بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

مقدمة في الاقتصاد الماركسي

« السابق التالي »

الجزء الثاني: الأزمة والتراكم

عرَّف ماركس الرأسمالية بأنها مزيج من الاستبداد في أماكن العمل والفوضى في السوق. وفي الجزء الأول تعرضنا للجانب الأول من ذلك وهو الاستغلال الذي ينشئ الربح داخل أماكن العمل. والآن ينبغي أن ننظر لكيفية تنافس الرأسماليين.

1- المنافسة في السوق
وُجدت الأسواق قبل أن تصبح الرأسمالية نظاما اقتصاديا مسيطرا بوقت طويل، لكنها بشكل عام قد لعبت دورا ثانويا في حياة الناس. أما في الرأسمالية، فالسوق له دور مركزي. إذ أن تقريبا كل ما يحتاجه غالبية العمال، سواء من بضائع من مأكل وملبس وأجهزة تليفزيون وكومبيوتر أو من خدمات مثل رحلات الاتوبيس أو دخول السينما، كل ذلك يتم مبادلته بالنقود في السوق. والأمر نفسه بالنسبة للرأسمالي، الذي يشتري الماكينات والمواد الأولية ويستأجر قوة العمل من سوق العمل.

ليس السوق مكانا لمبادلة البضائع بالنقود فحسب، بل هو أيضا مكان للمنافسة الشديدة بين الرأسماليين. وقد وصف ماركس الطبقة الرأسمالية بأنهم “عصابة من الإخوة الأعداء” تجمعهم رغبة مشتركة في استغلال الطبقة العاملة؛ وفي الوقت نفسه يحارب بعضهم البعض لتحديد من سيحصل على الحصة الأكبر من الأرباح التي تتولد من استغلال العمال.

إن هذه المعركة التنافسية تدور في المقام الأول من خلال خفض أسعار السلع، إذ يحاول الرأسمالي التغلب على منافسيه من خلال تخفيض أسعار السلع والخدمات التي يبيعها لمستوى أدنى من أسعار منافسيه.

2- تخفيض أسعار السلع
كيف يخفض الرأسماليون من أسعار السلع التي يبيعونها دون التأثير على أرباحهم؟

بشكل عام؛ فالمنافسة في الأسعار تشمل رفع إنتاجية القوة العاملة، وذلك من خلال إدخال أساليب جديدة وبالتحديد تقنيات جديدة تسمح بإنتاج سلع وخدمات معينة باستخدام قدرا أقل من قوة العمل الإجمالية. وبمعنى آخر، يمكن استخدام ابتكارات تقلل من إجمالي وقت العمل اللازم اجتماعيا والمدمج في كل سلعة معينة.

يمكننا شرح ذلك بمثال بسيط (3)؛ لنفترض إنني أملك شركة للطباعة، وأنني أوظف عاملة واحدة (وهذا فرضا لتبسيط الحسابات) تعمل لمدة عشر ساعات يوميا وتتقاضى أجرا تساوي قيمته خمس ساعات.

وللتبسيط، لنقل أن ساعة العمل الواحدة تساوي 1 جنيه تحديدا. في هذه الحالة، ستتقاضى العاملة أجرا يوميا يساوي 5 جنيه، وإجمالي القيمة الجديدة التي ستخلقها هذه العاملة (العمل الحي الذي أوظفه) يساوي 10 جنيه.

لكن، وكما ناقشنا في الجزء الأول، بعض العمل الميت سيُستهلك أيضا في هذه العملية. لنقل إن العمل الميت المستهلك يوميا يساوي 15 جنيه؛ شاملا جزء من قيمة ماكينة الطباعة بالإضافة للمواد الأولية مثل الورق والحبر.

إذًا فإجمالي قيمة المنتج تساوي 25 جنيه. وجدت أنه يمكنني إنتاج 25 نسخة من كتاب أثناء يوم العمل الواحد؛ وبالتالي فكل نسخة ستُباع مقابل 1 جنيه. وسنفترض أنني استخدم الأساليب والماكينة النموذجية التي يستخدمها كل الرأسماليين الآخرين في صناعة المطبوعات، والذين يبيعون كتبهم بنفس السعر (1 جنيه للكتاب).

