بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

بروفات ثورية (2) | البرتغال 74 – 1975: ثورة العمال والجنود

« السابق التالي »

8- مؤامرة مارس والانتخابات

استمرت موجة الاحتلال ومصادرة الأراضي حتى فبراير. وتُقدر عدد الشقق السكنية التي احتلها الناس في لشبونة وحدها بـ 2500 شقة، فقط في بضعة أيام في نهاية الشهر. كل نضال جديد كان مصدر تهديد بالتحول إلى تحدٍ سياسي خطير. كانت قطاعات من الطبقة الحاكمة في سبتمبر 1974 قد رأت الانقلاب العسكري كاستجابة ضرورية. أما مؤامرة مارس فقد حيكت بواسطة رجل الأعمال ميجيل تشامبليمود متعاونًا في ذلك مع الكثير من الضباط الكبار الذين تربطهم بعض الصلات بسبينولا. كانت أولى الخطوات التي اتخذوها هي إرسال قوات، من المُفترض أنه يمكن الاعتماد عليها، ضد واحدة من أكثر الكتائب جذرية في لشبونة وهي الكتيبة RAL -I مشاة. حاصرت قوة من المظليين ثكنة الكتيبة في 11 مارس، لكن لم يقتنعوا بأوامر إطلاق النار. في المقابل، كان جنود الكتيبة يخوضون النقاشات مع المظليين الذين يحاصرونهم، وبعد عدة ساعات أصبح المظليون يوضحون لهم: “نحن لسنا فاشيين.. نحن رفاقكم”.

قادت قيادة العمليات القارية المقاومة العسكرية ضد محاولة الانقلاب، فيما كان رد فعل الناس مذهلًا. فبعد ساعات قليلة من بداية الهجوم، أقيمت المتاريس بطول الطرق المؤدية للشبونة وبورتو، وصولًا إلى الحدود مع إسبانيا، واستُخدمت في بعض المتاريس الكثير من الجرافات والشاحنات الضخمة وخلاطات الإسمنت التي صادرها العمال. تآخى الجنود مع العمال الذين يقيمون المتاريس، وبعضهم سلَّم بعض السلاح لهم. كان العمال المسلحون يفتشون السيارات العابرة، وعاد العاملون المضربون في راديو “النهضة” إلى عملهم واحتلوا محطة الإذاعة من أجل “الدفاع عن الثورة”. أصدرت الكثير من الجرائد طبعات ثانية من أعدادها، أو أحيانًا صفحات وملفات خاصة، بما في ذلك اللجنة العمالية في جريدة لشبونة اليومية “القرن”. وقد وجَّه قطاع بورتو من نقابة موظفي البنوك أمرًا لأعضائه: “أغلقوا البنوك فورًا. لا تقوموا بأية تحويلات أو عمليات صرف. أقيموا الحواجز أمام الأبواب لمراقبة الدخول والخروج. ابقوا أعينكم على التليكس والتليفونات”.

بعد فشل الانقلاب، أُلقيَ القبض على الكثير من الجنرالات ومدراء الشركات اليمينيين. هرع سبينولا وآخرون إلى إسبانيا بـ”طائرات هيليكوبتر الرجعية”، كما وصف أحد قيادات اتحاد النقابات.

أهدت المقاومة الفعَّالة مرة أخرى للانقلاب دفعة جديدة لقوى اليسار الثوري. تمكن “الحزب الثوري للبروليتاري”، على سبيل المثال، من النمو على خلفية جهوده في تنظيم الصفوف ضد أية عمليات مُحتمَلة من قوى اليمين، ليكسب أعضاءً جدد من بين ضباط الجيش، وكذلك من بين قواعد الجيش. لكن ذلك، من ناحية أخرى، عزز الميل تجاه التركيز بشكل حصري على التهديدات من جانب اليمين (سواء كانت حقيقية أو وهمية)، وفي المقابل إهمال عملية الارتباط بنضالات العمال المستقلة.

كانت حركة القوات المسلحة تزداد قوة بعد فشل محاولات الانقلاب هذه. كانت الحركة قد أسست سلطتها بعد 11 مارس، في القمة كان هناك المجلس “الأعلى” للثورة، مسئولًا أمام الجمعية العمومية لحركة القوات المسلحة المُكوَّنة من 240 مندوبًا من أي رتبة – نظريًا – من الأجنجة الثلاثة للقوات المسلحة. ولأن مجلس الثورة كان واثقًا بشدة من نفسه؛ فقد شعر بالقدرة على “انتخابات حرة”.

كانت استراتيجية الطبقة الحاكمة تسعى، من خلال المحاولات المتعاقبة للانقلاب، لاستعادة السيطرة على جهاز الدولة البرتغالية. أما أولئك الذين كانوا يدعمون سبينولا في مواجهة كايتانو، فلم يكن لديهم أدنى فكرة عن القوى التي يمكن أن يطلق انقلاب 25 أبريل لها العنان. كانوا يريدون فقط استبدال كايتانو ومعاونيه بآخرين قادرين على تحديث علاقة الاقتصاد البرتغالي مع بقية النظام الرأسمالي العالمي. صار واضحًا أن استراتيجية القوى المحافظة في الانقلاب لتأسيس نظامٍ أبوي لن تفلح بعد فشل محاولة الانقلاب في 11 مارس، خاصةً مع حالة الارتباك التي أصابت هذه القوى.

