بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

بروفات ثورية (2) | البرتغال 74 – 1975: ثورة العمال والجنود

« السابق

14- دروس الثورة البرتغالية

لم تكن هناك أية تنظيمات للطبقة العاملة في 25 أبريل 1974 من أي نوع. وكان كلٌ من الغياب التام لتأثير البيروقراطية النقابية، والأبعاد اللا محدودة للنضال الذي تفجر بعد عقود من انتظار الطبقة العاملة التي تحطمت حركتها منذ عقود، كان هذان العاملان معًا قد منحا فرصًا عظيمة لأولئك الراغبين في بناء بديل ثوري. حتى سواريس كان نفسه يتحدث بمفردات النضال الثوري، رغم أنه كان يسخرها بالطبع لأهدافه هو.

لكن الفراغ الذي تُرِكَ بعد الإطاحة بكاتيانو لم يكن إيجابيًا بشكل كبير. أما الغياب الطويل لشبكة عمل يمكن من خلالها أن ينشط السياسيون الإصلاحيون، فقد مكَّنتهم من الظهور بشكل فعَّال كأبطال في أعين العمال، ولم يكن هناك بديل عملي يثبت عكس ذلك. لم يضمن ذلك، مُقدَّمًا، أن الحزبين الاشتراكي والشيوعي سينجزان أهدافهما، لكنه كان يعني أن العمال المناضلين، منذ أن بدأت الحركة الجماهيرية في النمو والتصاعد، سيتذكرون الإصلاحيين ليس باعتبارهم مهندسي الخيانة المنظمة لهم، بل كمقاتلين بارزين ضد الفاشية، وكسياسيين عانوا الأمرَّين مثلهم في ظل نظام الحكم القديم.

تطلب توضيح أن الطريق إلى الاشتراكية يمر عبر الثورة تدخلًا عميقًا في كل مساحات الحركة الجماهيرية، وبالأخص في قلبها، ألا وهو نضال الطبقة العاملة، ليس فقط لـ”فضح” القادة الإصلاحيين، بل ببناء منظمة يكون بمقدورها الربط بين النضالات الكثيرة والتوضيح العملي في الممارسة أن الانتصار يعتمد على التنظيم الثوري. كانت هناك بالفعل فرصٌ لذلك، والتنظيمات الثورية كانت بالفعل تؤثر في الأحداث في وقت ما بشكل كبير. كانت “الجنود المتحدون ينتصرون”، واللجان العمالية، ولجنة النضال في سيتوبال، على سبيل المثال، منظمات تأسست في المقام الأول بمبادرات من الثوريين. ومن هذه المنظمات كُسِبَ بعض المناضلين إلى فكرة أن المجتمع يمكن تغييره فقط عبر الانتفاضة.

لكن ما هو الشرط السابق الرئيسي للثورة الاشتراكية، أن تؤيدها قطاعات عريضة من الجماهير وتفهم الحاجة إليها، أن يحقق الثوريون الهيمنة داخل الطبقة العاملة ككل؟

من أجل هذه المهمة الشاقة، خلقت المجموعات الصغيرة من الثوريين تراثًا وتقاليد سياسية تشكلت أولًا من خلال خبرتهم في العمل في الأجواء الصعبة للبرتغال في ظل حكم كاتيانو، وثانيًا من خلال الكيفية التي عرَّفوا بها أنفسهم في علاقتهم بالحركات الأخرى على المستوى الدولي. كانت الميل نحو “العالم ثالثية” للمغامرات العسكرية منتشر وسائد بالفعل. عرَّفت الكثير من المجموعات اليسارية الكبيرة نفسها أنها ماوية، وقد جمعت بين الكراهية العميقة للحزب الشيوعي “الفاشي الاجتماعي”، ونظرية المراحل. مجموعات أخرى اصطفت إلى جانب هذا القسم أو ذاك من تروتسكيي للأممية الرابعة “الأرثوذكس”. شهدت الكثير من المجموعات تطورًا معقولًا خلال هذه الفترة التي ماجت بالاضطرابات.

