بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

بروفات ثورية (2) | البرتغال 74 – 1975: ثورة العمال والجنود

« السابق التالي »

6- اليسار الثوري

أنعش فشل محاولة الانقلاب في سبتمبر كل فصائل اليسار، وشجَّع أعدادًا هائلة من الناس للاقتراب من أفكار كل من عارض اليمين وتَفحُصها. أُلغيَت الرقابة، وكان العمال والجنود متعطشين لهذه الأفكار. قرأ الكثيرون كتابات ليون تروتسكي عن السلطة المزدوجة، كما احتل كتاب لينين “الدولة والثورة” رقم واحد في مبيعات الكتب. لكن المجموعات الثورية لم تعبِّد الطرق لأولئك المهتمين بأفكارهم. كانت الجرائد الثورية مملة في أغلب الأوقات، تعج برطانة بعيدة عن خبرات العمال، تعبر عنها فقط بلغة غامضة وعصبوية. ورغم ذلك، بيعت الكثير من نسخ أعدادها. كان البائعون يتجهون إلى المحطات في لشبونة بحِزَم من مئات النسخ من هذه الجرائد ليعودوا بعد أن يبيعونها جميعًا. كانت “حركة إعادة تنظيم حزب البروليتاريا – MRPP” الماوية تطبع مائة ألف نسخة في كل عدد من جريدتها “النضال الشعبي”، رغم أن النسخ المُباعة كانت أقل كثير.

تأسست هذه الحركة في 1970. وبحلول العام 1974، صارت الحركة الأكبر والأقوى، وتحديدًا الأكثر إزعاجًا للسلطة بين المجموعات الماوية الأخرى. نددت الحركة بحركة القوات المسلحة وقيادة العمليات القارية والحزب الشيوعي، وبالدور الذي تلعبه النقابات. اعتبرت الحركة أعضاء الحزب الشيوعي “فاشيين اجتماعيين”، وهو نفس المصطلح الذي استخدمه الستالينيون للتنديد بالاشتراكيين الديمقراطيين في أوائل الثلاثينات. كانت الحركة تعتبر الحزب الشيوعي عدوها الرئيسي.

خلال المرحلة الأولى من الثورة، حين كانت الحكومة مؤلَّفة بشراكة بين الحزب الشيوعي وحركة القوات المسلحة، وحين كانت قيادة العمليات القارية تُرسَل في الكثير من الأحيان ضد العمال المضربين، لم تكن العصبوية القصوى لهذه المجموعة الماوية عيبًا معوَّقًا لهم – من المهم هنا أن نلتفت إلى الوجود القوي الذي تمتعت به المجموعة في شركة تايمكس لإنتاج الساعات وفي الخطوط الجوية البرتغالية، اللذين شهدا سويًا تدخلات سافرة من قِبَل قيادة العمليات الجوية. لكن “حركة إعادة تنظيم حزب البروليتاري” كانت مستعدة في نفس الوقت للاصطفاف إلى جانب الهجمات من اليمين، فهذا التأثير وهذا النفوذ كانا قد بُنيا خلال التحالف مع الحزب الاشتراكي الذي كان لديه قلة من الأعضاء المنظمين في الورش، وكان مستعدًا بالطبع للتحالف مع الحركة في معركتها ضد الحزب الشيوعي.

وفي صيف 1975، حينما بدأ الرجعيون في مهاجمة وحرق مكاتب الحزب الشيوعي وبقية فصائل اليسار الثوري، وصفت “حركة إعادة تنظيم حزب البروليتاريا” هذه الحركة بأنها “انتفاضة فلاحية ضد الفاشية الاجتماعية”. بشكل عام، في الوقت الذي كان يندد فيه الماويون بالحزب الشيوعي، كانوا يشاركونه نفس رؤاه وفهمه للنضال. فقد رأت هذه الحركة الماوية، متسقةً في ذلك مع رؤية الحزب الشيوعي ذاته، أن بسبب تأخر البرتغال السياسي والاقتصادي، من الضروري إنجاز الديمقراطية والاستقلال الوطني من خلال تحالف بين الطبقات تضطلع فيه الطبقة العاملة بدورٍ ثانويٍ خاضعٍ. أما تأسيس الاشتراكية، فلم يكن مطروحًا في جدول الأعمال. نادرًا ما كانوا يتوقفون عند حقيقة أن الطبقة العاملة البرتغالية كانت وقتها تمثل بالفعل أربعة أعشار إجمال السكان في البلاد، مقارنةً بروسيا التي كانت الطبقة العاملة تمثل فيها في العام 1917 1/20 فقط من السكان.

