بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

بروفات ثورية (2) | البرتغال 74 – 1975: ثورة العمال والجنود

التالي »

1- تقديم

تهتم السياسة التي نقرأ عنها في الصحف السائدة، بشكل أساسي، بمناورات الرموز والتيارات البرلمانية، أما عن بقية المجتمع، فلا تلقي الضوء إلا على مرورنا العام على أوراق الاقتراع وصناديقه. تعتمد مثل هذه السياسة على سلبية واستسلام جماهير السكان. لكن ما شهدته البرتغال عامي 1974 و1975 يظهر لنا أن هذه السلبية ليست حتمية على الإطلاق.

تجاوزت أعداد المشاركين في هذا البلد الصغير في المظاهرات النصف مليون متظاهر. في أحياء الطبقة العاملة، تكثّفت النقاشات والجدالات السياسية بين العمال. كان الأطفال ذوي السبعة أعوام على دراية بالأحزاب اليسارية، وجرائدهم، وشارتهم وشعارتهم. والأكثر من ذلك أنهم كانوا قادرين على أن يشرحوا لك لماذا يؤيدون هذا الحزب أو ذاك. ناقش العمال تطورات الأوضاع في فرنسا والبرازيل وإنجلترا والأرجنتين، كما لو كانوا طيلة حياتهم خبراءً سياسيين. كانت ملصقات العصيان المسلح معلنة ومشروعة، وحتى تذاكر الحفلات تتضمن شعارات سياسية مكتوبة عليها.

لم يكن بوسع قيادات الدولة الارتكاز على الجيش كما فى السابق. اجتاحت الدبابات الشوارع المكتظة، حاملة العمال المتظاهرين. أعادت موجة احتلال المصانع إلى الأذهان ما جرى في فرنسا في 1936 ومرة أخرى في 1968، وكذلك فى كتالونيا عام 1936، وتورين 1920. ليست فقط المصانع، بل أيضًا المستشفيات العامة والمراكز الثقافية. ففي إحدى المستشفيات، انتزع العمال الإدارة من الراهبات، ودعوهنّ لحضور المؤتمرات والتصويت فيها. احتُلت المنازل والشقق الفارغة، وكان تنظيم المسـتأجرين والسكان أكبر من أى بلد آخر في أوروبا بما لا يقاس. أما فى القرى، سيطر العمال على العقارات وأطلقوا على الكوميونات أسماءً مثل “النجمة الحمراء” و”ديكتاتورية البروليتاريا”.

تلهمنا هذه الإنجازات الكبرى بالكثير، لكننا أيضًا لابد أن نتعلم منها. كان حكام البرتغال يسعون سعيًا حثيثًا لاستعاداة الأمور كما كانت عليها بين أيديهم من قبل، كانوا يخططون لإرباك وتشتيت الحركة الثورية. من الضروري هنا أن نبدأ في فحص الخلفية التاريخية لتلك التطورات الخطيرة لفهم كيف حدث ذلك ولماذا.

أُسقطت الملكية في البرتغال في 1910، وخلال الـ16 عام التالية، كان هناك 45 حكومة، والكثير من عمليات التفجير المستمرة، والاغتيالات والانقلابات والمحاولات الانقلابية التى باءت بالفشل، والتمردات وحركات العصيان، والإضرابات والاعتصامات، إلخ. انتهت هذه الفترة، التي ساد فيها الحكم بالبرلماني، بانقلاب نُظم في 1926. عُيِّن أنطونيو دي أولييفيرا سلازار وزيرًا للمالية فى 1928. كان الرجل قد بنى حركة جماهيرية، وحزبًا، وأيديولوجيا سُميت بـ”الدولة الجديدة”. وفي خلال سنوات قليلة، كان سالازار قد أسس نظامًا ديكتاتوريًا، ليس كما فعل نظراؤه من الديكتاتوريين فى ألمانيا وإيطاليا استنادًا إلى قطاع من الجماهير، بل عن طريق انقلاب عسكري.

