بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

بروفات ثورية (2) | البرتغال 74 – 1975: ثورة العمال والجنود

« السابق التالي »

2- حركة القوات المسلحة والانقلاب العسكري

أظهرت الصحافة الجنرال أنطونيو ديما سبينولا، بنظارته أحادية العدسة وعصاه التي يختال بها، كان سبينولا قد حارب في صفوف فرانكو في الحرب الأهلية الإسبانية، كما خدم كمراقب مع قوات ألمانيا النازية على الجبهة الروسية.عبّر الجنرال الذي كان حاكمًا سابقًا لغينيا ومديرًا لمجموعة شركات تشامبليود، عن الغضب المتنامي لدى مؤسسات في كتاب بعنوان “البرتغال والمستقبل”. لم يكن الكتاب، الذي نشرته دار نشر تابعة لشركة سي يو إن، يمثل نصًا ردايكاليًا بأي شكل من الأشكال. فكلتا الشركتين، سي يو إن وتشامبليود، كانتا تضغطان من أجل الدخول في السوق المشتركة وفي المجموعة الاقتصادية الأوروبية، وكذلك من أجل حل استعمارى جديد في أفريقيا.

كانت الأرباح الاستثمارية تتجه بشكل أكبر من الإمبراطورية تجاة المجموعة الاقتصادية الأوروبية، وقد انعكس ذلك التحول في الاستراتيجية السياسية التي تبنتها دوائر الطبقة الحاكمة.

كتب كايتانو في مذكراته:

“فى 18 فبراير، تلقيت نسخة من “البرتغال والمستقبل” مصحوبة بإهداء طيب من المؤلف… حين أغلقت الكتاب، أدركت أن الانقلاب العسكري الذي كنت من قبل أشعر بقدومه، صار حتميًا”.

لكن كايتانو كان يتوجس الحيطة من سبينولا وأتباعه ومعاونيه، وليس من الضباط الصغار ممن ينتمون لحركة القوات المسلحة – MFA. لم يكن بعده على دراية بما أدت إليه الحروب الاستعمارية، اللامنتهية من تحطيم عميق للثقة والولاء السياسيين لدى الضباط ذوي الرتب الوسيطة للنظام الحاكم.

لم يكن هناك أي أفق للانتصار في هذه الحروب. فى مطلع 1974، كان الحزب الأفريقي في غينيا على وشك الانتصار كما أطلقت جبهة التحرر في موزمبيق هجمات جديدة. وصل القتلى من البرتغاليين إلى 13 ألفًا، مما يعد أكبر عدد فقدته البرتغال في أى صراع مسلح منذ حروب نابليون. وبالطبع ألقي اللوم على الجيش بالأساس. صار الكثير من الضباط يشعرون بالعار من ارتداء الزي العسكري في شوارع لشبونة.

أدى الافتقار إلى ضباط متمرسين إلى إصدار مرسوم، في يوليو 1973، يسمح للضباط المجندين في الخدمة لفترات قصيرة بالترقية مع الضباط العاديين العاملين بالجيش. وبعد اصطدام الحكومة بحاجز صلب في الكراهية والعداء أصدرت مرسومًا آخر يضمن الأمان للضباط بدءًا من رتبة نقيب، وبالطبع أثار ذلك سخط الضباط الأصغر. في 9 سبتمبر، وسط الكثير من التدابير الصارمة، اجتمع 136 ضابط، كان أكبرهم في رتبة نقيب في قرية بعيدة، ظاهريًّا في “حفل شواء”. وهكذا بدأت أولى اجتماعات حركة القوات المسلحة.

أسست حركة القوات المسلحة، التي خدم أغلب أعضائها من قبل في غينيا، لجنة تنظيمية. وفي 16 مارس، عمدت الحركة إلى تنفيذ محاولة انقلاب فاشلة، لكن نجيتها أن تراجع النظام عن الإجراءات المعمول بها، فيما نقل أغلب قيادات الحركة إلى وحدات أخرى، لكنهم استمروا في التحريض في وحداتهم الجديدة. كانت قيادات الحركة، وبحلول إبريل 1974، قد بنت شبكة من حوالي 300 ضابط مؤيد وداعم لهم، كما أعدوا أول برنامج للحركة داعين لـ”الديمقراطية والتطوير وإنهاء الاستعمار”.

كان الضباط الذين يمكننا أن نطلق عليهم “اشتراكيين” في ذلك الوقت قليلين بالفعل. لم تكن هناك دلائل على أي صلة تربط حركة القوات المسلحة بحركات المقاومة في أفريقيا، أو بالحزب الشيوعي، أو باليسار الثوري. كانت حركة القوات المسلحة تهدف إلى إنشاء اقتصاد “ديمقراطي حديث” على الطراز الأوروبي الغربي، كما رفضت أن يُلقى عليها اللوم في النكسات التي تعرض لها الجيش في المستعمرات. كانت هذه الأهداف والمنطلقات متسقة مع الخلفية الطبقية لهؤلاء الضباط. إلا أن المطالب التي رفعتها الحركة كانت ذات أثر شديد الخطورة على النظام الاستبدادي البرتغالي، وقد جعلت الصدام مع النظام حتميًا.

أذاع راديو النهضة الكاثوليكي أغنية “جراندوا لافيلا مورينا”، في 25 أبريل 1974، في الدقيقة الخامسة والعشرين بعد منتصف الليل. وكانت تلك إشارة بدء الانقلاب.

بعض الجنود كانوا قد اتخذوا خطوات حاسمة بالفعل. ثارت الكتيبة الهندسية، في قلعة بونتينا على الحدود الشمالية للشبونة، وسيطرت على الثكنات. كان الهدف الرئيسي لكارف لو هو “استعادة هيبة الجيش والقوات المسلحة”. كان الرجل قد ظهر من قبل في بعض الصور باكيًا سالازار في جنازته، لكنه لعب دورًا مهما في عملية تطور الثورة.

نجح الانقلاب بسهولة بالغة. تحركت دزينة من الوحدات العسكرية لتسيطر على محطات الراديو والتليفزيون، وكذلك المطار ومقر القيادة العسكرية العامة، ولم تواجه إلا مقاومة ضئيلة الشأن. قُتل فقط أربعة أشخاص، أطلق النار عليهم عملاء الشرطة المذعورين. تفتت النظام الذي استمر لما يزيد عن خمسين عامًا في يوم واحد.

“جندي فلاح شاب كان واقفًا للحراسة في أحد شوارع لشبونة، سأله أحد العابرين، وكان يبدو من الطبقة الوسطى ماذا يفعل فى هذا المكان، رد الجندي بأنه أُمِرَ بمراقبة القوات المتمردة. وحين قيل له “لكنكم أنتم الثوار!” ، صاح في زميله: “مانديل، نحن المتمردون، مرحى”.

انتاب التوتر والارتباك قيادة حركة القوات المسلحة إثر هذا السقوط المفاجئ والسريع؛ فلم تكن الحركة تنوي أن تتولى زمام البلد بأسره، ولو حتى بشكل مؤقت. لكن بدفع من المسؤلية، وضرورة الحفاظ عليها، كلّفت اللجنة التنسيقية لحركة القوات المسلحة مجموعة من الجنود البارزين، بقيادة الجنرال سبينولا، بتولى القيادة. هذا المجلس العسكري شكل بدوره الحكومة المؤقتة الأولى.

« السابق التالي »