بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

بروفات ثورية (2) | البرتغال 74 – 1975: ثورة العمال والجنود

« السابق التالي »

13- 25 نوفمبر

خلف كل هذه الكواليس، كانت الخطط تُحاك والتدابير تُتخذ من أجل تحرك حاسم ضد القطاعات الجذرية في الجيش. فمنذ أكتوبر فصاعدًا، كانت قوى اليمين تتقدم وتعزز مواضعها داخل الجيش. تمكن اليمين من إلحاق الهزيمة باعتصام منظمة “الجنود المتحدون ينتصرون” في الشمال، وتمكنوا أيضًا من إقالة ثلاثة نقباء و49 ضابط جوية بعد الاضطرابات التي تسببت فيها المنظمة في بيجا في المنطقة المركزية. وحين مُنِحَت أنجولا استقلالها، قلَّ الاحتياج للتجنيد، بل وقد سُرِّحَ بضعة آلاف من الجيش.

التقى سواريس، زعيم الحزب الاشتراكي، في 18 نوفمبربكبار الضباط اليمينيين في حركة القوات المسلحة، للنقاش في كيفية إعادة تأسيس “الانضباط” في أرجاء البلاد. أُقيم مركزٌ للعمليات بقيادة العقيد راماليو إيانس، ليضم عددًا مُختارًا من الأعضاء، منهم قائد القوات الخاصة، العقيد جامي نيفيس. لم يتأسس مركز العمليات هذا بنية التحرك الفوري، لكن لانتظار الفرصة المناسبة لذلك.

في ذلك الوقت، كان الأحداث الجِسام على وشك الوقوع في الجيش. تعلم المظليون، الذين استُخدِموا في تدمير راديو النهضة، من الانتقادات الحادة التي وجهها لهم العمال والجنود من وحداتٍ أخرى على صفحات جرائد لشبونة. صار هؤلاء المظليون يتمردون بعد ذلك ضد ضباطهم.

تزايدت المؤامرات العسكرية من جانب اليسار واليمين على حدٍ سواء، وقد سارت الشائعات كالنار في الهشيم حول انقلابات عسكرية وشيكة. في باريرو، عبر مصب نهر تاجة من لشبونة، كان رجال الإطفاء المتطوعون يسمعون أجراس الإنذار في كل محاولة للتحرك العسكري، ولطالما كان السكان المحليون يستيقظون على إنذارات كاذبة. وبينما كانت ذكرى الانقلاب العسكري التشيلي تخيف الناس من اليمين، كانت أيضًا تعني أنهم لا يريدون أية مغامرات عسكرية من اليسار.

أُطيح بأوتيلو دي كارفاليو في ليلة 24 نوفمبر من قيادة المنطقة العسكرية في لشبونة، واستُبدِلَ بفاسكو لورينكو. وفي الساعات الأولى من صباح اليوم التالي، طلب الضباط المعارضين لهذا القرار من أوتيلو أن يتحداه. ومن جانبه، لم يحرك الرجل ساكنًا، عاد إلى منزله لينام. وفي غيابه، قررت مجموعة مُخصَّصَة من الضباط أن تستولي كلية الإدارة العسكرية على الراديو، وأن تحمي الشرطة العسكرية التلفزيون، وأن تحرس كتيبة RALIS (RAL -I سابقًا) الطريق السريع المؤدي شمالًا خارج المدينة.

احتل المظليون ثكناتهم في خمسة قواعد في الصباح، مطالبين بتسريح قادتهم، وأن يُستَبدلوا بقيادة أوتيلو وقيادة العمليات القارية، فما كان من أوتيلو إلا أن استشار زملاءه الضباط والرئيس في القصر الرئاسي، حينها أُلقيَ القبض عليه. اتخذت الحكومة ذريعة أن دفاع الجنود عن أوتيلو كان فعلًا “تمرديًا”، وشعرت أن لديها القدرة على إعلان حالة الطوارئ والاستعانة بمجموعة مُختارة من القوات الخاصة.

لابد أن هؤلاء الضباط قد دُهشوا من سهولة انتصارهم، ولم يحملوا هم أن القوات الخاصة، التي تُقدَّر فقط بـ 200 مقاتل، ستخرج من الثكنات، ناهيك عن أن تبدأ في القتال أصلًا. طاف نيفيس حول ثكنات الشرطة العسكرية، ظهر يوم 25، وواصل طريقه إلى إحدى ثكنات المظليين، وبعد أمره بضرب بضع طلقات تحذيرية، استخدم مكبرًا للصوت لمطالبة المظليين بالاستسلام. وبالفعل لم يجد المظليون في عزلتهم التامة خيارًا غير الاستسلام.