ترعرعت وازدهرت فى ظل هذه السلطة حفنة من الإمبراطوريات الكبرى. وتحت حماية الدولة وسيطرتها، صعدت شركتان عملاقتان، هما سي يو إن وتشامبليمود. نمت السي يو إن حتى سيطرت على عُشر الصناعة البرتغالية، حيث احتكرت فعليًا صناعة التبغ، ونصيب ضخم من الصابون والكيماويات والنسيج، بالإضافة إلى البناء والتأمين. أما تشامبليمود، فقد ركزت استثماراتها في السياحة والتأمين، كما سيطرت بشكل شبه كامل على صناعة الصلب. تبنت الدولة هذه التفاعلات الصناعية المحلية بشكل عمدي في مواجهة رأس المال الأجنبي، حتى أن شركة كوكاكولا كانت ممنوعة من الدخول للبرتغال. لقد نمت سلطة سالازار كأوليجارشية؛ حيث سيطرت بضع عائلات نافذة بإمبراطورياتهم الرأسمالية على مقاليد الامور، ممزوجة في ذلك مع بيروقراطية الدولة والمراتب العليا في القوات المسلحة. بالطبع كان هناك نصيبا للرأسماليين المستقلين الأصغر شأنًا في ظل هذه الأوليجارشية. أما الأحزاب السياسية والنقابات العمالية والإضرابات، فقد جرمها القانون، بينما كان المعارضون يُسجنون ويتعرضون لأبشع ألوان التعذيب على يد الشرطة السرية سيئة الصيت.

كانت هناك ثلاث سمات رئيسية مميزة للبرتغال في أواخر الستينات. أولًا، كانت أقل بلدان أوروبا الغربية تطورًا. نسبة كبيرة من الفلاحين عاشت في الشمال وفي قرى وأراضي الجنوب، فيما تمحورت مراكز صناعية، صغيرة نسبيًا، حول لشبونة، وعلى طول الساحل الشمالي في إقليم بورتو. وبين 1960 إلى 1970، تضاعفت معدلات الهجرة، نتيجة البطالة، خمس مرات، بينما كان التعداد السكاني يقل في السنوات الأخيرة من عقد الستينات.

ثانيًا، كانت البرتغال أولى الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية، وقد ظلت متعلقة بالاستعمار حتى بعد تداعى الإمبراطوريات الأخرى. وفرت المستعمرات فى أفريقيا وأقصى الشرق المواد الخام الرخيصة، كما ضمنت أسواقًا واسعة للبضائع الصناعية البرتغالية. لكن في أواخر الستينات، بدأت الانتفاضات المناهضة للاستعمار في إضعاف الإمبراطورية. استعرت النضالات في أفريقيا من أجل الحرية بانتفاضات في الكثير من مدن لواندا وأنجولا منذ 1961، كما نهضت حركات حرب العصابات في غينيا 1963، وفي موزمبيق عام 1964.

ثالثًا، كانت الديكتاتورية الأقدم فى أوروبا بحاجة إلى تحديث الصناعة وإعادة تنظيمها، وقد مُوًّلت الكثير من التطويرات الجدية من قبل رأس المال الأجنبي، كما حدث فى تجمعات صناعة السفن العملاقة فى ليسناف وسيتيناف. و أسست بعض الشركات متعددة الجنسيات، مثل تايمكس وبليسي وفورد وجنرال موتورز، فى إطار بحثها عن أيدٍ عاملة رخيصة ونظام يحمي مصالحها، مصانعَ ضخمة جديدة تمركزت فى الأغلب المناطق الطناعية التى حزّمت لشبوبة. نمت إثر ذلك الطبقة العاملة المدنية، حيث وصل نصيب رأس المال الأجنبي إلى 52.2% من إجمالي الاستثمار الصناعي في البرتغال بحلول العام 1968.

لكن الإمبراطورية البرتغالية المتداعية أثبتت أنها غير قادرة على التحديث من دون إجراء إصلاحات سياسية رئيسية.

أصيب سالازار، في سبتمبر 1968، بتلف في المخ بعد سقوطه من فوق مقعد المركب الذي كان يقلّه وعلى إثر ذلك انسحب من السياسة، وقد شجّع ذلك عددًا من المحاولات لإصلاح النظام من أعلى. قدَّم خليفة سالازار، مارتيلدى كاتيالو، ما سُميَ بسياسات “ربيع التحرير”؛ حيث تراخت الرقابة، وسُمح للسجناء السياسيين بالذهاب إلى المنفى، بينما عاد بعض المنفيين إلى البرتغال مرة أخرى. نهضت الحركة الطلابية بتحفيز من الانفتاح النسبي الذي وفرته سياسات التحرير، وبإلهام من الحركة الطلابية في أوروبا والولايات المتحدة. كان الطلاب الذين يرسبون في امتحاناتهم يُجندون في القوات المسلحة، ومن ثم تعرفت الحركة على النضال المناهض للاستعمار فى أفريقيا.