إذًا، كيف يمكنني التغلب على المنافسين؟

إن الإجابة هي أن آخذ بعضًا من الأرباح التي جمعتها خلال الفترة السابقة واستثمرها في ماكينة طباعة أحدث وأقوى وأكثر تقدما. ولنقل – جدلا- أن ماكينة الطباعة الجديدة تلك غالية الثمن ولابد من دفع 45 جنيه كاستثمار في العمل الميت (ثلاثة أضعاف العمل الميت بالدورة السابقة). وهذه الجنيهات الخمس وأربعون تمثل جزءا من ماكينة الطباعة الجديدة باهظة الثمن التي اشتريتها إلى جانب كمية أكبر من الحبر والورق ستتحول فيما بعد لكتب خلال يوم العمل. بعد كل ذلك، وجدت أنه يمكنني إنتاج 100 كتاب كل يوم.

لازلت أوظف عاملة واحدة لتشغيل ماكينة الطباعة (أي أن كمية العمل الحي المستَغل والأجور المدفوعة وفائض القيمة الناتج لم تتغير).

بالتالي، فإن إجمالي القيمة المنتجة الآن كل يوم = 45 جنيه + 10 جنيه = 55 جنيه.

إذن فكل كتاب من 100 كتاب أنتجها الآن يتكلف 55 قرشا؛ وهذه هي القيمة الجديدة المحتواة في كل كتاب. لكنني لا أجد سببا يضطرني لبيع كتبي مقابل 55 قرشا، فالمنافسون لا يزالون يبيعون كتبهم مقابل 1 جنيه. إذًا فيمكنني بيع كتابي مقابل 95 قرشا، وفي وقت قريب سأحقق أرباحًا ضخمة لأنني أبيع كتبي بسعر يفوق تكلفة الإنتاج الجديدة (القيمة الجديدة، أي 55 قرش) وهو نفسه السعر الذي يقل عن سعر المنافسين.

في النهاية، فإن أي رأسمالي لا يدخل التكنولوجيا الجديدة (ماكينة الطباعة الحديثة في المثال) في مصنعه سيخرج من المنافسة، إذ لن يقدر أن ينافسني. وهذا يحفز كل الرأسماليين على تكرار الاستثمار الذي قمت به وحتى التغلب عليّ إن استطاعوا من خلال استخدام تقنيات أكثر تقدما.

من خلال هذه العملية تستمر منافسة تخفيض الأسعار حتى تقترب هذه المنافسة بسعر المنتج من قيمته الجديدة (55 قرشا للكتاب).

3- التراكم
يوضح هذا المثال شديد البساطة كيف يتنافس الرأسماليون، ولكن هذه المنافسة تتطلب استثمارا؛ وهذا الاستثمار بدوره يُموّل بالأرباح. بمعنى آخر، يضطر الرأسماليون لتحويل بعض أرباحهم إلى استثمارات جديدة. وهذا ما أسماه ماركس “التراكم”.

ولتحقق التراكم، عليك أن تستغل العمال مستخلصًا فائض القيمة من العمل الحي وعليك أيضا أن تنافس. ومن لا يفعل ذلك من الرأسماليين يخرج من مجال الأعمال. ولنتخيل رأسماليًا يمتلك مطبعة ويحاول أن يستخدم ماكينات طباعة عمرها 100 سنة؛ إلى أي مدى يمكنه البقاء في صناعة الطباعة؟

لا يوجد ما يسمى بالرأسمالي الأخلاقي؛ فإما أن تكون أخلاقيًا أو تكون رأسماليًا. وهذا يعني أن النظام، وبشكل أساسي، هو نظام خارج عن السيطرة، وذلك ليس بالنسبة للعمال فقط ولكن بالنسبة للرأسماليين أيضا. فالرأسماليون مرغمون على التصرف بأسلوب يحدده منطق نظامهم الرأسمالي نفسه.

