بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

بروفات ثورية (2) | البرتغال 74 – 1975: ثورة العمال والجنود

« السابق التالي »

3- الكرنفال

كان رد فعل الجمهور على الانقلاب في البدء حذرًا ومربكًا. هرع الكثيرون لتخزين الوقود والسلع الأساسية. أبقى الآباء على أطفالهم داخل المنازل. لكن سرعان ما خرج عمالٌ وفلاحون وشباب إلى الشوارع لمتابعة ما يحدث. تجمعت الحشود في الميادين الرئيسية في لشبونة:

“اقتربت القوات منا. ماذا سيحدث؟ رفعوا أيديهم مشيرين بعلامة النصر. هتفت الحشود كما لم أسمع هتافات من قبل. كان الناس يصيحون في غضب، لكن الأمر كان ممتعًا بشدة”.

سرعان ما كسب شعار “القوات المسلحة مع الشعب، والشعب مع القوات المسلحة” شعبية هائلة. صارت أزهار القرنفل الأحمر شعارًا للثورة؛ حيث اللون الأحمر للتعبير عن الثورة، والقرنفل ليرمز للسلام. كان الجنود يتلقون من الناس أزهار القرنفل ويعلقونها في فوهات بنادقهم. في نهاية اليوم، انتشرت أسراب الدبابات في الشوارع حاملة من تسلقها من الشباب المبتهج بالحدث. هاجم المتظاهرون عملاء الشرطة السرية الذين فرّوا هاربين من الإعدام. سُجِنَ حوالى 100 من عملاء الشرطة السرية، كما أُطلق سراح 200 من السجناء السياسيين. لم يجرِ ذلك إلا بأيدى الحشود الجماهيرية. تغيرت أسماء الشوارع والكباري، وتزيّنت الجدران برسومات الجرافيتي والشعارات السياسية والملصقات، ولاحقًا غطتهما الجداريات الكبيرة. أُعلن الأول من مايو عيدا قوميا. أما الأيام بين 25 أبريل و1 مايو كانت بمثابة “عيدٍ للمضطهدين”. حتى عاملات الجنس قد نظّمن أنفسهن، وعرضن خدماتهن بنصف الثمن للرتب العسكرية دون الملازم.

سريعًا ما أطلق الانقلاب العنان للتطلعات والطاقات الجماهيرية. في 29 إبريل، احتلت أكثر من 100 عائلة من المناطق العشوائية مشروعًا حكوميًا جديدًا للإسكان في ضواحى لشبونة. واحتُلّ خلال الإسبوعين التاليين، أكثر من ألفي منزل عبر البلاد كما نهضت حركة لجان السكان خلال الشهور الثمانية عشر التالية.

زعمت حركة القوات المسلحة لاحقا أنها كانت بمثابة “محرّك” الثورة. لكن في الحقيقة، كانت الحركة حذرة للغاية في الأيام التي تلت الانقلاب. كان المحرك الأساسي للثورة الحركة العمالية.

كان مصنعًا واحدًا للصناعات المعدنية في يوم الانقلاب نفسه قد شهد إضرابًا عن العمل، وكان يتضمن حوالى ألفيّ عامل. طالب هؤلاء العمال بحد أدنى للأجر 6 آلاف إسكودو شهريًا، فيما اعترفت الإدارة فورًا بهذا المطلب ووعدت بتنفيذه إثر خوفها من أن يصفها حكام البرتغال الجدد بالفاشية. لكن المجلس العسكري لم يكن سعيدًا بهذا الاتفاق الذي أجبر العمال الإدارةَ عليه، واعتبره مثالًا “لا يجب أن يُحتذى به”.

