بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

بروفات ثورية (2) | البرتغال 74 – 1975: ثورة العمال والجنود

« السابق التالي »

9- السلطة الشعبية

جاءت نتائج الانتخابات لتكون بمثابة إهانة كبيرة موجهة لمن يعتبرون أنفسهم “منقذي الشعب” داخل حركة القوات المسلحة. كان اليساريون داخل حركة القوات المسلحة يتساءلون ما إذا كان الحزب الاشتراكي هو وجه آخر للبرجوازية؟ وما إذا كان سيساعد على استدامة الثورة؟

بعدما اكتسب الحزب الاشتراكي الكثير من الثقة، نتيجة انتصاره الانتخابي، صارت اختلافاته مع الحكومة التي يهيمن عليها الجيش أكثر وضوحًا. وفي الشهور التي تلت الانتخابات، ظهر شعار “السلطة الشعبية” كمظلة أيديولوجية لحركة القوات المسلحة. كان شعار “السلطة الشعبية” بمثابة جسر عابر للطبقات، لتوحِّد الجيش مع العمال والفلاحين والمستأجرين، وبهذا الشكل صار مجرد شعار دعائي للجيش، لكنه برغم ذلك ظهر أيضًا كحقيقة فعلية وحية. كل يومٍ كان العمال يحتلون مصانعهم، وقد أظهرت إحصاءات غير منشورة لوزارة العمل أن في العام 1976 وحده – أي بعد فترة طويلة من ذروة الحركة – كانت 280 شركة تحت الإدارة الذاتية، و600 شركة أخرى تملكها العمال وصارت تُصنَّف كـ”تعاونيات”.

كانت الشركات التي احتلها العمال صغيرة الحجم، التعاونيات على سبيل المثال كان يعمل في كلٍ منها 45 عامل في المتوسط، أما شركات الإدارة الذاتية 61 في المتوسط. تخلى الكثير من المُلَّاك السابقين عن شركاتهم هذه، والكثير من هذه الشركات قد لقوا طريقًا مسدودًا لأي برنامج للتحديث الرأسمالي. كان العمال في الأغلب يقررون عدم الاستيلاء على الشركة تمامًا. فعلى سبيل المثال، احتلت اللجنة العمالية في مقر شركة الإنشاءات “إديفر” الغرفة الرئيسية، لكن اللجنة ذاتها قررت ألا تطرد الإدارة من الموقع، وحينما سُئِلوا لماذا فعلوا ذلك، ردوا بأن “من الأفضل أن نرى ماذا سيفعلون”. وصف أحد العمال المناضلين في أحواض سفن سيتيناف أن:

“حتى في سيتيناف، لم يكن لدينا سيطرة عمالية، كيف إذن يمكننا ذلك ونحن لا نسيطر على البنوك؟ كان موقفنا أننا نريد أن نعرف كل شيء… نريد أن نسيطر على القرارات، لكننا لا نريد تحمُّل المسئولية. لا نعتقد أن السيطرة العمالية وحدها تكفي”.

في حالة الاستثمارات الكبرى، دفعت تحركات العمال في اتجاه تأميم شركتهم أو قطاع الصناعة بأكمله. كانت أولى إجراءات مجلس الثورة بعد 11 مارس أن قام بتأميم البنوك وشركات التأمين، فيما عدا الأجنبية منها، حتى صار حوالي 60% من الاقتصاد في القطاع العام.

كان احتلال راديو النهضة بشكل خاص (محطة الإذاعة الكاثوليكية الرسمية) معروفًا يتحدث عنه الجميع. علَّق العاملون ميكروفون في الشارع، ليبث مباشرةً من الشارع إذا ما مرت مظاهرة أمام مقر الراديو.

وعلاوة على ذلك فقد تزايدت حالات احتلال ومصادرة الأراضي بشكل كبير بعد فشل انقلاب مارس. احتل على سبيل المثال العاملون في منطقة ألينتيخو حوالي 200 ألف هيكتار من الأرض (حوالي 476 فدان). أُقيمت التعاونيات الزراعية، وفي بعض الأحيان كانت تأخذ أسماء أحداث أو شخصياتٍ سياسية، مثل تعاونية “الجندي لويس” التي سُميت على اسم الجندي الذي قُتل في 11 مارس في ثكنة الكتيبة RAL -I. كل هذه الأراضي كانت مِلك لأحد النبلاء الذي كان يستخدمها بالأساس في ممارسة رياضة الصيد والرماية. زرع العمال هيكتارًا من الأرز، واستثمروا القليل من الأموال فيه، وتركوا كوخ الرماية كما هو.