إن ما سبق يجعل من الرأسمالية النظام الاقتصادي الأكثر ديناميكية على الإطلاق. فالرأسمالية تبتكر وتقدم التكنولوجيا الجديدة محولة ظروف الوجود الإنساني بشكل متكرر وبوتيرة أعلى من أي مجتمع سابق؛ وهي بذلك تخلق للإنسانية إمكانية القضاء على الندرة والجوع والحاجة. لكنها في الوقت نفسه تخفق في تحقيق هذه الإمكانية. إذ أن التوجه نحو التراكم يجعل أيضًا من الرأسمالية النظام الأكثر تدميرًا على الإطلاق؛ وذلك لأنها يجب عليها القضاء على أي عائق امام التراكم، مثل إجراءات السلامة في أماكن العمل وحقوق العمال والبيئة وغيرها.

كما أن الرأسمالية نظام غير مخطط قد تجد فيه تسارعًا انفجاريا للتراكم وللنمو ثم تجد انهيارا حيث يمتلئ السوق بفائض في عدد السلع ويجاهد كل واحدٍ من الرأسماليين المتنافسين لطرد الآخر من المنافسة.

يعني ذلك بشكل عام أن هذا النظام سيحوي دائما دورات من الازدهار والكساد، كما ظهر طيلة تاريخ الرأسمالية. وبرغم أن السبب الدقيق لكل أزمة على حدة يختلف عن أسباب الأزمات الأخرى، فإن دائما ما ستحدث الأزمات بسبب طبيعة النظام. وقد تحدث الأزمة بسبب زيادة في الإنتاج لا يستوعبها السوق أو بسبب المضاربة المالية ومقامرة الأفراد على استمرار الازدهار طويلا أو بسبب أي من المشاكل العديدة التي تصيب النظام دوريا. فمن المستحيل أن يبقى هناك رأسمالية دون أزمات.

4- الأزمة تزداد عمقا
إلى جانب ذلك النمط العام من الازدهار والركود، توجد اتجاهات تميل على المدى الطويل إلى جعل الركود أسوأ وجعل الازدهار أضعف، وأهم هذه الاتجاهات هو ما أسماه ماركس “قانون ميل معدل الربح نحو الانخفاض”.

وحتى نفهم كيف يعمل هذا القانون، يمكننا الرجوع للمثال السابق الخاص بصناعة طباعة الكتب. وقد اتضح في هذا المثال كيف أنه في مدى قصير يمكنني –كرأسمالي- أن أحقق أرباحا ضخمة من خلال الاقتطاع من أرباح المنافسين بعد أن أدخلت على صناعتي تكنولوجيا أحدث وأقوى.

ماذا سيحدث إذن عندما يستحدث كل المتنافسين نفس الأسلوب الجديد في الصناعة؟

في النهاية سينخفض ثمن الكتاب ليصل لقيمته الجديدة (55 قرشا).

لنلقي نظرة إلى مصير الأرباح خلال هذه العملية.

قبل أن أشتري آلة الطباعة الجديدة؛ كنت أكسب 5 جنيهات يوميًا (الجزء غير المدفوع من القيمة الجديدة التي خلقتها العاملة الموظفة بمصنعي) وهذا المكسب على أساس استثمار 20 جنيها (أجور وعمل ميت تُستخدم في الإنتاج). وكرأسمالي لا يهمني مقدار الربح بقدر ما يهمني العائد على الاستثمار. وهو عدد الجنيهات التي أربحها مقابل كل جنيه استثمره. وهذا العائد (ما أربحه مقسوما على ما استثمره) هو ما أطلق عليه ماركس “معدل الربح”.

في البداية كان معدل الربح = 5/20 = ¼ = 25%.

ماذا يحدث بعد أن أصبحت آلة الطباعة الجديدة في متناول جميع الرأسماليين في صناعة الطباعة؟ سينخفض سعر بيع الكتاب الى 55 قرشًا.

مازلت أحقق 5 جنيهات ربحا يوميا لأنني لازلت أوظف عاملة واحدة تخلق 10 جنيهات قيمة جديدة وتتلقى 5 جنيهات كأجر. لكن إجمالي استثماري يساوي 50 جنيها.

معدل الربح الآن = 5/50 = 1/10 = 10%!

