بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

بروفات ثورية (1) | تشيلي 72 – 1973: العمال والثورة والعسكر

التالي »

1- مقدمة

لم يكف التاريخ عن تذكيرنا دوما بالحقيقة التالية: لا نجاح لأية ثورة اجتماعية دون وجود حزب ثوري يمثل القيادة السياسية لها، ويحمل معه تطلعات الطبقات الصاعدة في هذه المرحلة التاريخية أو تلك، ويضعها قيد التنفيذ من خلال برنامج سياسي واضح قادر على أن يحشد خلفه كل من له مصلحة في نجاح الثورة وهدم العالم القديم.

إلا أن هذا الحزب لا يمكن بناؤه وإرساء أسسه وتمتين قواعده فقط في خضم الثورة ومعمعة الأحداث، فرغم كل ما يتيحه المد الثوري من فرص للحزب الثوري في النمو والانتشار، إلا أن ذلك لا يمكن أن يتم على نحو صحيح إلا من خلال البناء على قلب صلب سابق في تكوينه على اندلاع الثورة نفسها، أي يُبنى وينضج بصبر ودأب في فترات الجزر والتراجع.

وبهذا المعنى تكون الثورة بالنسبة للحزب هي فترة نمو وحصاد لما تم غرسه وإنباته خلال سنوات الجزر في تربة الصراع الطبقي.

لعل هذا الدرس هو من أهم ما يقدمه لنا تاريخ الثورات – ومن بينها ثورة تشيلي. إلا أن أهمية دراسة الثورة التشيلية 1972 – 1973 لا تقف عند هذا الحد، خاصةً إذا وضعنا في الاعتبار الظروف السياسية التي نمر بها في مصر منذ صعود الإخوان المسلمين للسلطة كنتيجة مباشرة للمكاسب الديمقراطية التي حققتها الموجات الأولى لثورة يناير 2011، وحتى انتصار الثورة المضادة على خلفية انقلاب يوليو 2013.

بالطبع الإخوان المسلمين ليسوا هم تحالف الوحدة الشعبية الفائز في انتخابات 1969 في تشيلي، ولا محمد مرسي الذي انقلب عليه السيسي هو سلفادر آيندي الذي انقلب عليه بينوشيه، وبالتأكيد الطبقة العاملة المصرية المتعثرة في تحقيق أبسط أشكال التنظيم النقابي المستقل ليست هي الطبقة العاملة في تشيلي التي بلغت أعلى درجات الوعي والتنظيم في عامي 1972 و1973، إلى الدرجة التي شكلت فيها “الكردونات” كأشكال جنينية للسلطة العمالية البديلة.

إلا أن هذا لا ينفي وجود الكثير من التقاطعات الهامة بين الحالة المصرية بعد ثورة يناير وخبرات الثورة التشيلية، فالدور الذي لعبته الإصلاحية في وأد الثورة وإجهاضها يظهر واضحًا جليًا في الحالتين، وهو ما مهد الطريق لانقلاب الثورة المضادة، وسحق الإصلاحية نفسها والإطاحة بها من السلطة في الحالتين أيضًا بالطبع.

كذلك الدور التخريبي المعتاد الذي لعبته الأحزاب الستالينية في تضليل الطبقة العاملة وتشتيت أنظارها بعيدًا عن عدوها الرئيسي والتشويش على حقيقة الصراع، ففي الوقت الذي كان فيه آيندي يرفع رواتب الضباط ويضع الجيش في صدارة المشهد، ويستدعيه حتى لحل الكثير من القضايا والإشكالات الاجتماعية القائمة، كان الحزب الشيوعي التشيلي يهاجم التيارات الأكثر جذرية بين العمال ويطلق عليها “اليسار المتطرف”، ويصفها بأنها العدو الحقيقي، وعلى الجانب الآخر يعلن في رطان ستاليني بائس، أن الجيش قد تم كسبه بعيدًا عن البرجوازية، وأنه يدعم العمال في نضالهم ضد الاستغلال!

لم يأت الانقلاب العسكري الدموي في تشيلي إلا نتيجة لغياب الحزب الثوري المستقل الذي كان بمقدوره أن يقود العمال نحو الاستيلاء على السلطة، بدلًا من المحاولات الفاشلة لإصلاح تحالف الوحدة الشعبية أو دفعها يسارًا. كما أن السفاح بينوشيه – الذي كان وزيرًا في حكومة آيندي – لم يكن بمقدوره أن ينقض على السلطة بدباباته إلا بعد تمهيد الطريق له من الإصلاحيين أنفسهم، وبعد تجييش قطاعات كبيرة من الطبقة الوسطى المرتعبة ضد هؤلاء الإصلاحيين غير القادرين في نظرهم على الإمساك بزمام الأمور وإنهاء تلك الحالة من القلاقل والاضطراب.

لقد أتت الانتخابات في تشيلي عام 1969 بمن تنتظر وتتوقع منه الطبقة العاملة الكثير والكثير، لم تكن هذه هي مشكلة البرجوازية، لكن مشكلتها حقًا كانت في الحالة الثورية التي جاءت فيها هذه الانتخابات وأدت إلى وصول تحالف الوحدة الشعبية وسلفادود آيندي إلى السلطة. تمثل الديمقراطية في هذه الحالة تهديدًا لمكاسب البرجوازية، ليس لأن برنامج الوحدة الشعبية كان ثوريًا أو جذريًا، ولكن لأن استمرار وجوده في السلطة في هذه الحالة الثورية يفتح الباب أمام احتمالات حدوث تغييرات اجتماعية عميقة وجذرية حقًا، وفي هذه الحالة يكون اعتماد الإصلاحيين على مؤسسات الدول القديمة، من جيش وشرطة وقضاء وخلافه، للحفاظ على وجودهم في السلطة خطأ قاتل، هو ما لا يعيه الإصلاحيون ولن يعوه أبدًا.

التالي »