عُقدت انتخابات ضّيقت السلطة الخناق عليها فى 1968. وتشكّلت خلال الحملات الانتخابية جبهة انتخابية من الشيوعيين والكاثوليكيين، والكثير من الرموز والمفكريين اليساريين البارزين، أُطلق عليها “اللجنة الانتخابية الديمقراطية”. وقد صارت اللجنة فيما بعد بمثابة منصة مهمة لمعارضة النظام.

“الربيع الجديد” كان يعنى أن النقابات العمالية لم تعد مضطرة لإرسال قوائم المرشحين في انتخاباتها الداخلية إلى الشرطة السرية. وهكذا جرت الانتخابات عاميّ 1969 و1970 في خمس نقابات عمالية، كما اختار أعضاء نقابة عمال النسيج طالبًا مناضلًا لينظم نقابتهم. وبحلول أكتوبر 1970، كان هناك ما يقرب من 20 نقابة بقيادات منتخبة، شكلوا فيما بينهم اتحادًا نقابيًّا شبه رسمي.

كان صعود الحركة الطلابية والعمالية، بالإضافة إلى مستنقع الحروب الاستعمارية والأزمات الاقتصادية، بمثابة جرس إنذار للنظام، فيما دفع كاتيالو للعودة مرة أخرى إلى السياسات المحافظة والقمع فى مطلع السبعينات. لم تُتح أية فرصة للإصلاح بينما كانت الحرب مستعرة، ومايقرب من نصف الميزانية المركزية يُنفق على القوات المسلحة.

لكن الحركة العمالية لم تتراجع هكذا بسهولة. قدم كاتيالو قانونًا للعقود الجماعية نتج عنه مفاوضات سنوية حول الأجور. ونتيجة لذلك، شهد قطاع النسيج إضرابًا عن العمل مرة كل عام بين 1970 و1973، بينما نُظمت إضرابات أخرى عفوية قصيرة الأمد في عدد من القطاعات الأخرى، وبسبب الخوف من القمع، لم تكن لجان الإضراب، في الأغلب، تُنتخب أو تُنظَّم. ولم يكن العمال في بعض الحالات يحددون مطالبهم، كانوا فقط يطالبون بزيادة في الأجور.

بدأ النضال المصنعي الأكبر في 1973، حين أضرب عمال المعادن في الخطوط الجوية البرتغالية. احتل بعض هؤلاء العمال طائرة بوينج 707، وخلال فض الإضراب وإخلاء الطائرة أطلقت الشرطة النار على اثنين من العمال وأصابتهم بجروح. تشكلت بعد ذلك لجنة عمالية، وهى الأولى فى البلاد منذ أجيال عديدة.

“اعتدت الشرطة على الكثير من الناس. استمر الإضراب 15 يومًا. لقد كان إضرابًا منظما بشكل محكم. وكانت تصدر نشرة يومية بتوقيع “مجموعة من العمال”. كان العمال، من أقسام مختلفة في المصنع، يلتقون في منازل بعضهم البعض، وفيما يقرب من 150 عامل كانوا قد انخرطوا في منظمة سرية للعمال في المصنع. لقد مكّن التنظيم السري لهؤلاء العمال، مع النضال في الإضراب في المصنع، من إحراز النصر في الإضراب. لم ينتزعوا مطالبهم الخاصة بالأجور فحسب، بل أيضًا نجحوا في إطلاق سراح العمال المحبوسين، وتلقى المصابون تعويضات من إصابتهم، كما عاد زملائهم الذين فُصلوا تعسفيًا”.

تأثر عمال مطار لشبونة سياسيًا باليسار الثورى الناهض. وبحلول العام 1972، كانت المناقشات والجدلات تتطور داخل “اللجنة الانتخابية الديمقراطية” حول موضوعات مثل استخدام العنف، والعمل السياسي شبه الشرعي، والديمقراطية الداخلية. و غادر اللجنة بعد انشقاق داخلى، ما بين ثلث ونصف مناضلي اللجنة – 40 أو 50 عضوًا من مؤسسي اللجنة من مجموعات اليسار الثورى (غير الماوي) وأعضاء قياديين في الحزب الاشتراكي.

انتعشت بعد ذلك، ثقة الحركة العمالية في نفسها، كما شهد اليسار الثوري تطورًا فائقًا، نتيجة لما كان يجري من حولهم خارج البلاد.

التالي »