إذن بمعنى آخر؛ ربما أحقق في المدى القصير أرباحا ضخمة، لكن معدل الربح سينخفض على المدى الطويل على مستوى صناعة الطباعة.

لننظر الآن لهذه العملية وهي تحدث على مستوى النظام الرأسمالي ككل. سنجد – على المدى البعيد جدا- أن الاستثمار في قدر أضخم وأضخم من العمل الميت بالنسبة للعمل الحي على مستوى النظام كله يشكل ضغطًا على معدلات الربح، وهذا ما يدفع معدل الربح نحو الانخفاض في المدى الطويل.

وكما جادل ماركس، فإن للرأسمالية ميول نحو إقصاء العنصر الخالق للقيمة الجديدة، وهو العمل الحي. كتلة أكبر وأكبر من الاستثمارات تطارد كتلة من الأرباح قياسها اصلًا مقيد بحجم الطبقة العاملة وكمية العمل التي تؤديها هذه الطبقة.

إن أحد سخافات الرأسمالية هي أن الرأسماليين، كما سبق ورأينا، مرغمون على مراكمة الأرباح، لكنهم في فعلهم هذا يطلقون عمليات تخفض من معدلات أرباحهم على المدى الطويل. هذا بدوره يزيد من صعوبة التراكم الإضافي.

إذا كان معدل ربحك على مدار عام يساوي 50%، يمكنك ببساطة أن تحتفظ بأموالك لمدة عامين ثم تستخدمها بعد ذلك في مضاعفة حجم أعمالك. وإذا كان معدل ربحك 10%، فسيتطلب الأمر منك 10 أعوام. أما إذا كان 1% فسيلزمك قرنا كاملا.

إن هذا التراجع الطويل في الربحية، والذي يعيق قدرة النظام على التوسع هو ما يدفع الأزمات نحو التفاقم ويجعل التعافي منها أضعف.

5- رفع معدلات الربح
لو كان ما سبق هو كل ما تحويه الصورة؛ لانهارت الرأسمالية منذ زمن. وقد وعى ماركس أن الأمور ليست بهذه البساطة، ولذلك فبجانب قانونه لميل معدل الربح نحو الانخفاض، تحدث ماركس عن اتجاهات تعويضية تبطئ أو تعكس هذه العملية.

يوجد اتجاهان هامان من هذه الاتجاهات. الأول هو أن يقوم الرأسمالي ببساطة بزيادة مقدور استغلاله للعمل الحي. ولنتخيل في المثال المذكور سابقا أنني – كرأسمالي – توقفت عن دفع 5 جنيهات يوميا للعاملة التي أوظفها وخفضت أجرها إلى 4 جنيهات يوميًا. ذلك سيرفع معدل أرباحي على الفور. لكن هناك حدود لذلك، فحتى لو استطعت أن أخفض أجر العاملة إلى صفر جنيه يوميا، لا يمكنني أن أستخلص منها أكثر من 10 جنيهات كقيمة يومية. وقبل أن أخفض أجرها إلى لا شيء فمن المحتمل أن تترك العمل أو تضرب عنه! كما أن الأجر لابد وأن يكون كافيا لإعادة إنتاج قدرة العاملة على العمل إلى جانب المتطلبات المادية الأساسية مثل المأكل والملبس والمأوى؛ فهناك، كما ذكرنا سابقا، عنصرا معنويا وتاريخيا للأجور انتزعه العمال من الرأسماليين بنضالهم الماضي والحاضر.

أما الآلية الثانية فهي تخفيض كلفة الاستثمارات. فعملية المنافسة في الأسعار التي أشرنا لها تؤثر أيضًا على سعر المواد الأولية والماكينات التي يشتريها الرأسمالي بما يشمل الاستثمارات الجديدة. ولنرجع لمثالنا، فإذا انخفض سعر ماكينة الطباعة الجديدة المتطورة التي اشتريتها، وانخفض سعر المواد الأولية كالورق والحبر، ذلك يعني أن إجمالي المبلغ الذي استثمره في العمل الميت قد انخفض فعليا بدلا من الارتفاع؛ وبالتالي فإنني أتوقع أن يرتفع معدل ربح صناعتي.