نظم العمال اجتماعات دورية، وانتخبوا لجنة لإدارة المكان. وكانت أكثر التغيرات إبهارًا هي التي طرأت على حياة المرأة الريفية التقليدية. اضطلعت المرأة، التي كانت في الأغلب أُمية وتقوم بالكثير من الأعمال التي تقسم الظهور، بدورٍ فعَّال في إدارة التعاونية، كما أصبحت تتقاضى أجورًا منتظمة متساوية مع الرجل. امتد هيكتار الأرز وتوسَّع، وازدادت أعداد الماشية. وبمساعدة منظمات الإصلاح الزراعي، تمكنوا من استعارة الجرارات لحرث الأرض. حوَّلوا كوخ الرماية إلى مصنعٍ للجبن. وكان الجبن المصنوع من لبن الماعز يذهب إلى المصانع في جنوب لشبونة، التي كانت توفر الشاحنات لنقله. كان الكثير من عمال المصانع والطلاب والعاطلين عن العمل يساعدون التعاونية في أوقات الحصاد.

لقد دفعت موجة احتلال المنازل والشقق السكنية الكثير من الناس، من غير العاملين في المصانع والشركات، إلى تنظيم أنفسهم. كانت تلك موجة هائلة من الحركة الجماهيرية، حيث كان العاطلون يساعدون الفلاحين في الريف، والأطفال يعلِّمون الكبار الأميين القراءة والكتابة، كما انتعشت العيادات العامة والمراكز الثقافية وتوسعت بشدة، وقد تأسست العديد من المحاكم الشعبية. وأعلن ملعبًا للجولف أنه مفتوحٌ للجميع، باستثناء الأعضاء.

لقد كان للتجذير المتنامي بين الجماهير أثره في قطاعات من الجيش، وقد هدد أيضًا وحدة حركة القوات المسلحة والتي كانت تترنح مترددةً بشكل متزايد بين شعارات “الانضباط” و”السلطة الشعبية”. تحدث البعض عن رفضهم لتسليم السلطة، بينما صار آخرون يتحدثون عن ديكتاتورية عادلة. وُضِعَت الكثير من المشاريع لاحتواء التناقضات التي صارت على وشك الانفجار، ولعل أكثرها جذرية كان محاولة بناء شبكة من “المجالس الثورية للجنود والبحارة والعمال – CRTSMs”، التي كان “الحزب الثوري للبروليتاريا” أول من شارك في إطلاقها، ثم دعمتها عناصر من قيادة العمليات القارية، منهم قائدها أوتيلو دي كارفاليو.

عُقِدَت الاجتماعات لانتخاب اللجان المحلية لهذه المجالس في المصانع والثكنات. وفقط في أحواض سفن ليسيناف وسيتيناف وافقت تجمعات العمال على هذه الخطوة. في كلا الموقعين، كان للحزب الثوري للبروليتاريا خلايا نشطة من 25 مناضل على الأقل، وكان عضو حركة القوات المسلحة سوبرال كوستا يقدم الاجتماع في كلا الموقعين، إلى جانب متحدث من المجالس الثورية للجنود والبحارة والعمال.

لقد رأى أولئك الذين شرعوا في بناء المجالس الثورية أن اللجان العمالية المصنعية هي مجرد لجان اقتصادية، فيما لم يكن هذا هو الحال؛ فلقد نظمت الكثير من هذه اللجان مظاهراتٍ سياسية وكذلك إضرابات واعتصامات وغيرها من التحركات. لكن المجالس الثورية قد رسمت خطًا فاصلًا مُصطَنعًا بين الدور السياسي المنوط بهم والمطالب الاقتصادية للجان العمالية، وقد أدى بهم ذلك إلى الامتناع عن التدخل في المطالب والنضالات اليومية في مواقع العمل.

كان لذلك نتيجتان أساسيتان، أولهما أن عجزت المجالس الثورية عن بناء جذور قوية وعميقة في مواقع العمل. ثانيًا أن ذلك قد أعطى مصداقية كبيرة للحجج التي كان الحزب الشيوعي يسوقها بين العمال بأن المجالس الثورية تسعى للشقاق والانقسام بسعيها للسيطرة على الدور السياسي للجان العمالية. لم يعمد قادة المجالس الثورية فقط إلى فصل السياسة عن الاقتصاد، بل سعوا أيضًا لفصل السياسة عن الأحزاب نفسها. وفي مظاهرة للمجالس الثورية في 17 يونيو، ظهر شعاران أساسيان هما: “نحن السوفييت الأول في البرتغال الثورية”، و”نحو حكومة ثورية بدون أحزاب سياسية”. هذا الاحتقار للسياسات الحزبية تداخل بعناية، وفي الحقيقة كان متسقًا، مع التراث العسكري لحركة القوات المسلحة ودورها في لعب دور المرآة لمُختلف العوامل الطبقية الضاغطة داخل الحركة الجماهيرية.

أقرت الجمعية العمومية لحركة القوات المسلحة في 8 يوليو بالكاد بعض الخطوط العامة للتحالف بين الشعب والحركة. كان هدفها هو بناء جمعيات شعبية كسلطة موازية للدولة والنظام البرلماني، أي أن تتجمع منظمات السلطة الشعبية، ولجان العمال والأهالي، ولجان الجنود، والتنظيمات المحلية الأخرى، وتتكامل في هيكل هرمي تحت حماية وإشراف حركة القوات المسلحة.

