بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

بروفات ثورية (2) | البرتغال 74 – 1975: ثورة العمال والجنود

« السابق التالي »

7- نضال متصاعد

نظم اتحاد النقابات في 14 يناير مظاهرة عملاقة، ضمت ما يقرب من 300 ألف متظاهر، من أجل حركة نقابية موحدة – UNICIDADE. ومن ثم أدرك الحزب الشيوعي أنه قد أخطأ حينما تجاهل اللجان العمالية القوية التي تنفتح بشكل متزايد للتأثير الثوري فيها، فسرعان ما حاول لكسب أرضية في هذه اللجان. شن الحزب الاشتراكي حملة نقد لاذعة على محاولات تأسيس “الحركة النقابية الموحدة”، متهمًا الحزب الشيوعي بـ”تخريب الديمقراطية”. كان الحزب الاشتراكي يطمح إلى تطوير النقابات خارج سيطرة الاتحاد، وكذلك بعيدًا عن هيمنة الحزب الشيوعي، وهكذا كان يعمل على تقسيم العمال على أسس دينية وسياسية. وردًا على ذلك، نظّم الحزب الاشتراكي مظاهرة كبيرة من أجل اتحاد نقابي أقل “احتكارية”. في هذا السياق، كانت فصائل اليسار الثوري التي عارضت الحملة ضد “الحركة النقابية الموحدة”، ودعمت مظاهرة الاتحاد النقابي، صائبة في موقفها بالتأكيد.

عرضت المزيد من الفرص نفسها أمام الثوريين. دعت اللجان المصنعية لمظاهرة ضد حالات الفصل والتسريح المتزايدة في السابع من فبراير. تجمع أكثر من ألف مندوب عمالي من 38 مصنع، وكان من بينهم بعضٌ من الثوريين، في اجتماع كبير للتخطيط للمظاهرة. كانت اللافتة الأساسية التي تصدرت المظاهرة فيما بعد مكتوبًا عليها عبارة “البطالة نتيجة حتمية للرأسمالية، لذلك يريد العمال تحطيمها وبناء عالمٍ جديد”. وفي اللحظة الأخيرة، أُضيفت أيضًا عبارة “لا للناتو، نعم للاستقلال الوطني”، فقد كان بعض من أسطول الناتو يرسو في لشبونة في ذلك الوقت.

هوجمت المظاهرة بعنف من قِبَل الحزب الشيوعي، كما قرر المحافظ المدني للشبونة حظرها، وقد كان الرجل واحدًا من أبرز مؤيدي الحزب الشيوعي. وصفت نقابات الجنوب (كانت جزءًا من الاتحاد النقابي) ذلك بـ”محاولة إرباك القوى الديمقراطية وتخريب البناء الديمقراطي”. وعلى شاشات التلفزيون، دعا أحد قيادات الحزب الشيوعي، أوكتافيو باز، المشاهدين لتقديم الزهور لقوات المارينز التابعة لأسطول الناتو في لشبونة.

ذهبت مجهودات الحزب الشيوعي سُدى. ولم تبدِ حركة القوات المسلحة أي اعتراض على مظاهرة العمال لمقابلة قيادة القوات القارية، والتي كان قوامها 40 ألف متظاهر:

“كانوا جميعًا بملابس العمل، مرتدين خوذات حمراء، حاملين لافتات غير حزبية بأسماء شركات ليسناف، وسيتيناف، وإيفاكيك، والصلب الوطني. كان منظمو المظاهرة يحملون أجهزة لا سلكية، مرتدين شارات حمراء على أذرعهم، يشكلون حزامًا بشريًا حول المظاهرة. كانوا جميعًا عمالًا…”.

أخذت المظاهرة طريقها إلى وزارة العمل التي تعمل قوات قيادة العمليات القارية على تأمينها… هتف العمال في مقدمة المسيرة “الجنود معنا”، ثم حدث مشهد قد يمكنك من خلاله فهم البرتغال اليوم. توجه العمال نحو الوزارة ببنادقهم الرشاشة المحمولة متدلية حول أجسادهم، وفي نفس الوقت رفعوا قبضاتهم إلى العمال الذين انهالوا في التصفيق لهم. وبقبضاتهم المطبقة، أخذ العمال والجنود يهتفون سويًا “الاستقلال الوطني”. كان الناس يبكون فرحًا”.