مبدئيا، لا يوجد سبب لعدم حصول ذلك؛ أما فعليا، فالأمور في الرأسمالية تميل للعمل بشكل مختلف.

التكنولوجيا الحديثة تميل للبدء بسعر مرتفع. لكن هناك منفعة ضخمة تعود على أول الرأسماليين الذي يحصل عليها، وإن كانت بسعر غالٍ؛ وذلك لأنني –كرأسمالي في المثال- انتفعت بها في التغلب على المنافسين. وقد ينخفض سعر التكنولوجيا الجديدة لاحقا، لكن ذلك لا يعود على بالنفع بالضرورة. تخيل انني استثمرت 10 ملايين جنيه في آلة الطباعة الجديدة؛ فلن ينفعني أن ينخفض سعرها إلى 1 مليون جنيه خلال عام. وفي الحقيقة هذا يساعد المنافسين في التغلب عليَ والتقليل من أرباحي.

عمليا وخلال فترات زمنية طويلة، إن المشهد الظاهر هو ارتفاع الاستثمار بالنسبة للربح وبالتالي انخفاض الربحية على المدى الطويل.

إذن، كيف يمكن واقعيًا استعادة معدلات الربح بشكل فعَال؟

6- الأزمة وتدمير رأس المال
إن الطريقة الأهم لاستعادة معدلات الربح هي ما أطلق عليه ماركس “تدمير رأس المال” وهذا يحدث أثناء الأزمة نفسها. في خلال الأزمة يبدأ أمران في الحدوث؛ الأول هو أن يتلقى العمال ضربة من خلال البطالة وانخفاض الأجور، وهذا ما قد يمنح النظام انتعاشًا على المدى القصير.

والأكثر أهمية من ذلك، أنه خلال الأزمة تقوم الشركات المتعثرة بإغراق السوق بسلعها بسعر لا يمثل سوى جزء صغير من قيمتها الحقيقية، أو تفلس تلك الشركات معرضة نفسها أو ممتلكاتها للبيع أمام الشركات المنافسة وبسعر رخيص. وترتفع أرباح تلك الشركات التي تنجو من الأزمة وتنتزع هذه الاستثمارات الرخيصة وترتفع أرباحها نسبة إلى استثماراتها – كما تلقى هذه الشركات الناجية انتعاشًا من جراء الهجوم على العمال.

إن هذه العملية من التدمير وخفض القيمة، والتي تحدث عبر النظام الرأسمالي ككل، تستطيع أن توفر استعادة كافية للربحية تصل بالنظام للازدهار مرة أخرى.

إن قياس التدمير يستطيع أن يؤثر على قياس الازدهار الذي يتبعه، وسبب ازدهار ما بعد الحرب العالمية الثانية البادئ بقوة في أواخر أربعينات القرن الماضي هو مدى تدمير رأس المال في الفترة السابقة له (فترة الثلاثينات والحرب العالمية الثانية).

7- تمركز وتركز رأس المال
إن العملية التي تهرب من خلالها الرأسمالية، في المدى البعيد، من نزعاتها الذاتية في اتجاه الأزمة هي عملية من تدمير جزء من النظام. لكن هذه العملية تزداد خطورتها مع مرور الوقت، والسبب وراء ذلك هو التغيرات التي يمر فيها النظام مع الوقت.

إن الرأسمالية التي حللها ماركس كانت رأسمالية شركات صغيرة يديرها رأسماليون أفراد. ومع تطور النظام تؤدي عملية التراكم إلى ما أسماه ماركس “تركز رأس المال” وهو تكدس القيمة في يد الرأسماليين لدرجة كبيرة أثناء استخلاصهم للأرباح من العمال. وإلى جانب تلك العملية؛ هناك عملية ثانية وهي “تمركز رأس المال”، ويقصد بها تغلب الرأسماليين الناجحين على منافسيهم مما ينتج عنه شركات أكبر.