يمكننا على جانب آخر أن نأخذ كتيبة بونتينا كمثال حي على عملية بناء لجان الجنود. كانت الكتيبة مقرًا قياديًا لانقلاب 25 أبريل، وكان أغلب الجنود في الأصل عمال ميكانيكا ماهرين. صارت الكتيبة بالفعل نموذجًا تحتذي به الكتائب والفرق والوحدات الأخرى في الجيش. كان ضباط الكتيبة وجنودها على صلة وثيقة بالسكان المحليين من حولهم، وقد ساهموا في بناء الجسور والطرق باستخدام معداتهم العسكرية. وبعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 11 مارس، صارت الاجتماعات بين العمال والجنود أكثر تنظيمًا بكثير. عُقِدَ الاجتماع الأول بينهم قبيل الجمعية العمومية لحركة القوات المسلحة بفترة قصيرة، بحضور تنظيمات عمالية من 17 مصنع و30 رابطة محلية للمستأجرين. وفي ذروة الاجتماع، كان هناك حوالي 200 مندوب من الروابط والتنظيمات الحاضرة.

كانت هناك اجتماعات كثيرة مثل ذاك، وقد ذكرت جريدة “الجمهورية” على سبيل المثال 38 منهم على الأقل، واجتماعات أخرى كان يجري تنظيمها. وعادةً ما كانت الاجتماعات والجمعيات الناشئة عنها الأكثر استقرارًا، هي ما كانت تتولى مهام الحكومة المحلية. كان ممثلو ومندوبو لجان الأهالي يهيمنون تقريبًا على هذه الجمعيات، وقد تفوقوا عدديًا على ممثلي ومندوبي لجان المصانع. وبشكل عام، كان نقاط ضعف هذه الجمعيات الشعبية تكمن في أنها اضطلعت بدور الجسر العابر للطبقات؛ بين “الناس” الذين عاشوا في منطقة معينة، أو بين الجنود والضباط في كتيبة أو فرقة معينة، وأنها قد أُنشأت من أعلى كمبادرة من يسار حركة القوات المسلحة وليس من أسفل كاستجابة لتطورات النضال الطبقي.

لكن بعض أشكال “السلطة الشعبية” هذه قد طرحت قضية السيطرة والسلطة الطبقية على الساحة. ولعل النضالات في جريدة “الجمهورية” المملوكة لأحد أبرز أعضاء الحزب الاشتراكي، بول ريجو، وفي راديو “النهضة” الكاثوليكي، أمثلة على ذلك. في مايو 1975، سيطر العاملون بـ”الجمهورية” على الجريدة من أجل الاستقلال بها سياسيًا. وكما أشار بيانهم، فإن:

“منذ هذه اللحظة، لن تنتمي “الجمهورية” إلى أي حزب سياسي. ستُعامَل الأحزاب التقدمية جميعًا بالمثل، وفقًا لأهمية الأحداث”.

اعتبر الحزب الاشتراكي في المقابل سيطرة العاملين هذه “محاولة شيوعية لتكميم الجريدة”، لكن في الحقيقة، كان العاملون يوجهون نقدهم أيضًا للحزب الشيوعي، وتقريبًا كافة جرائد لشبونة كانت على اليسار من كلا الحزبين الإصلاحيّين، كنتيجة طبيعية لضغط عامليها المسيَّسين. كانت هناك بالتأكيد أفكار “لا حزبية” متفشية بين العاملين في “الجمهورية”، لكن حركتهم استقطبت مؤيدي شعارات “حرية التعبير” و”سيطرة الطبقة العاملة”. أعلن بيانهم العام أن:

“نعلن نحن العاملون في جريدة “الجمهورية” لكل العمال أن نضالنا يهدف لتمكين الطبقة العاملة من المعلومات… نحن فقط 150 عامل، لكننا من جانب آخر ممثلين لطبقتنا، للملايين مثلنا. الأمر الذي يقف على المحك بالفعل هو السلطة السياسية ومعرفة من يسيطر عليها بين يديه”.

أدركت الحكومة أيضًا هذا التقييم الواقعي، فحاولت استخدام قيادة العمليات القارية لاستعادة الجريدة مرة أخرى لمالكها الشرعي، لكن حين بات واضحًا أن هذا سيؤدي إلى فصل اللجنة العمالية، رفضت قيادة العمليات القارية التعاون مع الحكومة في هذا الأمر، وأعادت مفاتيح الجريدة إلى أيدي العمال. وقد أدى الفشل المستمر للحكومة في استعادة جريدة “الجمهورية” وراديو “النهضة” – حيث أجبرت المظاهرات حركة القوات المسلحة لإصدار قرار حكومي بالفيتو بعودة المحطة الإذاعية للكنيسة والسماح للعمال في الاستمرار في سيطرتهم – إلى استقالة سواريس والحزب الاشتراكي من الحكومة، ومن ثم تشكيل الحكومة المؤقتة الخامسة.

« السابق التالي »