عادت القوة مرة أخرى للشرطة العسكرية صبيحة يوم 26. قُتِلَ العديد من الجنود في الاشتباكات، قبل أن تعلن الشرطة العسكرية استسلامها هي الأخرى. أصبحت الآن القوات المتمردة تنهار واحدةً تلو الأخرى.

لم يكن هناك أحدٌ قادرٌ على قيادة التصدي لهذه التطورات. فعلى سبيل المثال، قبل منتصف ليل يوم 25 نوفمبر، تجمعت مئات عديدة من العمال في أحد الطرق المؤدية لثكنات الشرطة العسكرية. تناقشوا مع سائق حافلة حول ما إذا كان من الممكن استخدام حافلته في بناء متراس لسد الطريق. على الجانب الآخر، ربما كان الجنود داخل الثكنات أرادوا الخروج إلى الطرق والسيطرة عليها. ما من أحد كان يعلم، ولم يُنفَّذ أي شيء.

في اليوم السابق، عُقِدَت الاجتماعات الطارئة في الكثير من المصانع بعد أن أوقف العمال العمل لمدة ساعتين لمناقشة تهديدات اليمين. لكن في يوم 25 نفسه، لم تقم الأغلبية العظمى من المصانع بأي شيء. كان عمال البناء هم الاستثناء الجدير بالذكر هنا، فبعضهم سيطر على بعض الجرارات وخلاطات الإسمنت لمحاولة سد الطريق أمام تقدم القوات الخاصة.

ركَّزت المجموعات اليسارية انتباهها بالأساس على الأمور العسكرية. ومن الجدير بالذكر، مع الكثير من الندم، على سبيل المثال أن عمال أحواض سفن ليسناف كان لديهم فقط 60 بندقية. فيما لم يدعُ أحد لإضرابات أو اعتصامات، على الرغم من أن تحرك كهذا لمجموعة قوية من العمال مثل عمال ليسناف كان من شأنه أن يقود عمالًا آخرين، ويحسم الأمر لدى الكثير من المترددين داخل القوات المسلحة.

تحوَّل الحزب الشيوعي في أغسطس نحو اليسار من أجل الحفاظ على تأييد الجذريين من حوله، ومن أجل تدعيم موقفه في الحكومة المؤقتة السادسة غير المستقرة، حيث دعا، في 24 نوفمبر، إلى إضراب عام لمدة ساعتين ضد تهديدات اليمين، وقد حقق الإضراب نجاحًا محدودًا. تحمَّس ضباط الصف والضباط الذين نظموا التصدي للإطاحة بكارفاليو لما فعله الحزب الشيوعي. لكن في 25 نوفمبر، تغيَّر خطاب الحزب الشيوعي بشكل حاد، حيث صار يجادل بأن مكاسب 25 أبريل لا يمكن التضحية بها من أجل قِلة من “المتطرفين اليساريين” وتحركاتهم “الطائشة”.

من الواضح، عند استعادة أحداث 25 نوفمبر، أن هذا اليوم كان نقطة فاصلة بالفعل. لم يكن هناك حمام دم كما كان الحال في تشيلي، لكن بعد 25 نوفمبر لم يصل نضال الطبقة العاملة أبدًا إلى ما كان عليه قبله. وبرغم مأزق الطبقة الحاكمة، إلا أنها لم تعد إلى حالة الشلل التي كانت عليها في 1974 و1975. وكان أحد أهم الشروط المسبَّقة لذلك هو إعادة فرض الانضباط في جهاز الدولة. تحقق ذلك في 25 نوفمبر وبعده.

كانت الجذرية المتعمقة داخل الجيش قبل ذلك تغذي نضال العمال، تُلهِمهم بمزيدٍ من الثقة، مثلما أظهر عمال البناء في منتصف نوفمبر. لم تتمكن أحداث 25 نوفمبر من محو النضال تمامًا، لكنها غيَّرت مفردات ومعايير النضال نفسه. صار الجميع يدركون أن تنظيم تحرك يُكلَّل بالنجاح صار أكثر صعوبة، حيث استعادت القوات المعادية تماسكها. وبالتالي أصبحت مناشدات الحزبين الشيوعي والاشتراكي بالحذر أكثر جاذبية.