تخلق هذه الآليات عالما من الشركات العملاقة المتشابكة. خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ترافقت هذه الآليات نزعة أخرى وهي تفاقم اهمية الدور الذي تلعبه الدولة في المجال الاقتصادي، لخلق عالم “الإمبريالية”؛ عالم مكون من شركات عملاقة عالقة مع دولها القومية الخاصة بها، تسعى الى تقاسم النفوذ على الاقتصاد العالمي فيما بينها مستعينة بالوسائل العسكرية جنبًا الى جنب مع الوسائل الاقتصادية.

القياس الكبير لوحدات رأس المال قد يدعو حكام الدول واصدقائهم في الدائرة الأوسع للطبقة الحاكمة الى الخوف من السماح للأزمة بإسقاط الشركات العملاقة التي تشكل النظام. انهم يواجهون خطر حقيقي وهو دخول الرأسمالية في ركود لا يمكنهم سحبها منه. لذا يمكنهم احيانًا التدخل لمنع تفاقم الأزمة، مثلا من خلال انقاذ الشركات المتعثرة او دعم المصارف. لكن التناقض هنا يكمن في ان من خلال هذا التدخل قد تُمنع الأزمة من لعب دورها “بتنظيف” النظام، مما قد يؤدي إلى فترات طويلة من الربحية المتدنية.

8- المالية والمضاربة
تبقى هناك سمة أخرى من سمات الرأسمالية ستساعدنا في إكمال هذا العرض الأساسي.

إن المالية، ومنذ البداية، كانت ملمحا من ملامح هذا النظام. فالنشاط المصرفي يلعب دورا هاما في المساعدة على دفع التراكم.

في أي لحظة، هناك رأسمالي يملك أرباحا لا يستخدمها وهناك رأسمالي آخر يحتاج مالا ليستثمره لكنه لم يحقق بعد الربح الكافي لتمويل الاستثمار. المصارف تسمح للرأسماليين بإيداع أموالهم الخاملة في حسابات مصرفية ليكسبوا في المقابل بعض الفائدة. كما تقرض المصارف رأسماليين راغبين في الاستثمار وفي المقابل تأخذ منهم فائدة.

إن الفائدة التي يدفعها الرأسماليون للمصارف هي جزء من فائض القيمة المستخرج من العمال. طبعًا لدى المصارف أنشطة أخرى مثل السماح للعمال بإيداع ما يكسبونه من العمل وإقراض الناس لشراء ما يستهلكونه وغيره. لكن الوظيفة الأساسية والأهم للنظام المالي تبقى تسهيل عملية التراكم و”دفع الرأسمالية إلى تجاوز حدودها” كما أشار ماركس.

فضلا عن دفع الرأسمالية إلى تجاوز حدودها، قد تؤدي المالية إلى نشر وتفاقم الأزمة. فأثناء الأزمة قد تصاب المصارف بحالة من الهلع حول ما قدموه من قروض وحول إمكانية استردادها. فالديون قد تُستدعى للسداد فجأة؛ وهذا يدفع الشركات المتعثرة نحو الإفلاس. أو أن مصرف ما قد ينهار ساحبًا معه (نحو الانهيار) عددا من الشركات الناجحة نسبيا التي قد سبق وأودعت اموالها في هذا البنك.

ليس ذلك فقط؛ بل أن النظام المالي يشمل أيضا أنشطة تتعدى مسألة الإقراض والاقتراض. إذ أن مع تطور الرأسمالية يبدأ نشوء أسواق لـ “رأس المال الزائف” كما أسماه ماركس.

تشكل البورصة أحد الأمثلة. إذ تعرض الشركات أسهمها التي يشتريها المستثمرون، وهذه الأسهم قد تعطي صاحبها دورا في إدارة الشركة وعمومًا تكسبه جزءًا من الأرباح. لكن هذه الأسهم لا تعتبر رأس مال بالمعنى الماركسي. المال الذي تكسبه الشركة من بيع الأسهم والذي يمكنها انفاقه على آلات أو أجور هو رأس مال حقيقي. وعلى عكس ذلك، الأسهم هي ببساطة قطع من الورق تمنح حاملها حقوقا معينة في الشركة (طارحة الأسهم في البداية). لكن الأسهم لها سعر مرفق بها ويكسب حاملها دخلا جاريا؛ وبالتالي تبدو ظاهريا وكأنها رأس مال لكنه رأس مال زائف.