توجه أغلب العمال بعد 25 أبريل إلى أعمالهم ومصانعهم، لكنهم قضوا اليوم احتفالا. سرعان ما تحوّلت هذه الاحتفالات إلى معارك، حيث رغبت مجالس إدارات الشركات والمصانع في العودة للإنتاج سريعا، بينما سعى العمال لنقل الثورة إلى أماكن العمل. نشبت هذه الصراعات العفوية وغير المنسقة بالأساس في الصناعات الجديدة مثل الإلكترونيات وبناء السفن، وفي القطاعات المستمدة من الصناعات الأقدم مثل النسيج والبناء. رُفعت المطالب الاقتصادية والسياسية سويًا، وقد انتشرت المطالب المتعلقة بالأجور عفويًا كالنار في الهشيم. يتذكر أهم المشاركين اجتماعًا عُقِدَ في أوائل مايو نظمته عاملات النسيج، يقول:

“كان هناك 7 أو 8 آلاف شخص. كان كل شىءٍ مرتبكًا. صاح أحدهم: هل علينا المطالبة بزيادة 3 آلاف إسكودو. جاءت الإجابة من كل مكان “لا… 4 آلاف”، ثم “لا… 5 آلاف”.

أضرب عمال شركة تايمكس لإنتاج الساعات، وغالبيتهم من النساء، من أجل زيادة الأجور، وطُرد 6 من مخبري الشرطة السرية. كانوا يبيعون الساعات في الشارع من أجل دعم تمويل الاضراب. وأضرب في 13 مايو 1600 عاملٍ من عمال المناجم في بانا سكويرا من أجل إقرار حد أدنى 6 آلاف إسكودو شهريًا، ورعاية طبية مجانية، وزيادة سنوية من الأجر الشهري، ويوم عطلة في الشهر، بالإضافة إلى طرد الفاشيين. وفي خلال أسبوع واحد، كانوا قد انتزعوا كافة مطالبهم. واحتلّ عمال ليسناف في 15 مايو أحواض السفن الـ 8400، وأضربوا عن العمل من أجل إقرار 40 ساعة عمل فقط في الأسبوع وحد أدنى للأجر 7800 إسكودو شهريًا.

شهد 158 موقع عمل مواجهات حادة خلال شهر مايو فقط، من بينهم 35 اعتصام واحتلال لموقع العمل. احتجز العمال في أربعة منهم مدرائهم لتنفيذ مطالبهم.

توازت المطالب الاقتصادية مع دعوات التطهير من كافة المدراء ذوى الصلات مع الفاشيين في الشركات الكبرى، بالأخص الشركات المتعددة الجنسيات. كان ذلك يعني في بعض المواقع طرد المدراء جميعهم. سُميت هذه الظاهرة بـ”التطهير”، وسرعان ما تجاوزت عملاء الفاشية لتشمل كل من يقف في وجه العمال ومطالبهم. اجتاحت عملية التطهير تلك أكثر من نصف الشركات التي يعمل بها 500 شخص فأكثر، كاشفةً عن ضعف مجالس الإدارات من جانب، والثقة المتنامية لدى العمال من جانب آخر. طرح التطهير مسألة السلطة وتولى زمام الأمور في نظافة المصانع، ودفعها إلى الصدارة.

في ذلك الوقت، كانت 0.4% من الشركات في البرتغال تسيطر على 53% من رأس المال في البلاد. وبالتوازى مع آلاف الورش والمصانع الصغيرة، نمت في البرتغال بعض من المصانع والشركات الأضخم والأكثر حداثة في أوروبا كلها. وحتى في العالم 1955، كان 86% من الإنتاج الصناعى يأتي من المناطق الصناعية التابعة للشبونة، أو المنطقة بين بورتو والشاطئ؛ لذا فقد كانت الطبقة العاملة الصناعية البرتغالية، التي تقدر إجمالًا بحوالي مليون عامل، أربعة أعشار العمالة في البلاد، شديدة التمركز في مناطق مثل لشبونة؛ حيث أضرب حوالي 200 ألف عامل في مايو، كان العمال علي استعداد للتعلم من نضال بعضهم ومساندة بعضهم بعضًا.

