بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

بروفات ثورية (2) | البرتغال 74 – 1975: ثورة العمال والجنود

« السابق التالي »

5- حركة القوات المسلحة وانقلاب يوليو

لم تكن الحكومة المؤقتة الأولى تسيطر أبدًا بشكل حاسم على السياسات المعمول بها. ففي الفترة من أبريل حتى يوليو، كانت السلطة الفعلية مُقسَّمة بين ثلاثة مراكز: المجلس العسكري، واللجنة التنسيقية لحركة القوات المسلحة، والحكومة المؤقتة نفسها. ووضعًا في الاعتبار هيبة الجيش من ناحية، وضعف الأحزاب التي شكلت الحكومة المؤقتة من ناحية أخرى، نجد من الطبيعي أن تكون الحكومة المؤقتة هي الأضعف بين مراكز السلطة هذه. وفي نفس الوقت، كانت هناك فروقًا هامة بين جنرالات المجلس العسكري من جانب، وضباط حركة القوات المسلحة ذوي الرتب المتوسّطة من جانب آخر.

كان المجلس العسكري مهتمًا بشكل مبدئي بالحفاظ على النظام السياسي والاقتصادي القائم، وتماسك الجيش تحت قيادته، وهندسة عملية الانتقال “المنظم” إلى الحل النيوكولونيالي في أفريقيا. أما حركة القوات المسلحة، فقد شملت ضباطًا مُجنَّدين لا نصيب دائم لهم في النظام. كانوا معادين للنخبة السياسية القديمة التي جلبت لهم العار في الحروب الاستعمارية، هذه الحروب التي كانوا يطمحون لوضع حدٍ لها. كان هؤلاء الضباط أيضًا عرضة لتأثير الحركة الجماهيرية بشكل كبير.

كان الجنرال سبينولا قد حاول التوفيق بين القوى المختلفة من خلال جمعهم سويًا في “مجلس الدولة” الذي تشكل من أعدادٍ متساوية من ممثلي المجلس العسكري وحركة القوات المسلحة، علاوة على بعض الشخصيات المدنية من ذوي النفوذ المُعيَّنين من قِبل سبينولا نفسه. كان الصعود المتنامي في المستعمرات لحركات التحرر والركود والإحباط المتزايدين في صعود القوات المسلحة، قد فرضوا ضرورة سرعة الانفصال على غير رغبة رأس المال البرتغالي. أما في الداخل، كان من الضروري وضع حلول سريعة لمشكلة الانضباط في العمل بنفس القدر. هذه الأهداف لم تكن ممكنة التحقق دون إشراك حركة القوات المسلحة بشكل مباشر في أعمال الحكومة.

وهكذا ضمت الحكومة الجديدة سبعة ممثلين من حركة القوات المسلحة، وترأسها فاسكو جونكالفس، الذي كان يتعامل عمومًا بشكل إيجابي مع الحزب الشيوعي. كانت واحدة من أولى خطواته هي أنه سنَّ سلسلة من قوانين الإضراب التي شرَّعت إضرابات الأجور لأول مرة، لكنها منعت الإضرابات السياسية والإضرابات التضامنية. كان هذا الطيف اليساري لدى الحكومة المؤقتة الثانية يعكس قوة الحركة العمالية نفسها، بينما عكست إستراتيجيتها العنيفة حدة الأزمة التي وجدت الرأسمالية البرتغالية نفسها فيها.

اعتمد تفعيل القانون ضد العمال، على الرغم من ذلك، على إخلاص وتماسك القوات المسلحة، ذلك التماسك الذي كان آخذًا في الانهيار بشكل متزايد. في تلك الفترة، ومنذ الانقلاب، جذّرت قوة ونضالية الحركة العمالية قطاعات هامة من القوى الموجودة تحت تصرف الدولة. في المناطق التي كانت الحركة فيها قوية بشكل خاص، كانت قطاعات، مثل مهندسي الجيش وكتيبة المدفعية الخفيفة في لشبونة، متعاطفة مع الإضرابات والمظاهرات. انسحقت الشرطة سالازار وكايتانو السرية سيئة الصيت. وأدّى هذا التفكك في أوساط القوات المتبقية إلى تأسيس “قيادة العمليات القارية – COPCON” التي كان مأمولٌ فيها أن “تتدخل بشكل مباشر لدعم السلطات المدنية وتحت إمرتها”. وسرعان ما وُضِعت هذه الآمال قيد الاختبار في الأزمة التي اندلعت إثر محاولات تعزيز القوانين الجديدة بشأن النقابات.

قُدِمَت هذه القوانين في 29 أغسطس، ورد عمال ليسناف عليها بتنظيم إضراب “غير رسمي” ليومٍ واحد، والتظاهر في الشارع ضد القوانين ومن أجل بعض المطالب الأخرى. أوضح منشورهم:

“حين تخرج علينا الحكومة بقوانين معادية للطبقة العاملة من شأنها إجهاض نضالات العمال ضد الاستغلال الرأسمالي، فإننا لا نؤيد هذه الحكومة. علينا أن نتصدى بقوة للقانون المعادي للإضراب، إذ أنه يمثل ضربة قاضية لحرية العمال”.

