجعل أعضاء الاتحاد أنفسهم ضحايا في سبيل نصرة قضية العمال.

ثانيا: مطالبة العمال بإصدار تشريعات العمل وخصوصا الاعتراف بالنقابات.

ثالثا: إذا لم يصدر التشريع خلال خمسة عشر يوما فسيُضرب الأعضاء عن تناول الطعام، حتى الاستجابة لمطالبهم أو الاستشهاد في سبيل إسعاد عمال المملكة المصرية”.

وفعلا نفذ العمال الإضراب، وأدى ذلك لالتفاف العمال حول الاتحاد مما أدى لسخط الحكومة عليه. (22)

هكذا تعامل الوفد مع الحركة العمالية المصرية الصاعدة والمتطورة في الوعي والتنظيم مع تعاقب الأحداث، ولعل من الإفلاس الذي عاناه الوفد في تعامله مع الحركة العمالية أنه دفع بجناح من الطلاب الوفديين المعروفين باسم “الطليعة الوفدية”، لمواكبة العمال في حراكهم وبالطبع كان تفاعل الطلاب مع العمال محدودا واقتصر على مشاركة بعض الندوات والمؤتمرات المتعلقة بالاستقلال دون التطرق لتفاصيل القضايا العمالية.

وحتى مسألة الاستقلال بالنسبة للوفد أفضت إلى حالة من التراخي للتوافق ومتابعة تنفيذ معاهدة 1936، وتشير بعض الكتابات إلى دعوة من بعض أعضاء الحركة الشيوعية المصرية لتكوين جبهة ضد الاحتلال تخلو من الأحزاب المتشابكة المصالح مع بريطانيا، وأن هذه الدعوة لم تلق قبولا من قيادات حزب الوفد -المنتظر تزعمه لهذه الجبهة- ولم يتحرك نحو هذه الدعوة سوى شباب الطليعة الوفدية. (23) (24).

« السابق التالي »