بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

بروفات ثورية (2) | البرتغال 74 – 1975: ثورة العمال والجنود

« السابق التالي »

10- الرجعية والمقاومة

كانت قوى الرجعية تستعيد قوتها خارج لشبونة، وقد كانت حكومات الغرب الرأسمالي تصر بإلحاح أكثر وأكثر على أن البرتغال لابد لها أن “تستعيد نظامها”. وكان انسحاب البرتغال من مستعمراتها (أنجولا وموزمبيق وغينيا بيساو) يعني أن نصف مليون برتغالي سوف يعودون ليستقروا في بلادهم خائبين الرجاء. هؤلاء ذهبوا بعد ذلك إلى مركز البلاد، الذي طالما كان مُحافظًا، وإلى المناطق الشمالية. وكانت المناطق الشمالية بعيدة بعض الشيء عن موجات التجذير التي اجتاحت مناطق أخرى من البلاد، وهذا نتيجة تضافر العديد من الأسباب.

أولًا، كان الحزب الشيوعي يسيطر على الكثير من الحكومات المحلية في الكثير من المدن الشمالية، فيما كان تركيز الحزب الأساسي منصبًا على توسيع نفوذه داخل جهاز الدولة، وهكذا لم يفعل سوى القليل لرفع وعي السكان.

ثانيًا، كان للإصلاح الزراعي تأثيرٌ أقل كثيرًا في الشمال عنه في الجنوب. فبعكس الجنوب، حيث كان العمال المأجورون يعملون في أراضٍ كبيرة وواسعة، كانت أغلب الأراضي والمزارع في الشمال صغيرة للغاية. لم يمس الإصلاح الزراعي، الذي أتى على الأراضي التي تتعدى 300 هيكتار (714 فدان) أو 50 هيكتار (119 فدان) للأراضي المروية، أراضي الشمال. وعلاوة على ذلك، لم يُطبَّق قانون الحد الأدنى للأجر الجديد على العمال الزراعيين.

صار الفلاحون الذين يستأجرون الأراضي لديهم الحق في إبلاغهم قبل إخلائها بثمانية عشر عامًا، لكن ليس لديهم الحق في امتلاك الأرض نفسها، كما لم تُخفَّف من على كواهلهم أعباء الديون الضخمة؛ فبرغم تأميم البنوك، إلا أن مؤسسات التسليف الزراعي بقت كما هي دون مساس، بينما زادت أسعار الأسمدة إلى الضعف مما كانت عليه. كانت أحاديث الإعلام اللا منتهية حول الحياة الجديدة في البرتغال تتناقض تمامًا وبشدة مع الظروف الطاحنة في المناطق المتأخرة.

كان فشل السياسات الزراعية يصب مباشرةً في مصلحة القوى الرجعية، خاصةً الكنيسة الكاثوليكية. كان مطران براجا يحرِّض من أجل التحرك ضد “الشيوعيين أعداء المسيح”: “هل يدعونا الرب للمحاربة من أجله أم ضده؟ التراجع يعني الخيانة، والخيانة تعني الموت”. كان هذا المطران هو نفسه الذي كان يُموِّل تنظيمات اليمين المتطرف المسئولة عن حرق 60 من مكاتب الحزب الشيوعي واليسار الثوري في صيف 1975.

كان الحزب الاشتراكي هو المسئول عن السياق كله الذي شعر فيه اليمين المتطرف بالقدرة على العمل بجرأة وبشكل مفتوح، حيث أطلق إبان استقالته من الحكومة حملة لا هوادة فيها ضد الشيوعيين متخفِّية وراء ستار ديمقراطي. تصاعد عنف اليمين في المحافظات وصار أكثر حدة، وفي المقابل استعر الصراع السياسي في العاصمة. بينما كان المعتدلون في حركة القوات المسلحة بحاجة مُلِحَّة لكسب الحزب الاشتراكي من جديد. في 9 أغسطس، كتب القائد ميلو أنطونيس وتسعة آخرون من أعضاء المجلس الثوري الأعلى خطابًا مفتوحًا عُرِفَ فيما بعد بـ”وثيقة التسعة”. بدأ الخطاب بتقييم مهم لتلك المرحلة: “إنه وقت القرارات الخطيرة. إنه وقت الوضوح وإزالة الالتباسات”. ثم استطرد ليحدد الاتجاه الذي تأخذه هذه القرارات:

“من يومٍ لآخر، يظهر بشكل أكبر انحراف أقلية اجتماعية ضئيلة (جزءٍ من المنطقة البروليتارية في لشبونة والجنوب)، تؤيد مشروعًا ثوريًا معينًا. أما باقي البلاد، فهم عمليًا يردون بعنف على التغيرات التي تحاول هذه الأقلية الثورية فرضها على تركيبة حياة الشعب البرتغالي التاريخية والاجتماعية والثقافية”.

طُرِدَ أنطونيس والموقعون معه من المجلس الثوري الأعلى، لكن وثيقتهم كانت دالة على الضجر ونفاذ الصبر من قطاعات كبيرة من سلك الضباط. وعلاوة على ذلك، صارت الوثيقة بمثابة الدعوة التي تجمع عليها الكثير من الساسة المعتدلين في كل مكان. ركَّزت حملة أنطونيس بالأساس على تشكيل الحكومة المؤقتة الخامسة، وطالما أن الحملة قد تأثرت كثيرًا بالحزب الشيوعي، فقد كان يُنظر لها باعتبارها الحملة الأكثر يسارية. لكن الحكومة الجديدة كانت هي الأخرى عُرضة للنقد من جانب اليسار، ففي 20 أغسطس نُظِمَت مظاهرة لصالح “السلطة الشعبية” شارك فيها حوالي 100 ألف شخص، من ضمنهم عددٌ كبيرٌ من الجنود، وبدعم من أكثر من 200 من لجان العمال والأحياء.

أدت العزلة المتنامية للحكومة الجديدة والحزب الشيوعي إلى مبادرة الأخير بتدشين “الجبهة المتحدة الشعبية” التي ضمت ست حركات يسارية، من بينها حركة الاشتراكيين اليساريين – MES، والمجموعة التروتسكية LCI، والحزب الثوري للبروليتاريا PRP. وقد أصدرت جريدة “القرن” اليومية التابعة للحزب الشيوعي، عددًا خاصًا، منتصف يوم 25 أغسطس، للاحتفاء بالجبهة الجديدة باعتبارها “مناسبة تاريخية”، فيما نُظِمَت مظاهرة ضخمة أخرى يوم 27 من الشهر نفسه. لابد أن الجبهة الشعبية المتحدة الشعبية هذه قد تسببت في الكثير من الارتباك والحيرة لدى قواعد الحزب الشيوعي، الذي صار قادته يضغطون مؤخرًا بشكل كبير في “المعركة من أجل الإنتاج”. لكن حالة الارتباك هذه سرعان ما تبددت، إذ أعلن الحزب الشيوعي انسحابه من الجبهة بعد 24 ساعة فقط من المظاهرة، داعيًا للوفاق مع الحزب الاشتراكي وتشكيل حكومة ائتلافية.

« السابق التالي »