تكتلت العديد من المجموعات الماوية الصغيرة الأخرى، وفقًا لنفس هذه الرؤى ونفس هذا المنظور، في ديسمبر 1974، في “الجبهة المتحدة الشعبية الديمقراطية – UPD”، التي كانت “جبهة شعبية” تضم فلاحين جنبًا إلى جنب مع صغار مستثمرين، وآخرين ممن كانوا يطمحون لتحقيق الديمقراطية في البرتغال. لقد كانوا يرون البرتغال نفسها كبلدٍ مُستغَل من بلدان العالم الثالث. وجهت الجبهة الشعبية الديمقراطية شعاراتها ضد “كلتا الإمبرياليتين”، كما لو كان رأس المال البرتغالي يحافظ على علاقة متكافئة مع كلٍ من واشنطن وموسكو، وقد كانت معادية لكل من حاول التحرك بحسم متجاوزًا حدود السياسات الوطنية الديمقراطية.

أما حركة الاشتراكيين اليساريين – MES، فقد صعدت من التحالف الانتخابي لعام 1972، وتألفت من عددٍ من النشطاء الكاثوليك، وقد سمح لها تنظيمها المنفتح ببناء قواعد في اتحاد النقابات وفي نقابات عمال المعادن والنسيج وفي الخطوط الجوية، حتى أنها أحيانًا ما كانت تلعب دور المجموعة الضاغطة على الأحزاب الأخرى. إنّ أفضل طريقة لفهم حركة الاشتراكيين اليساريين هي اعتبارها حركة “وسطية”، فقد كانت في الأغلب تستخدم لغة ثورية من أجل جذب العمال الذين قطعوا صلتهم لتوهم مع الإصلاحيين وابتعدوا عنهم، لكنها فشلت في ترجمة نضاليتها الشفهية إلى ممارسة عملية لبناء حزب ثوري مستقل.

أما المجموعتان التروتسكيتان الأرثوذكسيتان – LCI وPRT – فقد كانت لكلتيهما نفس السمة المُشار إليها. في حالة مجموعة PRT، فقد اتخذت سياساتها كمجموعة ضاغطة منحىً أكثر خطورة، حيث تذيل الحزب الاشتراكي، حتى حينما كان الحزب الاشتراكي نفسه يلح على ضرورة فض احتلال العمال لجريدة “الجمهورية” بالقوة العسكرية. أما بالنسبة للـ LCI، فلم يكن يذهب إلى هذا الحد، برغم أن أطروحاته السياسية الأساسية لم تكن مختلفة كثيرًا. كان خطاب المجموعة بالفعل مُمَيَزًا في الحملات الانتخابية في أبريل 1976، حيث طالبت المجموعة كلًا من الحزب الشيوعي والحزب الاشتراكي بتولي مسئولياتهما وتشكيل حكومة دون ممثلين للبرجوازية.

أوضح “الحزب الثوري للبروليتاريا/ الألوية الثورية – PRP/BR” على النقيض من ذلك أن المهمة ليست في إقناع الإصلاحيين بتولي مسئولياتهم، بل في بناء حزب ثوري مستقل يهدف للاستيلاء على السلطة من خلال الانتفاضة المسلحة. لكن الحزب تأثر بتراث حرب العصابات الذي تطور خلال العمليات السرية لنظام كايتانو، فذهب ليشدد على دور القلة المسلحة التي تتحرك باسم العمال نيابةً عنهم. كان الحزب يتجنب العمل الضروري لبناء تنظيم عمالي جماهيري والذي يتطلب عملًا على القضايا والمطالب التي قد تبدو رتيبة ومملة. كان من الضروري على الحزب الثوري للبروليتاريا، كما على تنظيمات اليسار الثوري الأخرى، أن يثبت نفسه في الممارسة العملية.

شهدت الفترة التي أعقبت محاولة الانقلاب الفاشلة في سبتمبر ركودًا نسبيًا في النضال. لكن على الرغم من ذلك، مع بداية يناير 1975، كان العمال يعتصمون ويحتلون المزيد والمزيد من المصانع، وتزايدت مصادرة الفلاحين للأراضي، وكذلك إضرابات طلاب المدارس، وهكذا صارت هناك فرصٌ جديدة تقدم نفسها للاشتراكيين الثوريين ليتدخلوا فيها بنشاط وفاعلية.

« السابق التالي »