لم تكن لجان العمال قبل 25 مايو تستمر لفترات طويلة، كانت تواصل عملها خلال فترات الإضرابات فقط، أما بعد الانقلاب فقد انتشرت لجان العمال على نحو واسع النطاق. لكن حتى في مدينة ليسناف البروليتارية، خلال إضراب مايو 1974:

“لم تكن الأمور منظمة جيدًا، بل كانت تسير بمنطق “هيا بنا، فلنفعل شيئًا”. لكن لاحقًا، كانت الانتخابات تجري بشكل صحيح بناءً على مواقع العمل”.

كانت اللجان والمجالس العمالية بحلول نهاية مايو 1974 قد تشكلت في أغلب مواقع العمل في منطقة لشبونة الصناعية. تقول التقديرات أن بين مايو وأكتوبر نشأت حوالي أربعة آلاف لجنة عمالية، غالبًا من خلال التجمعات الجماهيرية في كل مواقع العمل. لعبت هذه اللجان دورًا هامًا في توحيد حركة العمال في مواقعهم.

تجاهل الكثير من المناضلين النقابات خلال شهر مايو، معتبرين إياها بقايا باقية من النظام الفاشي. في حين أن اللجان العمالية نفسها أحيانا كانت تنشأ في التحام مع اللجان النقابية. كان العمال ينتمون إلى لجنة واحدة في الكثير من مواقع العمل، كمصانع النسيج، إذ كانت اللجنة النقابية هى نفسه اللجنة العمالية.

ربما كانت اللجان العمالية تفتقر إلى التنظيم الرسمي الشرعي، لكن مستوى نضال العمال دفعهم للالتقاء والتجمع بشكل متكرر طيلة الوقت. اتسمت هذه اللجان بدرجة عالية من الديمقراطية. فقد تشكلت مثلا اللجنة العمالية في بليسي من 118 عامل، أصروا على التوجه جميعًا لعقد الاجتماع الأول مع الإدارة للتفاوض على المطالب.

تعلم العمال سريعًا من بعضهم البعض ، ودعموا بعضهم بعضًا، وصارت تجمعاتهم الكبيرة تضم عمالًا من مصانع مختلفة. تتذكر إحدى العاملات أنها قالت ذات مرة في أحد هذه الاجتماعات:

“كنا نتسائل، لماذا نبقى وحدنا إذا كانت نفس المشاكل يواجهها غيرنا أيضًا. قررنا الانضمام إليهم ومناقشة الأمور سويا. كل مصانع جنوب لشبونة كان لها ممثلين في الاجتماع. كانت هناك مساحة بيننا للالتقاء والنقاش. الهدف الأساسي لهذه الاجتماعات كان حماية الثورة”.

كان الجيش في الأسابيع الأولى للثورة يحظى بتأييد شعبي كبير، بما في ذلك الضباط الصغار. في واحد من اجتماعات عاملات النسيج، قاطع أحد الجنود الاجتماع:

“كان خارجًا عن وعيه. طلب سوطًا لأنه يريد شرابا آخر لنفسه ولزملائه”.

يتذكر رئيس الاجتماع الذى كان ناشطًا نقابيًا، الموقف على النحو التالي:

“قلت للجندي أن يغرب عن وجهي، فذهب. غضب الحضور بشدة من تصرفي هذا مع الجندي. ربما كنت سأُعدم إن لم أخبرهم أني ضابط، فقد كنت وقتها مرتديًا الملابس المدنية. كان يُنظر للجنود في ذلك الوقت كأنهم قديسون”.

استغل المجلس العسكري هذه الشعبية من أجل إقناع العمال بالعودة إلى العمل. كان ذلك الوقت فقط لعلاج الموقف وسد الفجوة لا أكثر، لكن حكام البرتغال كان عليهم اتباع أساليب منتظمة وأكثر دوامًا لضبط العمال وإجبارهم على العمل.

« السابق التالي »