بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

مقدمة في الاقتصاد الماركسي

التالي »

الجزء الأول: القيمة والربح والاستغلال

إن الاقتصاد قد يبدو شديد التعقيد (1). وتركز أغلب المناقشات في صفحات الأعمال بالصحف أو نشرات الأخبار على الخصائص السطحية للرأسمالية؛ إذ تركز على تقلب الأسواق وأسعار السلع الأساسية مثل النفط وآخر أرقام إجمالي الناتج المحلي أو حجم العجز بالموازنة، كما تركز على حركة أسعار الأسهم أو معدلات الفائدة. وأحيانا تخوض تلك المناقشات في أمور مالية أكثر تعقيدا؛ كاشفة عن أسماء غريبة مثل المشتقات المالية والضمانات والمحافظ الوقائية والتزامات الديون المضمونة ومقايضات الائتمان الافتراضية وغيرها.

تعاني أيضا النظرية الاقتصادية التقليدية، التي تُدرس بالمدارس والجامعات، من نفس العيوب؛ إذ تتضمن عند مستوى أساسي رسوما بيانية تمثَل قياسات مثل العرض والطلب والمُفترض تقاطعها عند نقطة معينة لتخبرك بسعر منتج محدد. وهذا النموذج الذي يستند إليه هذا المنهج الاقتصادي قد أثبت انفصاله عن الواقع مرارا وتكرارا في سياق القرن العشرين.

وحتى الآن لا تزال تلك النظرية هي نقطة الانطلاق حتى بالنسبة للاقتصاد الأكاديمي الأكثر تقدما؛ حيث ينطوي على تقنيات حسابية ورياضية تتعامل مع حركة الأسواق يوما بيوم، وفي الأغلب تحقق نجاحا محدودا في ذلك.

إن حقيقة إخفاق هذه النماذج في تفسير ما يجري في الواقع قد ظهرت بشكل صارخ عندما اندلعت الأزمة الاقتصادية في العام 2007-2008؛ مما دفع أحد الأساتذة بكلية لندن للاقتصاد للتصريح بأن التدريب الذي تلقاه الاقتصاديون في الجامعات خلال آخر ثلاث عقود من التدريبات الجامعية للاقتصاديين كانت مضيعة للوقت ومثلت هدرا للموارد الخاصة والعامة. كما اضاف انه تبين ان اغلب الابتكارات النظرية لم تكن سوى نوع من اللهو الموجه نحو داخل الأوساط الجامعية. كما أكد أن دافع الأكاديميين كان في النظر إلى المنطق الداخلي للبرامج الجامعية الموجودة أصلا بدلا من أي رغبةٍ ملحةٍ في فهم كيفية عمل الاقتصاد.

أما اهتمامات الاقتصاديين الماركسيين فهي مختلفة بعض الشيء.

كذلك كانت اهتمامات الاقتصاديين القديمين من مؤيدي الرأسمالية الناشئة، خصوصا أسلاف كارل ماركس: آدم سميث وديفيد ريكاردو.

وأيا كانت القيود التي تحكم هؤلاء الرموز، فإنهم أرادوا التعامل مع نظام لم يكن يهيمن سوى على جيوب صغيرة في بدايات انتشاره العالمي. وبدلا من التركيز على المظهر السطحي للرأسمالية، حاول سميث وريكاردو وأمثالهم فهم ماهية العمل الفعلي للرأسمالية.

انتقد ماركس الاقتصاد السياسي الكلاسيكي- لسميث وريكاردو- لكنه استطاع تناول بعض رؤياهم وتعقبها للوصول لاستنتاج منطقي لفهم “قوانين حركة” النظام؛ ونظرة ماركس للرأسمالية من وجهة نظر العمال الذين يخلقون ثروة النظام بقوة عملهم، كانت أحد أسباب نجاحه في بلورة رؤياه. لم تكن مناولة ماركس للرأسمالية تهدف الى إثرائه الشخصي أو إصلاح مشاكل النظام اليومية؛ كان لابد من فهم نقات ضعف الرأسمالية وأسباب دخولها في أزمات وكيفية الإطاحة بها.