كان لدى الرأسمالية البرتغالية أسلوبٌ آخر للنجاة من الوضع الثوري، وهو السعي لتأسيس اشتراكية ديمقراطية على النمط الأوروبي الغربي في إطار برلماني برجوازي. وأحيانًا ما كانت الولايات المتحدة تضخ موارد الدعم، من خلال وكالة الاستخبارات المركزية CIA، للأحزاب البرتغالية، بما فيهم الحزب الاشتراكي.

اُختير يوم 25 أبريل، الذي يوافق ذكرى الإطاحة بالنظام القديم، لعقد أول انتخابات حقيقية في البرتغال منذ خمسين عامًا. خُصِصَت ثلاثة أسابيع لحملات الدعاية الانتخابية، ووُضِعَت القواعد المُنظِّمة للدعاية، بما فيها تخصيص فترات زمنية متساوية لكل الأحزاب على محطات التلفزيون، بغض النظر عن تفاوت أحجام هذه الأحزاب. وهكذا كان للأحزاب على يسار الحزب الشيوعي، التي في النهاية حصدت أقل من 8% من الأصوات، حوالي 50% من البث التلفزيوني المُخصَص للأحزاب السياسية. لم يكن مسموحًا للأحزاب بوضع ملصقاتهم فوق ملصقات غيرهم، حتى صار من الضروري استخدام سلالم طويلة للغاية للوصول إلى حوائط خالية من الملصقات. كان الشغف بالانتخابات هائلًا، ومن أصل 6176559 لهم حق التصويت، ذهب 5666696 إلى صناديق الاقتراع، أي 91.7% من إجمالي الجمهور الانتخابي.

كان المنتصر الحقيقي في هذه الانتخابات هو الحزب الاشتراكي الذي حصد 37.8% من إجمالي الأصوات، فيما حصل الحزب الشيوعي على 12.5% من الأصوات. وبشكل عام، حصلت الأحزاب اليسارية على حوالي 60% من إجمالي الأصوات، وهو ما يدلل على أن “الاشتراكية” كانت لها شعبية كبيرة للغاية برغم “تأخر” البرتغال.

تغيَّر حال الحزب الاشتراكي كثيرًا؛ فمن 200 عضو فقط في أبريل 1974، نما الحزب ليصبح الحزب القيادي في البرلمان بشعارات حرية التعبير والديمقراطية وتحديث الاقتصاد. إلا أن ممارسة هذه الشعارات وتطبيقها عمليًا ظل غير واضح بالنسبة لمؤيدي الحزب. فلم يكن للبرتغال عهدٌ بالإصلاحية في قمة السلطة.

بدا الحزب الاشتراكي، في أغلب الأحيان، أكثر يسارية من الحزب الشيوعي. كان الحزب قادرًا على قبول تواجد جناح يساري بين قواعده، حيث صار الحزب الشيوعي يفتقر إلى الهيكل المتماسك والانضباط. ومن هذا المنظور، كان الافتقار إلى التواجد المنظم في المصانع ميزة إيجابية، حيث كان عليه أن يعارض الإجراءات غير الشعبية للحكومة والتي كان من المُفترض أن يفرضها أعضاء الحزب الشيوعي. كان للحزب الاشتراكي، في أغلب عامي 1974 و1975، قواعد محدودة بين العمال، فالأغلبية الساحقة من أعضائه كانوا من البرجوازية الصغيرة بالأساس. وقد أتاح الغموض الشديد لشعاراته حول “التقدم” و”الديمقراطية” و”الاشتراكية” أن يصل إلى قطاعات واسعة من السكان، بما فيهم العمال الأقل تنظيمًا البعيدين عن تأثير اتحاد النقابات والحزب الشيوعي.

قرر الحزب الاشتراكي أن يترنح مترددًا وفقًا لموازين القوى الطبقية، الأمر الذي كان طبيعيًا بالنسبة لحزب من هذا النوع. وهكذا، فقط على مستوى الخطاب، جنح الحزب بالفعل نحو اليسار في المراحل الأولى من الثورة. وحينما تعمقت الأزمة، صار يعبر عن يأس القطاعات غير المنظمة، بدلًا من أن يعبر عن آمالهم التي عجزوا عن الإفصاح بها والإعلان عنها.

أما الحزب الشيوعي، وهو أكبر الأحزاب تواجدًا بين العمال المنظمين وأكثرهم تأثيرًا فيهم، فلم يكن قادرًا على تفكيك الصراع بشكل مقبول للجماهير من حوله، فيما لم يكن هناك ثمة بديل فعَّال على يساره. هذا الفشل المزدوج هو ما مكَّن الحزب الاشتراكي من بناء قاعدة كبيرة حقيقية في الأوساط العمالية. رأى الكثير من العمال الحزب الاشتراكي كحزب قادر بشكل أفضل على حماية المكتسبات التي انتزعوها منذ أبريل 1974.

لم تكن الجمعية التأسيسية المُنتخبة حديثًا هيئةً عليا، فرئيسها كان مُعيَّنًا من قِبَل حركة القوات المسلحة. تعالى هتاف “تسقط حركة القوات المسلحة” بعد 24 ساعة في قلب مظاهرة احتفالية بانتصار الحزب الاشتراكي، ولأول مرة يشتعل الصراع بين حزب سياسي كبير وحركة القوات المسلحة، وخلال الستة أشهر اللاحقة سعى الحزب الاشتراكي بلا هوادة وراء شعارات “السلطة للمُنتخَبين”، و”الديمقراطية”، و”حرية التعبير”. أما القوى المعادية للحركة الثورية، فقد اصطفت وراء شعار “الديمقراطية النقية”.

« السابق التالي »