فتح الاشتراكيون الأمميون في بريطانيا، مؤسسو حزب العمال الاشتراكي، الكثير من النقاشات مع الحزب الثوري للبروليتاريا، معتقدين أن النقد الرفاقي، والدعم العملي، وخبرة الحزب الثوري للبروليتاريا نفسه سوف تمكَّنه من تقديم قيادة فعَّالة للنضال. كان من المستحيل وقتها، مع الوضع في الاعتبار سرعة الأحداث المرتبطة ارتباطًا شرطيًا بأية انتفاضة ثورية، أن ينتظر حزب العمال الاشتراكي البريطاني حتى تنهض منظمة ثورية تتوافق بشكل أكبر مع سياساته. كان الحزب الثوري للبروليتاريا واضحًا في اعتباره أن هذا المجتمع لا يمكن إصلاحه، أن من الضروري تحطيم الدولة الرأسمالية. لم يكن يشارك الماويون سواء في نظرية المراحل أو نظرية الفاشية الاجتماعية، ولم ينجرف في التيار السائد للتروتسكيين الأرثوذكس لطرح المطالب على الإصلاحيين وكأنهم قادرين على الفعل الثوري. لكن الحزب لم يكن قادرًا على تجاوز بعض من السمات السلبية المتوارثة من خبرة عمله السري في ظل حكم كاتيانو. ومُزِجَت بعض أفكار حرب العصابات بسهولة مع فكرة أن النضال داخل الجيش هي المحور الأساسي الذي يركِّز الثوريون فيه جهودهم.

كانت بداية الثورة البرتغالية بتمرد داخل جهاز الدولة هي التي دفعت بالطبع قطاعات من الجيش وجعلتها أكثر عُرضة لتأثير الحركة الجماهيرية خارج الجيش مما جرت الأمور عليه في أغلب التحركات الثورية، حيث تحدث التشققات داخل الجيش لاحقًا نتيجة للأزمة الاجتماعية والسياسية. في هذه النقطة تُعد القضية الأساسية هي ما إذا كانت حركة العمال قد تطورت لتصل إلى الحد الذي تقدم فيه للجنود القاعديين في الجيش بديلًا محتملًا للسلطة – بديل الدولة العمالية.

كانت للنضال الطبقي داخل الجيش البرتغالي فرصٌ واحتمالات كثيرة، لكن تقدمه ليتجاوز نقطة معينة كان مستحيلًا دون أن توشك الحركة العمالية أن تصفي الحسابات مع البرجوازية. لم يكن الضباط الجذريون يمكنهم استبدال الجنود، ناهيك عن استبدال الطبقة العاملة. وكما ذكر عضو مجموعة التسعة، بيزارات كوريا، فإن:

“أريد حقًا أن أرى تغييرًا جذريًا في المجتمع البرتغالي، لكني لا أعتقد أن الجيش يصنع ثوريين جيدين. ينتمي الضباط إلى الطبقة البرجوازية، وبرغم أنهم قد يتحركون كما فعلت حركة القوات المسلحة، إلا أنهم ليسوا الطبقة الثورية الحقيقية. ينتهي بهم الحال إلى التناقضات الداخلية… أظن أن موقفي أنا نفسي يعكس مثل هذه التناقضات. وبسبب تدريبي العسكري، فأنا مهتم بالنظام والانضباط، لكن بسبب وعيي الاجتماعي، أريد أن أرى تغييرًا محددًا بالنظام والانضباط أيضًا. هل هذا ممكن؟”.

المسألة الحاسمة هنا هي إذن تطوير حركة الطبقة العاملة نفسها. كان الكثير من اليساريين يميلون إلى التقليل من شأن تأثير الحزب الشيوعي داخل الطبقة العاملة، وفي المقابل يبالغون في القدرة “التلقائية” لدى الطبقة العاملة على تجاوز هذا التأثير. أدى هذا المنظور باليسار الثوري إلى “اللا حزبية”، كما أدى بهم إلى تسخير طاقاتهم خارج القوات المسلحة في بناء منظمات عمالية، وكأنها كافية في حد ذاتها – بدلًا من النضال أيضًا من أجل التأثير عليها وعلى كافة المنظمات العمالية الجماهيرية.