1- فهم ماركس للرأسمالية
يشمل الاقتصاد، حسب رؤية ماركس، دراسة كيفية حصول الإنتاج في مجتمع معين. وغالبا ما يتم اتهام الماركسية بالاختزال بسبب الدور المميز للاقتصاد في الماركسية، إلا أن ما أشار له ماركس ببساطة هو ظان الإنسان يحتاج الى المأكل والملبس والمأوى قبل الاهتمام بالسياسة والفلسفة والدين.

إن الأساس الاقتصادي للمجتمع، بمعنى كيف ينظم البشر أنفسهم لينتجوا، يعطي شكل المجتمع الأوسع الذي يعيشون فيه ويضع الأطر لتطوره عبر التاريخ. والرأسمالية التي نعيشها كمجتمع على مستوى العالم اليوم تتسم بأسلوب محدد لتجميع الناس لينتجوا؛ ولذلك سمتان هامتان.

أولا؛ إن غالبية الناس التي تعمل في ظل الرأسمالية لا يتحكمون بوسائل الإنتاج؛ إذ يعملون مقابل أجر يقدمه الرأسمالي الذي يوظفهم.

قد تضمنت كثير من المجتمعات السابقة تقسيما بين أولئك ممن هم في القمة وهؤلاء ممن في القاع؛ وغالبا ما كانت هذه العلاقات استغلالية بعمق ووضوح. فالعبيد في اليونان وروما القديمتين كان يتم استغلالهم دون أي مواربة من جانب مالك العبيد بسوطه المسلط عليهم. كما أن الفلاحين في أوروبا الإقطاعية المجبرين إما على العمل جزءا من اليوم على أراضي اللورد أو التنازل له عن جزء من إنتاجهم لابد وأنهم قد علموا أن الثروة يتم استخلاصها منهم.

أما في الرأسمالية فالأمور أقل وضوحا. مع ذلك، سنرى ان الاستغلال يحصل فعلا. إذ يستخلص الرأسمالي الثروة من العمال، حتى وإن تم إخفاء هذه العملية بستار الأجور والادعاء بأن العامل يتلقى “أجرا يوميا عادلا” مقابل “يوم عمل عادل”.

ثانيا؛ الإنتاج في الرأسمالية موجه للسوق، إذ أنه بصفة عامة وبخلاف المجتمعات السابقة، لا يعمل الناس لاستهلاك ما ينتجونه. فالسلع والخدمات التي ينتجونها تباع في السوق. وعلى الرغم من وجود السوق في مجتمعات سابقة، إلا أن الأسواق كانت هامشية بالنسبة لأغلب الناس، أما اليوم فالسوق هو حقيقة مركزية لوجود الإنسان.

ليس ذلك فقط، بل إن الأسواق تتضمن منافسة بين مختلف الرأسماليين. إنهم متحدين في رغبتهم للسيطرة على وسائل الإنتاج واستخلاص الثروة من العمال ومنقسمين في الوقت نفسه من خلال سعي كل منهم للحصول على الحصة الأكبر من الأرباح والأسواق. إن هذه المنافسة لها آثارها الهامة على كيفية تطور النظام الرأسمالي كما سنناقشه في الجزء الثاني من هذا الكراس.

2- نظرية العمل للقيمة
تقتضي الرأسمالية إنتاج السلع، أي إن الأشياء تُنتج لتُباع. أحد الأسئلة التي طرحها آدم سميث وديفيد ريكاردو هي: لماذا توجد قيمة معينة لسلع معينة؟

يعرض الاقتصاديون اليوم مجموعة من الأسباب، وينطوي أكثرها شيوعا على مفاهيم العرض والطلب: فإذا توافرت السلع وانخفض الطلب، فإن السلع تكون أرخص. أما إذا ندرت السلع وزاد الطلب عليها، فإن السلع تكون أغلى.

فهم ماركس أن التغيرات في العرض والطلب يمكن أن تؤثر على سعر السلع، وهذا ما يؤدي لتذبذب الأسعار في السوق؛ صعودا وهبوطا، مع تغير العرض والطلب. لكن ذلك لا يجيب عن سؤال “حول أي قيمة تذبذب أسعار السلع؟”.

إن المسألة الرئيسية التي حددها سميث وريكاردو، بطرق مختلفة، هي مسألة العمل. فما كمية العمل التي يتضمنها إنتاج سلعة ما؟ بمعنى آخر؛ كانت لديهم نظرية عمل للقيمة. وقد طوّر ماركس آراءهم مكونا نظرية العمل للقيمة الخاصة به والأكثر اتساقا وثورية.

