بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

بروفات ثورية (2) | البرتغال 74 – 1975: ثورة العمال والجنود

« السابق التالي »

12- الأزمة تتصاعد

أثار نهوض اليمين في صيف 1975 المخاوف من انقلاب جديد، فقد شهدت البرتغال بالفعل انقلابين من قبل. بدأ الكثير من اليساريين يحذرون من تكرار الانقلاب العسكري التشيلي الدموي، الذي استولى على السلطة منذ عامين، في البرتغال. وهكذا كتب قائد قيادة العمليات القارية، أوتيلو دي كارفاليو، أن:

“ما يقلقني هو احتمالية “تشيلة – Chilenisation” البرتغال… إنهم يعدون للقتل، يستعدون للقمع. معهم سنلقى مصير تشيلي. هذا الخوف هو ما يطاردني”.

لم يكن الفاشيون الجدد منافسين حقيقيين على السلطة، وقد أثبت نظام الحكم اليميني السلطوي السابق أنه مشكلة للطبقة الحاكمة البرتغالية، ولهذا تم التخلص منه. بينما لم تكن تشيلي نموذجًا تطمح إليه الشركات الكبرى متعددة الجنسية ولا وكالة الاستخبارات الأمريكية كما تصوَّر اليسار. فقد واجه الاقتصاد التشيلي في الحقيقة الكثير من الأزمات منذ انقلاب سبتمبر 1973. لقد فضَّلت قوى الناتو والطبقة الحاكمة البرتغالية بناء نظام برلماني برجوازي “مستقر” في البرتغال، كلما كان ذلك ممكنًا.

بدأت الحكومة المؤقتة السادسة أعمالها في 19 سبتمبر، ومرةً أخرى كانت الأحزاب السياسية الرئيسية في البرتغال مُمَثَّلةً فيها، لكن كلًا من الحزب الاشتراكي ومجموعة التسعة قد حظوا بنصيب أكبر على حساب الحزب الشيوعي. كانت هذه هي الحكومة التي استمرت حتى جولة الانتخابات التالية في أبريل 1976. لكن استمرار الحكومة لا يعني بالضرورة استقرارها.

فشلت الحكومة في ممارسة سيطرتها على قطاعات كاملة من المجتمع، فقد كانت الحركة الجماهيرية مازالت قوية، حيث تسارعت حركة احتلال الأراضي حتى نهاية سبتمبر، وفي خلال أقل من شهر احتل الفلاحون أراضٍ أكبر في مساحتها ثلاثة مرات مما احتلوه في عام ونصف مضى. أما في المدن، فقد ظلت الكثير من مواقع العمل تحت السيطرة العمالية.

لم تكن الهيمنة الأيديولوجية للإعلام قد أُعيد تأسيسها بعد. وقد جسَّدَ استمرار نضال العاملين براديو النهضة ضعف الحكومة ذاتها. أمر رئيس الوزراء، بينهييروا دي أزيفيدو، في 29 سبتمبر قيادة العمليات القارية باحتلال الراديو، لكن بعد مظاهرة للعاملين في الراديو، أمر القائد أوتيلو دي كارفاليو جنود بالانسحاب باكيًا، وفي خلال ست ساعات كانت القوات الخاصة قد احتلت الراديو بقيادة العقيد جامي نيفيس. لكن مظاهرة ضخمة ليلة 16 أكتوبر أجبرت القوات الخاصة على الانسحاب، وبدأ الراديو في البث من جديد.

كانت الحكومة واهنة القوى تمامًا، فلجأت إلى الإرهاب، حيث فجرت مجموعة من المخربين التابعين لها الراديو، في 7 نوفمبر، تحت حماية قوات مظلية. اعتقد المظليون أنهم خرجوا لتوفير الحماية للراديو، وأن الأوامر “أتت من اليسار”.

كان ضعف الحكومة يبرز بشكل أكبر كلما ضمت الحركة الجماهيرية المزيد من الناس وكلما سنحت الفرصة للتحرك. لكن الوعي السياسي كان بالتأكيد متفاوتًا ومتناقضًا في أوقات كثيرة:

“قمت بزيارة مصانع يديرها العمال أكثر من مرة. كان يتحدثون معي عن شرور الرأسمالية، وكيف سيدير العمال الأمور بشكل جيد، والحاجة للاستيلاء على سلطة الدولة عاجلًا أم آجلًا… ثم سرعان ما ينحرفون عن ذلك قائلين: والآن الأمر الأكثر أهمية هو معركة الإنتاج”.

أدى غياب بديل واضح يراه الجميع بأعينهم، ألا وهو النضال من أجل السلطة العمالية على المجتمع ككل، إلى تفشي الركود والسلبية، وإلى تنامي الميل لدى العمال لانتظار ما يمكن أن تفعله المنظمات الإصلاحية التي كانت لاتزال مسيطرة. ولقد كسب الحزبان الشيوعي والاشتراكي تأييد العمال الذين يبحثون عن حلولٍ أسهل وأكثر أمانًا. كان المناضلون في لشبونة يلجأون لشبكة اللجان العمالية التي بناها الحزب الشيوعي.