كان الآلاف من العمال، المستائين من الحزب الشيوعي، يبحثون عن بديلٍ عملي، لكن لم يلقوا إلا ماريو سواريس والحزب الاشتراكي. وكان من الممكن أن يرسي النضال على مطالب العمال اليومية المباشرة قاعدة متينة لبديل حقيقي. وفي المقابل، جادل الحزب الثوري للبروليتاريا، مشيرًا إلى كوبا، بأنه يمكن كسب تأييد الطبقة العاملة بشكل أكبر بعد الانتفاضة المسلحة والاستيلاء على السلطة.

كانت هناك فرصٌ حقيقية في البرتغال 1974 و1975 لبناء حزب ثوري جماهيري للطبقة العاملة. انفتحت كتلٌ كبيرة من العمال على الأفكار الثورية، خاصةً حينما بات واضحًا أن بعض الأصدقاء المُفترَضين للثورة – مثل سبينولا – هم في الحقيقة ألد أعدائها. هذه التجربة فتحت الباب على مصراعيه للتساؤل والتشكك، وصارت روح العمال أكثر نقدية مما كانت عليه في أبريل ومايو 1974 حينما كانت “الرفاقية” عشوائية لا تميِّز بين الساسة، فيما عدا الفاشيين.

لم تكن جاذبية الحلول الإصلاحية هي ما سمحت للحزبين الاشتراكي والشيوعي بالاضطلاع بالأدوار التي قاموا بها، بقدر ما كان فشل اليسار الثوري.

يحتاج تبادل الأدوار بين الحزبين الشيوعي والاشتراكي بعض التشديد هنا. في أغلب الفترة الممتدة حتى نهاية صيف 1975، كان الحزب الشيوعي هو من يلعب الدور المركزي في تثبيط الإضرابات العمالية، وشنَّ في هذا السياق “معركة الإنتاج”، تاركًا الحزب الاشتراكي ليتمكن من الدمج بين “المسئولية” في المناطق التي كان النضال فيها ضعيفًا، بجذريته الزائفة الانتهازية في المناطق التي كان فيها متقدمًا. كانت تلك فرصة جيدة للحزب الاشتراكي لتفعيل ممارساته الاشتراكية الديمقراطية بأقوى ما يكون، لكسب المزيد من العمال وإعطاء بريق ثوريّ لنشاطه. خدع ذلك الكثير ممن صاروا بعد ذلك تروتسكيين جيدين، فقد رأى هؤلاء الحزب الاشتراكي كطليعة ديمقراطية ضد الميول الستالينية للحزب الشيوعي وحركة القوات المسلحة، رأوه كحزب اشتراكي مميز وفريد.

تبددت فرادة الحزب الاشتراكي وتميّزه بشكل أكبر في الحقيقة بإجراءاته هو نفسه في صيف 1975، حين شن حملة عنيفة “ضد الشيوعية”، سعت باسم الديمقراطية لاستعادة وسائل الإعلام إلى مالكيها، وإعادة الجنود الجذريين إلى أماكنهم، فاتحةً الباب أمام سلسلة من الاعتداءات الرجعية على مكاتب كلٍ من الحزب الشيوعي وقوى اليسار الثوري. كان الحزب حريصًا على ألا ينخرط بنفسه في ذلك، لكن اتضح أن الكثير من عناصره اليمينيين كانوا بالفعل مشاركين.

الحقيقة الملموسة هي، برغم ذلك، أن الحزب الاشتراكي أعطى قيادة سياسية للرجعية. كانت أحزابٌ مثله تُعد العدة من أجل شن هجمة رجعية قصوى. ذهب الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني في العام 1919 إلى ما هو أبعد من ذلك، لينظم على مسئوليته الخاصة عملية سحق الحركة الثورية باسم الديمقراطية. وفي البرتغال، كانت على أي محاولة جادة لسرقة مكتسبات الحركة الجماهيرية أن تتضمن الهجوم على القطاعات الأفضل والأكثر تنظيمًا من العمال والضباط الجذريين. كانت إرادة الحزب الاشتراكي ورغبته في الاضطلاع بدورٍ في ذلك مشروطة فقط بوجود قوى أخرى تتولى الجوانب الأقذر في هذا العمل.