أشار ماركس في كتابه “رأس المال” إلى أن لكل السلع “قيمة استعمال” كما سماها ماركس. وتعني ببساطة ما تُستعمل السلعة من أجله؛ فرغيف من الخبز يُستعمل إذ يمكن أكله، وغواصة نووية تُستخدم إذ يمكن بها تهديد أو قتل كثير من البشر، والكرسي مفيد لاستخدامه في الجلوس.

إن هذه القيم الاستعمالية لا يمكن مقارنتها ببعضها بسهولة؛ وهنا يكون للسلع المختلفة “قيمة تبادلية” (2). والقيمة التبادلية ببساطة هي نسبة مبادلة السلع ببعضها؛ إذ يمكن مبادلة كرسي واحد بمئة رغيف من الخبز، وبالمعنى النقدي يمكننا القول إن رغيفا من الخبز قد يتكلف 1 جنيه والكرسي يتكلف 100 جنيه. أو أن غواصة نووية تتكلف 5 مليار جنيه؛ وبالتالي يمكن مبادلتها مقابل 5 مليار رغيف خبز أو 50 مليون كرسي.

إذن ما هو الشيء المشترك الذي تتضمنه السلع المختلفة والذي يسمح بمقارنتها ببعضها بهذه الطريقة؟

جادل ماركس بأن الشيء المشترك هو ما أسماه ببساطة “القيمة”، وأن القيمة تعكس وقت العمل المبذول في إنتاج هذه السلع. فكل 1 جنيه يعكس مدة محددة من وقت العمل ينفقها الإنسان في إنتاج السلع.

برغم ذلك، وكما قال ماركس، ليست القيمة هي أي وقت من العمل؛ فقد يجد الكثير منا صعوبة في إنتاج كرسي واحد ويستغرق في ذلك وقتا طويلا، وهذا في الحقيقة لن يجعل هذا الكرسي أكثر قيمة من كرسي آخر أنتجه حرفي ماهر في زمن أقل. وقد جادل ماركس بأن ما يعنينا هنا هو “وقت العمل اللازم اجتماعيا” ويعني مقدار وقت العمل المطلوب لإنتاج سلعة ما في ظروف نموذجية وبدرجة عادية من المهارة وكثافة العمل والأدوات.

لا يسعى ماركس لإثبات نظرية قيمة العمل الخاصة به؛ ووجهة نظره في ذلك كالتالي: أولا، أن ذلك هو ما تفعله الرأسمالية؛ فهي تجمع قوى العمل من أجل إنتاج السلع التي تُقارن ببعضها لاحقا في السوق، وأن الشيء الوحيد المشترك والقابل للقياس في هذه السلع هو وقت العمل المتضمن في هذه السلع. وثانيا؛ إذا بدأنا النظر للرأسمالية بهذا الأسلوب؛ ستبدأ طريقة عمل النظام بالغة التعقيد في الوضوح، وهذه القدرة على فهم النظام- والتي لا يوفرها الاقتصاد التقليدي- هي برهان نظرية ماركس لقيمة العمل.

3- العمل الميت والعمل الحي
ما يهم ماركس عندما يتحدث عن كمية وقت العمل المستخدم في إنتاج سلعة ما، هو إجمالي وقت العمل الضروري اجتماعيا والذي يتألف من نوعين من العمل؛ أولهما النوع الأبسط والمسمى بـ “العمل الحي”. وهو العمل الذي يبذله العمال في المكان والزمان الحاليين. ومثالا لذلك؛ عمل الفرد لصنع كرسي.

يستلزم لذلك إضافة كم محدد من “العمل الميت”؛ وهو العمل المبذول في الماضي والمتضمَن داخل المواد الأولية والآلات اللازمة لإنتاج السلعة النهائية. وفي مثال الكرسي الخشبي؛ يجب أن يكون لديك عملا ميتا من خشب وصمغ ومسامير الخ، كل هذه الأشياء لها قيمتها التي كانت نشأت من عملية إنتاجها. فهناك العمل المبذول لتقطيع الأشجار وتقسيم جذوعها في ألواح خشبية؛ إلى جانب العمل المتضمن في نقل هذه الأخشاب، إلخ.