هوجمت المظاهرة من قبل الحزب الشيوعي، كما حظرتها الحكومة. لكن، هل مُنعت جسديًا من قبل قيادة العمليات القارية، التي أعلنت بالفعل تأييدها للقوانين؟ احتشد أكثر من 5 آلاف عامل من ليسناف في صفوفٍ مكتظة، مرتدين الخوذات، ونظموا مسيرة إلى وزارة العمل في لشبونة. أُوقفت أحواض السفن تمامًا، وكان تأثير ذلك على جنود قيادة العمليات القارية كبيرًا، وقد أدلى أحد هؤلاء الجنود بشهادته كالتالي:

“قبل الغداء، سارت شائعات مفادها أننا سنخرج في مهمة، وكان من الطبيعي أن نتوقع أننا سنخرج إلى ليسناف… اصطففنا في منتصف اليوم، وأخبرنا القائد أنه تلقى اتصالًا هاتفيًا يبلغه بمظاهرة في ليسناف يتزعمها بعض المحرضين اليساريين، وأن مهمتنا هي منع هذه المظاهرة قبل بدايتها. كنا مُسلحين كما لم نكن من قبل.

بدأت المظاهرة، وتقدم سيلٌ من البشر بهتافات “الجنود أبناء العمال”، و”غدًا سيصير الجنود عمالًا”، و”لا ينبغي أن ينقلب الجنود ضد العمال”. وسرعان ما أدرك القائد أننا لن نتبع أوامره، لذا فقد لزم الصمت. نكَّسنا أسلحتنا، وكان بعض رفاقنا الجنود يبكون. ولدى عودتنا للثكنة مرة أخرى، لم يكن القائد منزعجًا بشدة من ذلك، لكنه فقط أخبرنا أن علينا في المستقبل إطاعة أوامره… فيما بعد، صارت الأمور تسير في الثكنات على نحو أكثر حيوية بما لا يُقاس. قبل طابور الصباح، كان الكثير من الجنود يستيقظون مبكرًا ليرددوا شعارات المظاهرة هاتفين إياها: الجنود أبناء العمال – يسقط الاستغلال الرأسمالي”.

وفي منشور لهم، توصل عمال ليسناف إلى الاستنتاج السياسي التالي:

“نحن نؤيد القوات المسلحة طالما أنها تساند نضالات الطبقات المُضطهَدة والمُستغَلة ضد الطبقات المُضطهِدة والمُستغِلة”.

هذا الدعم النقدي كان مُبرَّرًا تمامًا؛ إذ كانت وحدات قيادة العمليات القارية مازالت تُستخدم ضد العمال. نظّم العاملون بالخطوط الجوية البرتغالية في سبتمبر إضرابًا عن العمل. وُضِعَت المطارات تحت سيطرة الجيش، وألقت قيادة العمليات القارية القبض على واحدٍ من قيادات العمال يُدعى سانتوس جونور. لكن في ذلك الوقت، كانت قيادة العمليات القارية غالبًا ما تستمع للعمال، وتتدخل للتحكيم في المنازعات – كانت بالكاد تقوم بدور الخدمة غير المشروطة للقوى المدنية، ذلك الدور الذي تصوره وتوخاه مؤسسي الكتيبة في البداية.

بحلول شهر سبتمبر، صار الصناعيون الكبار، الذين رحبوا في البداية بانقلاب 25 أبريل، ينددون بالحكومة المؤقتة بأكثر الأساليب قسوة؛ فقد كان القلق يساورهم من فقدان الثقة في القوات، وطالما كانوا يتوقون – يائسين – لاستعادة النظام والعمل بالقوانين مرة أخرى. فرَّ الكثير من مالكي المصانع والمستثمرين الأجانب وسحبوا استثماراتهم من البرتغال، وتوصلت حينئذٍ قطاعات من الطبقة الحاكمة إلى استنتاج مفاده أن استخدام القوات المسلحة صار ضرورة تزداد إلحاحًا.

ذهب كبار الصناعيين لمقابلة سبينولا وبعض الجنرالات الآخرين، وقد ناشد سبينولا “الأغلبية الصامتة” بالتحرك في مسيرة كان من المُتَصوَّر أن يشارك فيها ما لا يقل عن 300 ألف متظاهر. تَسَلَمَ الفاشيون الكثير من السلاح، وأشعلوا الكثير من الفوضى والاضطرابات لتقديم ذريعة كافية للجنرالات للتدخل ومهاجمة اليسار وإعادة فرض “النظام”.

لكنهم غفلوا عن أن يضعوا في حسبانهم رد فعل جماهير العمال؛ فمنذ الساعة الثامنة مساء يوم 27 سبتمبر، حين كانت المظاهرة المزمع تنظيمها في أوجها، أُقيمت المتاريس، بعضها كان مدججًا بالسلاح، في كل الطرق الرئيسية المؤدية للشبونة. اضطلع كلٌ من الحزب الشيوعي والنقابات بدور كبير في الحشد، إذ كانت مكاسبهم هم أيضًا مُهدَّدة. وكانت نقابة السكك الحديدية قد وجَّهت أعضاءها بإيقاف القطارات الخاصة المتجهة إلى لشبونة، والبحث عوضًا عن ذلك لمواعيد قطارات مؤجلة لكل المسافرين اليمينيين. كما فعلت نقابة سائقي الحافلات الشيء نفسه، وباستثناء حافلتين اثنتين مملوءتين بالمتظاهرين اليمينيين، لم تتحرك الحافلات إلى لشبونة. انضم الجنود إلى متاريس العمال، أما مظاهرة “الأغلبية الصامتة” فلم تحدث من الأصل.

استقال سبينولا من منصب الرئيس في 29 سبتمبرمع ثلاثة آخرين من المجلس العسكري. ألقت حركة القوات المسلحة القبض على مئات الأشخاص، من ضمنهم الضابط السابق المليونير وعضو المجلس العسكري جالفاو دي ميلو. في اليوم التالي، انحل المجلس العسكري، واستُبدِلَ بـ”مجلس الثورة” الذي هيمنت عليه حركة القوات المسلحة. وهكذا قامت الحكومة المؤقتة الثالثة.

« السابق التالي »