بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

بروفات ثورية (2) | البرتغال 74 – 1975: ثورة العمال والجنود

« السابق التالي »

4- الحزب الشيوعي البرتغالي والنقابات

كانت الخطوة الأولى في نزع فتيل الحركة العمالية هي محاولة تشكيل حكومة “وحدة وطنية”، تتمثل فيها مصالح كل الطبقات – بما فيها الطبقة العاملة نفسها. وبالتالي، حظى الحزب الاشتراكى، الذي تأسس قبلها بأقل من عام واحد والذي لم يكن لديه أكثر من 200 عضو، على ثلاثة حقائب وزارية، في الحكومة المؤقتة الأولى في 15 مايو. تمكن زعيم الحزب الاشتراكى، ماريو سواريس، من إقناع سبينولا المتشكك دائمًا، بضرورة عدم إقصاء الحزب الشيوعي من حكومة الوحدة الوطنية، وأنه سيكون أقل ضررًا داخل الحكومة مما سيكون خارجها وضدها. وهكذا صار الأمين العام للحزب الشيوعي، اللفاروكونمال، وزيرًا بدون حقيبة، كما عُيِّنَ ألفينوكونكالفيس، من نقابة موظفي البنوك، وزيرًا للعمل.

كان للحزب الشيوعي تراثًا يُحترم في النضال ضد الفاشية. كان يفخر بأن لديه 247 مرشحًا لانتخابات أبريل 1975، قضوا إجمالًا 440 سنة خلف القضبان.

كان الحزب على مدار سنوات عدة قد أسس منظمة سرية، ربما بلغ أعضاؤها زهاء الـ5 آلاف عضو بحلول 25 أبريل 1974. كان الحزب الشيوعي حقًا هو الوحيد الذي يستند إلى قاعدة أساسية داخل الطبقة العاملة. لكن، كما هو الحال بالنسبة للأحزاب الشيوعية الغربية الأخرى، آمن الحزب بأن مهمته هي بناء تحالف لكل طبقات من أجل تأسيس إطار ديمقراطي برجوازي، يمكنه من داخله أن يوسِّع تأثيره ويحظى بنصيب أكبر. هذا المنظور دفعه لبناء الحزب الاشتراكي كحليف “يساري” مستقبلي. لكن هذا المنظور أيضًا كان يعني رفض فكرة إمكانية قيام ثورة اشتراكية وانتصارها في البرتغال المتأخرة اقتصاديًا، فالأولى بالنسبة له هو بناء قاعدة صناعة وطنية في البلاد. وهكذا كان الحزب الشيوعي البرتغالي دائما ما يشير إلى “أزمة الانتاج”، ودائما ما يحث العمال على “حماية الاقتصاد الوطني”.

تشكل اتحاد النقابات منذ 1970 للنضال من أجل تحسين الأجور وظروف العمل والاعتراف بالنقابات. كان لدى الاتحاد 22 نقابة تحت مظلته في 25 أبريل، وقد زاد العدد إلى 200 في غضون أسابيع قليلة. كان الحزب الشيوعي سابقًا يمثل أحد الأطراف الفاعلة فى الاتحاد. بعد ذلك صار يعد العدة للسيطرة على النقابات، مرسلًا كوادره للعمل بدوام كامل فيهم متحملًا كل نفقاتهم؛ فقد كانت النقابات في تلك الفترة شحيحة الموارد، بحيث لم تكن لتقدر على دفع أجور موظفيها. وهكذا تحوّل الاتحاد إلى مظلة نقابية كبيرة تحت قيادة الحزب الشيوعي.

في 25 مايو، أُجبرت الحكومة على إقرار حد أدنى للأجور بقيمة 3300 إسكودو شهريًا، وهكذا قد زادت الأجور بنسبة 30% في المتوسط. سرَّحت الحكومة بعد أربعة أيام ألفًا من مدراء الشركات الذين كانت تربطهم بعض الصلات بالنظام القديم. هدأت موجة الإضرابات مؤقتًا، أما مجلس المصانع التي انتشرت كالنار في الهشيم، فقد اختفت تقريبًا. استمرت بعض اللجان المصنعية فرادى، جنبًا إلى جنب مع لجان الأحياء في المناطق العشوائية ومشاريع الإسكان المُحتلة.

نظم اتحاد النقابات مظاهرة مناهضة للإضرابات في 1 يونيو، وفقًا لرؤيته بأن زيادات الأجور هذه تكفي. أما الحزب الشيوعي، فقد أوضحت جريدته الأسبوعية “إلى الأمام – Avante”، أن على العمال أن يتجنبوا “المناورات الرجعية التي تستهدف وقوع اضطرابات مصنعية”. كانت المظاهرة في غاية التخبُّط والارتباك، لكنها أظهرت مدى سيطرة الحزب الشيوعي على الاتحاد.

اتضح الدور المشترك بين الحزب الشيوعي والنقابات في الهجوم على المضربين، بشكل جليّ، بالذات في يونيو، الشهر الذي شهد أول هجمة كبرى من قبل الحكومة على عمال البريد – ذلك القطاع العمالي الذي يفتقر أصلًا إلى القوة أو الوزن الاقتصادي. في 18 يونيو، وبعد أن تقلى عمال البريد (25 ألف عامل) عرضًا مستفزًا ومثيرًا للسخرية فيما يخص الأجور، قرروا الإضراب عن العمل، وقد قادت الإضراب لجنة منتخبة خارج سيطرة الاتحاد. نظم العمال مكان الاعتصام وحدوده، كما دبروا الاحتياجات المالية والطبية للعائلات الأفقر، وأصدروا النشرات التي توضح أسباب إضرابهم للعمال الآخرين. سرعان ما اتجه الحزب الشيوعي والاتحاد لمهاجمة المضربين نظرًا لـ”محاولتهم التميز على حساب جماهير المواطنين”. هذا الابتزاز كان مدعومًا بالقوة؛ في 19 يونيو استدعت الحكومة الجيش لكسر الإضراب.

وفي مواجهة هذا التهديد، انعقد اجتماع كبير للجنة الإضراب، التي قوامها 260 عضو، وقد ساد شعورٌ بأنهم مجبرون على التراجع للخلف في مقابل زيادة من 80 إلى 100 إسكودو شهريًا فقط. بالطبع كانت اللجنة تشرح بمرارة ما حدث في بيان دافعت فيه عن الإضراب وفضحت فيه دور الحزب الشيوعي، الذي كان من قبل يفخر بقيادة النضالات التي صار يسعى لتخريبها وكسرها.

على النقيض، دعم الحزب الاشتراكي الإضراب بوضوح، مشددًا على تنظيمه الديمقراطي في مجابهة الحزب الشيوعي الستاليني. وبذلك أعلى الحزب سمعته باعتباره حزبًا “يساريًا”، وهذه الحقيقة أثبتت صحتها لاحقًا.

لم يكن ذلك إلا مجرد انتصار منفصل عن السياق للحكومة المؤقتة؛ فقد كان النضال المستمر يعصف بها من جانب، بينما تأثرت كثيرًا من هجرة رأس المال الأجنبي من جانب آخر، وفي النهاية انهارت تمامًا في 9 يوليو.

« السابق التالي »