كما أن الأدوات والماكينات المستخدمة في إنتاج الكرسي سوف تبلى وتُستهلك بمرور الوقت؛ وبينما تُستهلك هذه الأدوات، فإن جزءا من قيمتها ينتقل أيضا إلى المنتوج النهائي.

وتعكس قيمة السلعة النهائية كل ذلك. وفي حالة الكرسي المذكورة سابقا، فإنها تعكس قيم كل المدخلات من مواد أولية وجزء من الأدوات والماكينات بالإضافة للقيمة التي أضافها العمل الحي للعامل.

4- فائض القيمة والربح والاستغلال
إذا افترضنا أن الرأسمالي يستطيع بيع السلعة المنتجة بقيمتها، فإنه سيسترجع كمية ما أنفقه للحصول على المواد الأولية والجزء المتعلق بقيمة الماكينات والأدوات وغيرها مما استُخدم في إنتاج السلعة.

إذا فالعمل الميت الذي اشتراه الرأسماليون لا ينتج عنه أي ربح أو خسارة؛ ماذا إذن عن العمل الحي الذي أضيف إلى قيمة المنتج النهائي بواسطة العامل؟
هنا تصبح الأمور أكثر إثارة للانتباه: الرأسمالي يستأجر قوة العمل أي قدرة العامل على العمل؛ ولنفترض أن الرأسمالي يستأجر العامل ليوم عمل من ثماني ساعات، وأن العامل في هذه المدة يضيف قيمة للمنتج النهائي تساوي ثماني ساعات؛ فكم ينبغي أن يدفع الرأسمالي للعامل مقابل عمل اليوم؟
لا يوجد سبب يفسر لماذا يجب أن يتقاضى العامل ما يساوي ثماني ساعات من القيمة، فالعامل يلزمه ببساطة قيمة تكفيه ليعاود العمل في اليوم التالي من مأكل وملبس واسترخاء يكفي لإعادة تنشيط قوة عمله.

هذه القيمة ربما تقل كثيرا عن الساعات الثمانية؛ فربما تكون ساعتين أو ثلاثة أو أربعة مثلا. وبغض النظر عن الكمية الدقيقة، فإن الرأسمالي لن يربت على كتف العامل في لحظة معينة من يوم العمل ليخبره بأنه قد أدى عمله حتى الآن إلى تغطية تكلفة ما يتقاضاه من أجر وأنه بدءا من هذه اللحظة (ولباقي اليوم) يعمل لمنفعة الرأسمالي بشكل بحت؛ العملية تُخفى وراء مسألة الأجور ولكنها تبقى هي الاستغلال.

أطلق ماركس على الفارق بين القيمة التي يخلقها العمل الحي وبين ما يتلقاه العمال “فائض القيمة”؛ وهي القيمة الناشئة من وقت العمل الفائض.
إن فائض القيمة هو ما يشكل أساس الأرباح التي يجنيها الرأسمالي، وبالنسبة لماركس فإن كل ربح الرأسمالي بالتأكيد يُستمد أساسيا من استخلاص فائض القيمة من العمال. وهذا هو سبب رؤية ماركس للرأسمالية كنظام مبني على استغلال العمال.

5- رأس المال
إن رأس المال هو القيمة التي توضع في حركة من أجل التوسع، أي من أجل توليد الربح.

كما رأينا، فالرأسماليون يشترون العمل الميت ويستأجرون العمل الحي للعمل لصالحهم، ومن ناتج عملية الاستغلال يحصلون على ربح.

ومن وجهة نظر الرأسمالي، قسم ماركس رأس المال إلى ما أسماه “رأس المال الثابت” و”رأس المال المتغير”. والمقصود برأس المال الثابت هو المواد الأولية والماكينات إلى آخره مما يشتريه الرأسمالي. وهذه زاوية أخرى للنظر إلى العمل الميت، والسبب الذي جعل ماركس يصفه بالثابت هو أن قيمته لا تنمو ولا تنكمش أثناء عملية الإنتاج؛ وإنما تنتقل قيمته ببساطة إلى المنتج النهائي. أما المقصود برأس المال المتغير فهو القيمة المقدمة لتوظيف العمال؛ وهذه متغيرة لأنها تُحدث قيمة جديدة لصالح الرأسمالي أثناء عملية الإنتاج وهي القيمة المضافة.