عُقد المؤتمر الافتتاحي “للوسط الصناعي في لشبونة – CIL” في 8 نوفمبر 1975، بحضور مندوبين من 124 لجنة عمالية، من إجمالي 400 مشارك. كانت أغلب مواقع العمل مُمَّثلة في المؤتمر، وأرسلت الكثير من النقابات والاتحادات مراقبين يحضرونه. من الناحية الشكلية، كان ذلك أقوى مؤتمر للجان العمالية. حضر الكثير من العمال غير الحزبيين، لكن جدول الأعمال كان تحت السيطرة.

حاول “الوسط الصناعي في لشبونة” بناء إطار تنسيقي للجمعيات الشعبية، وقد نظم أيضًا مظاهرة عملاقة في 16 نوفمبر ضد التهديدات من جانب اليمين، شارك فيها ما يقرب من 300 ألف متظاهر.

إن نشطاء الحزب الشيوعي الذين بنوا “الوسط الصناعي في لشبونة” كانوا بالتأكيد على اليسار من حزبهم، الذي كان قبوله بهذه المبادرات جزءًا من تحوُّله إلى اليسار بغرض الحفاظ على تأييد المناضلين الجذريين. لكن لم يكن لدى اليسار الثوري أي تكتيكات للتدخل في المؤتمر. قرر الحزب الثوري للبروليتاريا عدم التدخل من الأصل بناءً على أن المؤتمر قد نُظِمَ تحت سيطرة الحزب الشيوعي، وقد شاركته الجبهة الشعبية الديمقراطية هذا القرار. لم يكن للحزب الثوري للبروليتاريا أية إرادة للنضال من أجل ما كان ينفر منه من مطالب إصلاحية. أما حركة الاشتراكيين اليساريين، فلم يكن لتدخلها تأثير يُذكر.

في المقابل، على بُعد حوالي 30 ميل إلى الجنوب في مدينة سيتوبال، أظهرت “لجنة النضال” ما في جعبتها من إمكانيات. في هذه اللجنة كان اليسار الثوري متصدرًا المشهد، بينما تعامل الحزب الشيوعي بمرونة مع الأمر وشعر أن عليه الاشتباك في اللجنة (كان أيضًا معزولًا عنها).

تُعد سيتوبال ثالث أكبر مدينة في البرتغال، بتعداد سكاني بلغ 78 ألف مواطن في العام 1976. نمت المدينة بشكل كبير في أواخر الستينات وأوائل السبعينات نتيجة لتوسع الصناعة، لا سيما أحواض سفن سيتيناف. وتُعد سيتوبال مركزًا مهمًا للطبقة العاملة، حيث يمكن بسهولة ملاحظة ضعف خدمات الإسكان والمرافق العامة. وتأسست لجنة النضال في سيتوبال على عكس الجمعيات الشعبية من أسفل، كرد فعل على محاولة الحكومة المؤقتة السادسة إغلاق راديو النهضة. حضر 500 شخص الاجتماع الأول للجنة، فلا عجب أن ترى اللجنة نفسها كلجنة للنضال، وليس كجمعية شعبية.

أظهرت اللجنة، وأثبتت، أن الممارسة العملية هي الطريقة التي يمكن بها كسب التأييد الجماهيري. وهكذا في أحد الاجتماعات في منتصف شهر أكتوبر، حضر الكثير من أعضاء اللجنة العمالية في جريدة سيتوبال المحلية، وعرضوا تقريرًا عن تهديد مالك الجريدة بفصل ثلاثة صحفيين. وافق الاجتماع على احتلال العمال للجريدة، وأن تساندهم اللجنة في ذلك.

أثبتت لجنة النضال في سيتوبال أن الحركة العمالية، حتى في نهاية نوفمبر 1975، لم تكن قد استُهلِكَت بعد، ليقدموا بذلك نموذجًا للنضال وللقيادة الإيجابية فيه. ويُعد إضراب عمال البناء مثالًا آخر على ذلك، برغم أن هذا القطاع العمالي لم يكن نشطًا من قبل. كان الكثير من عمال البناء في الأصل فلاحين هاجروا من الريف إلى المدن بحثًا عن العمل، بعضهم كانوا من السود القاطنين جزر الرأس الأخضر. في منتصف أكتوبر، تجمع مندوبو 32 لجنة لعمال البناء وصاغوا مطلبين هما هيكل أجور لكل عمال البناء على المستوى القومي، ونقابة واحدة لهم. نظموا إضرابًا على مستوى كل البرتغال ومسيرة كبيرة، ووصل نضالهم الذروة حين نظموا مظاهرة هائلة الحجم حاصرت الجمعية التأسيسية، حيث نصبوا المتاريس وسدوا الشوارع بالجرارات والشاحنات وخلاطات الإسمنت، وسلَّحوا أنفسهم بالمعاول.

طلب رئيس الوزراء، بينهييروا دي أزيفيدو، من القوات الخاصة إنقاذهم، لكنهم رفضوا، فأمر بإحضار طائرة مروحية لإنقاذ عددٍ منهم على الأقل. وحينما وصل الخبر للشرطة العسكرية، فقد حذَّرت حشود عمال البناء، ومُنِعَت المروحية من الهبوط. وبعد 36 ساعة، اعترف رئيس الوزراء بمطالب العمال ووافق عليها لتوضع محل التنفيذ بدءًا من 27 نوفمبر.

بدا أن انتصار عمال البناء قد شلَّ الحكومة لبعض الوقت، ففي 20 نوفمبر أعلنت أنها لن تتخذ أي قرارات “سياسية”، وستقوم فقط بالمهام الإدارية.

« السابق التالي »