كانت حملة تطهير الجيش من الضباط والجنود الجذريين في 25 نوفمبر، بالأساس، من تخطيط الجنرالات والضباط “المعتدلين” في حركة القوات المسلحة. ومن جانبه، وفَّر الحزب الاشتراكي الستار الأيديولوجي الذي تمكَّن هؤلاء “المعتدلون” من العمل خلفه. رحَّب الحزب الاشتراكي بهذه التحركات واحتفى بها.

كان التنظيم الأكبر والأكثر تأثيرًا وقدرة على إعداد المقاومة هو الحزب الشيوعي. لقد كان هو نفسه القوة الكبرى وراء مظاهرات 16 نوفمبر الضخمة ضد الحكومة، وقد نظم إضرابًا عامًا لمدة ساعتين في 24 نوفمبر. كانت سياسات الحزب الشيوعي، في الفترة من أغسطس حتى ظهر يوم 25 نوفمبر، تتركز بالأساس على تدعيم وضعه في الحكومة المؤقتة السادسة، التي كانت تحت ضغط متزايد من جانب اليمين. وبتنظيم التحركات الجزئية لأعضائه ومؤيديه، كان الحزب يهدف إلى تحقيق نتيجتين أساسيتين، الأولى هي إقناع البرجوازية بأن لا غنى عنها في الحكومة الائتلافية، والأخرى هي الحفاظ على مناضليه الذين كانوا قد بدأوا يتأثرون بالقوى على يساره. لكن الهدف الأخير كان ثانويًا بالنسبة للأول. فوجود شريك موثوق به في الحكومة لا يمكن تحقيقه فقط باستعراض القدرة على تحريك الجماهير، فلابد أن يكتمل ذلك بإثبات الولاء، بإثبات القدرة على السيطرة واحتواء نضالية هذه الجماهير.

وهكذا كان التردد حتميًا في استراتيجية الحزب الشيوعي. وبرغم ذلك، لم يكن مؤيدوه يدركون ذلك. حينما انتشر نبأ الإطاحة بكارفاليو، تحرك الضباط المتأثرون بالحزب الشيوعي، تدفعهم رغبة مُبرَّرة في الدفاع عن الجذريين داخل الجيش، ونظموا المقاومة. لا شك أن الشكل الذي اتخذته هذه المقاومة أظهرها وكأنها محاولة للانقلاب، برغم أن ما من دليل على أنها كذلك. لكن الحزب الشيوعي نفسه باع مؤيديه الراديكاليين في الجيش، وآخرين كثيرين، من أجل الحفاظ على حصته في الحكومة في المقابل.

ماذا كان دور اليسار الثوري في أحداث 25 نوفمبر؟ أخذت الأحداث كل فصائل اليسار الثوري، التي توقعت أن تأتي الضربة من جانب اليمين المتطرف كما حدث في تشيلي، على حين غرة، لم تُحرِّض أيٌ منها على رد فعل من داخل الجيش، ولم تنظم أيٌ منها تحركات مضادة في المصانع. لكن، للأمانة، لقد أدركوا جميعًا، فيما عدا الماويين اليمينيين، أنه لابد من دعم المظليين. وبعد خيانة الحزب الشيوعي لهم، صار الجنود الجذريون وحلفاؤهم من اليسار الثوري معزولين تمامًا، وسط سيلٍ من الأكاذيب التي تطلقها الحكومة المدعومة من الحزب الشيوعي، مفادها أن محاولة التخلص من كارفاليو تمثل استعراضًا لسلطة الدولة.

صار الحزب الثوري للبروليتاريا، لبضعة أسابيع، ينظم دعايته السياسية التي أعطت انطباعًا بأن تلك الأحداث قصيرة الأمد. لم يؤثّر هذا الخطأ مباشرةً على المسار الأساسي للأحداث؛ فدور الحزب كان ضئيلًا في تنظيم المقاومة العسكرية، لكنه جعل الحزب عُرضة لتهمة “الانقلابية”، كما كشف لمؤيديه المعزولين عن الفجوة الواسعة المُحبِطة التي مازالت بين الواقع وبناء سلطة العمال.

« السابق التالي »