وبرغم ذلك فإن الأمر يبدو، من وجهة نظر الرأسمالي، كما لو أن رأس ماله (أو رأس مالها) ككل هو ما ينتج الربح، حتى وإن كان الواقع هو أن العمل المأجور بواسطة رأس المال المتغير هو وحده ما يخلق الربح.

هناك أيضا مجموعات من الرأسماليين، كما عرفهم ماركس، يستمدون أرباحا بطرق أخرى. من هذه الطرق مثلا، ما سنناقشه في الجزء الثاني من هذا الكراس بخصوص من يديرون بنوكا والتي غالبا ما تكون مربحة جدا. لكن هذه الأرباح، وغيرها مما يتم كسبها في مجالات أخرى من الاقتصاد غير المنتجة للسلع أو للخدمات والتي لا تخلق فائض قيمة، إنما تتضمن مجموعات من الرأسماليين يستولون على حصة من إجمالي فائض القيمة الناشئ من الإنتاج. وبمعنى آخر، فإن الدرجة التي يتم عندها استخلاص فائض القيمة من مجمل طبقة العاملين بأجر، هي ما تحدد إجمالي الربح الذي يتصارع عليه لاحقا الرأسماليون المختلفون.

6- الصراع الطبقي
إن أماكن العمل هي الموقع الأساسي لتوليد الربح، ولهذا السبب يخصص الرأسماليون قدرا كبيرا من الوقت والطاقة لضمان أداء العمال لعملهم لوقت طويل وباجتهاد. كما أن حقيقة الاستغلال تضمن وجود نضالات حول مسائل مثل طول مدة يوم العمل أو درجة كثافة الاستغلال، وقد خصص ماركس جزًا كبيرًا من المجلد الأول لكتابه “رأس المال” لدراسة تلك الصراعات.

إن الأجور، وهي كمية ما يتقاضاه العمال لإعادة إنتاج قوة عملهم، ليست مقدارا ثابتا. وهناك مكون “معنوي وتاريخي” لمسألة الأجور، كما وصفه ماركس، أحدثته الصراعات الماضية والحاضرة.

إن واقع الاستغلال وما ينتج عنه من معارك يوضح كيف أن الصراع الطبقي بين الرأسماليين والعمال هو جزء متأصل في المجتمع الرأسمالي وليس شيئا يظهر ببساطة في لحظات معينة. وبالفعل قد تحدّث ماركس عن كون الصراع الطبقي “تارة مخفيا وطورا مفتوحا”. حتى في أصعب الظروف يجد العمال وسائل للمقاومة؛ إما من خلال التباطؤ أو التخريب أو حتى بمنتهى البساطة من خلال انتزاع دقائق قليلة إضافية للذهاب لدورات المياه أو في راحات الغداء.

يستطيع العمال إدراك ما لديهم من قوة من خلال ممارسة المقاومة، ولهذه القوة اعتبارها. على خلاف الأشكال الأخرى من الاضطهاد مثل العنصرية والتمييز الجنسي، فإن استغلال العمال هو بالواقع مصدر للقوة. فقدرة العمال على الإضراب والامتناع عن العمل أو احتلال أماكن العمل هي تشكل قوة سلطة على أرباح أرباب عملهم. وكما سنرى في الجزء الثاني من هذا الكراس، فإن هذه الأرباح هي شريان حياة النظام الرأسمالي.

هوامش:
(1) إن الدرجة التي يخشى حديثي العهد بالماركسية من أفكار ماركس هي ما دفعنا لإصدار هذا الكراس التعليمي والذي يحاول إرشاد القارئ بدلا من طرح بعض المقالات حول الاقتصاد؛ ويتألف الكراس من جزئين وبالتالي يمكن تناوله على مرحلتين.

(2) كأي محاولة علمية لفهم جانب من جوانب الحياة؛ يتضمن الاقتصاد الماركسي قدرا محددا من المصطلحات. وملخص هذه المصطلحات سيتم عرضه في نهاية الكراس لتسهيل وصول القاريء لتعريف المصطلحات.

التالي »