جعل حجم المسيرة وتركيبها من المستحيل على الحزب الشيوعي التنديد بأولئك الداعين لها ونعتهم بالمخربين أو مثيري الاضطرابات المتطرفين. كان على الحزب الشيوعي مضاعفة مجهوداته في مواجهة كلٍ من الخرق الذي قامت به حركة القوات المسلحة، والذي برز في عدم اعتراضها مسيرة العمال، والنمو المتزايد لتنظيمات العمال خارج سيطرته. أوضحت اللجان المصنعية بما لم يدع مجالًا للشك أنه لا يمكن تجاهلها أو إهمالها.

كانت اللجان المصنعية تعتمد بشكل أساسي على تعميم نضال مواقع العمل التي تمثلها. كانت اللجان العمالية – السوفييتات – في روسيا، عام 1917 تستخلص دروس النضال العمالي وتمرِّرها إلى مواقع العمل من أجل خوض المرحلة التالية من النضال. كانت السوفييتات بمثابة منتدى عام للأحزاب العمالي التي تجادل لإثبات صحة أفكارها، كانت بمثابة منتدى تُختبر فيه هذه الأحزاب على خلفية احتياجات النضال الطبقي، ومنه يمكن أن تصعد قيادة ثورية قادرة على قيادة الطبقة العاملة لتحدي سلطة الدولة. اعتمدت حيوية السوفييتات على التفاعل بين النضال الذي استدعى تشكيلها، والقيادة الحية التي يمكن أن تقدمها.

وفرت لجان المصانع هذه الإمكانية، لكن قوى اليسار الثوري البرتغالي فشلت في فهم ذلك.

كانت المجموعات الماوية، التي كان لها اليد العليا في التأثير داخل اللجان المصنعية، مندمجةً سويًا في “الجبهة المتحدة الشعبية الديمقراطية”، وكانت ترى الأمر على أنه ليس إلا فرصة أو إمكانية أخرى في يد الجبهة. أما “الحزب الثوري للبروليتاريا”، فقد ارتكب خطأ مختلف. أدت الإنجازات الهائلة للحركة الجماهيرية بالكثير من الناس لرفض الحاجة إلى أحزاب سياسية؛ كانوا يقولون أن العمال والمستأجرين والعمال الزراعيين، جنبًا إلى جنب مع الجنود الجذريين، يمكنهم الدفاع عن الثورة دون أحزاب. طغت اللا حزبية على بقعٍ شاسعة من الساحة السياسية، وقد تماهى اليسار الثوري مع هذه الحالة. في المظاهرات الجماهيرية، كان هناك بالكاد القليل من اللافتات الحزبية، وكان اليسار الثوري يخجل من بيع جرائده، حتى أن بعض أعضاء “حركة إعادة تنظيم حزب البروليتاريا” كانوا يُطردون من المظاهرات لارتدائهم شارات تنظيمهم.

مال “الحزب الثوري للبروليتاريا” وفي داخل اللجان المصنعية تجاه اللا حزبية، وقد فشل في إدراك الدور الحيوي والضروري للجدال حول سياسات ثورية واضحة في اللجان المصنعية وغيرها من تنظيمات الطبقة العاملة، وكذلك – وهو ما لا يقل أهمية – اختبار أدوار الأحزاب السياسية المختلفة في النضال. عمد الحزب في المقابل، وحاله في ذلك حال أغلب فصائل اليسار الثوري، إلى معارضة النقابات باللجان المصنعية. كان الماويون بالأخص يفعلون ذلك، بعدائهم المترسِّخ “للفاشيين الاجتماعيين” في اتحاد النقابات.

كانت النتيجة أن فشل اليسار الثوري في النضال بشكل منتظم على أفكارهم داخل النقابات أيضًا، بينما كان النضال داخل النقابات مهمًا للغاية؛ ففي الوقت الذي كانت فيه اللجان العمالية تكسب أرضية مهمة، كانت النقابات أيضًا تناضل على المطالب اليومية للعمال. أتاح هذا التغيُّب ببساطة المجال للحزب الشيوعي كي يكسب ما خسره من مساحات في المصانع.

« السابق التالي »