لقد فرض مسار النضال في البرتغال أيضًا بعض الخصائص المميزة لتطور الحزب الشيوعي. كانت بعض المناظرات العلنية، بين المتحدثين الرسميين للحزب وللحزبين الشيوعيين الإيطالي والإسباني، تُعرَض بشكل واسع. كانت الأحزاب الثلاثة تسعى لتحقيق شراكة فيما بينهم في منظورهم للرأسماليات الوطنية، لكن الحزب البرتغالي كان يسعى لهذا الهدف في ظروف مختلفة.

لم يكن الحزب الشيوعي يمكنه، في المقام الأول، الاستناد على عضوية كبيرة ومخلصة تدربت وتمرَّسَت في طريقه ذي الطبيعة الخاصة للوصول إلى الاشتراكية عبر البرلمان، تلك الأفكار التي انغرست في القلب من الأحزاب الشيوعية منذ زمن طويل. لابد أن حداثة ونضالية الكثير من عضوية الحزب الشيوعي أدت لضرورة بذل قيادة الحزب مجهود كبير وخوضها نقاشات مخجلة حول “معركة الإنتاج”. وقد أدى ذلك بالطبع إلى تمايز داخلي في الحزب إلى ثلاثة مجموعات داخل القيادة نفسها، وهو الأمر غير المألوف في الأحزاب الستالينية المُعتادة على “الانضباط على وجهة نظر واحدة”.

كان على الحزب الشيوعي قبل كل شيء أن يتعامل مع ضغطٍ مستمر من الحركة العمالية الصاعدة والقوية، ليحاول يائسًا السيطرة عليها. وفي وقتٍ متأخر من صيف 1975، أصبح الضغط النضالي من أسفل يهدد الحزب بجدية. ويفسر هذا جزئيًا التحول المفاجئ للحزب نحو اليسار في ذلك الوقت. كان الدور المركزي لحركة القوات المسلحة يمثل أحد الخصائص الرئيسي للسياق الذي كان يعمل فيه الحزب الشيوعي. أما التكيف مع الاشتراكية الديمقراطية، والذي كان مهمًا للغاية في بلدان أخرى، فقد حُجِبَ خلف معركة التأثير في جهاز الدولة، وما يوضح ذلك بأكثر الصور جلاءً هو رفض الحزب الشيوعي الرضوخ للحزب الاشتراكي بعدما حقق الأخير أصواتًا أكثر في انتخابات الجمعية التأسيسية، وهو أمر غير المعقول بالنسبة للأحزاب الشيوعية في بلدان أخرى في أوروبا الغربية.

كلا الحزبين الإصلاحيين إذن كانا مُجبرين على التصرف بطرق مختلفة، في العديد من جوانبها، عن الخبرة السائدة في أوروبا الغربية. لكن ظل الحزبان بالأساس إصلاحيَين، ملتزمَين بالحفاظ على الركائز الأساسية للمجتمع الرأسمالي، وبالتالي كانا مستعدَين للعمل في تعارض مباشر مع مصالح مؤيدي طبقتهم العاملة. وبتقسيم العمل بينهما في هذه المهمة، كانا قادرَين على انتشال الطبقة الحاكمة البرتغالية مما عانته من صدمات.

أعادت الرأسمالية فرض سيطرتها على الطبقة العاملة البرتغالية في السنوات بعد 1975، صحيح أن هذه العملية لم تكن سهلة بالمرة، لكن الطبقة العاملة لم تستمر في الصدارة كما كانت. إنّ أحد أهم دروس الثورة البرتغالية هو أن حالة السلبية هذه ليست حتمية، فالتغيرات الهائلة في الوعي السياسي والقدرة على التنظيم في عامي 1974 و1975 تشهد على قوة الطبقة العاملة وإمكاناتها. الدرس الآخر هو أنه بدون حزب ثوريٍّ منظمٍ، قادرٍ على طرح قضية سلطة الدولة، وقادرٍ على التركيز على قدرات الطبقة العاملة وطريقها للحل، لن توضع الاشتراكية على جدول الأعمال.

« السابق