عندما يستثمر الرأسماليون في رأس المال الزائف، فهم إما يحاولون وضع أيديهم على دخلا جاريا من إنتاج يتوقعون حصوله في المستقبل أو أنهم ببساطة يضاربون في البورصة، أي يشترون أسهم على أملا في أن ترتفع أسعارها ليبيعوها محققين ربحا. وكلا العمليتين تتضمن مخاطرة على المستثمرين.

تنامى بعض هذه الأسواق المالية بشكل شديد التعقيد، لكن ما يربطهم جميعا هو أن أنشطتهم لا تنتج أي قيمة جديدة بشكل مباشر. فهذه الأسواق هي مكان يستخدم فيه الرأسماليون ثرواتهم لمحاولة تحقيق ربح ورقي من خلال خداع بعضهم البعض مثلما يحدث في نادي كبير للمقامرة.

وبرغم ذلك، تتصل هذه الأسواق في النهاية بعالم الإنتاج. وما دامت الأمور تجري بشكل جيد، فأسعار الأسهم (وغيرها من أمثلة رأس المال الزائف) غالبا ما تفقد اتصالها بقدرة النظام على توليد قيمة جديدة. وهذا ما يسمى بالفقاعة المالية.

لكن مثل ذلك الموقف لا يمكن أن يستمر إلى أجل غير مسمى؛ في النهاية تجبر الأزمة النظام المالي بعنف على العودة إلى واقع ما تستطيع الرأسمالية تحقيقه. وأحيانا ينخفض سعر الأسهم فجأة بتأثير محدود على الاقتصاد الأوسع وأحيانا أخرى تساعد مثل هذه الفورات المالية على تحفيز وإعلان أزمة أوسع تظهر من خلالها مشكلات كامنة في النظام الرأسمالي.

9- المثال العددي (4)
لقد فرضنا (تبسيطا للحسابات) أن 1 جنيه يساوي ساعة واحدة من وقت العمل الضروري اجتماعيا.
الحالة الأولى

هناك عاملة واحدة؛ تعمل لمدة 10 ساعات يوميا وتتقاضى 5 جنيه كل يوم. بالإضافة إلى 15 جنيه من المواد الخام واستهلاك الماكينة كل يوم. وأنني أنتج 25 كتابا.

إذن:
العمل الميت المستخدم= 15 جنيه.
العمل الحي المضاف= 10 جنيه.
الأجور= 5 جنيه.
الاستثمار= العمل الميت+ الأجور = 15 جنيه+ 5 جنيه = 20 جنيه.
قيمة الناتج= العمل الميت + العمل الحي = 15 جنيه + 10 جنيه = 25 جنيه.
قيمة الكتاب الواحد= قيمة الناتج / عدد الكتب = 25 جنيه / 25 = 1 جنيه.
فائض القيمة = العمل الحي المضاف – الأجور = 10 جنيه – 5 جنيه = 5 جنيه.
معدل الربح = فائض القيمة / الاستثمار = 5 جنيه / 20 جنيه = ¼.

بعد أن حصل الجميع على التكنولوجيا الجديدة لاتزال هناك عاملة واحدة، ولا تزال تعمل عشر ساعات يوميا وتتقاضى 5 جنيه أجرا يوميا. لكن الآن لدينا 45 جنيه من المواد الخام والماكينة يتم استهلاكها يوميا. وأنني أنتج حاليا 100 كتاب.

إذن:
العمل الميت المستخدم= 45 جنيه.
العمل الحي المضاف = 10 جنيه.
الأجور= 5 جنيه.
الاستثمار= العمل الميت + الأجور = 45 جنيه + 5 جنيه = 50 جنيه.
قيمة الناتج = العمل الميت + العمل الحي = 45 جنيه + 10 جنيه = 55 جنيه.
قيمة الكتاب الواحد = قيمة الناتج / عدد الكتب = 55 جنيه / 100 = 0.55 جنيه.
فائض القيمة = العمل الحي المضاف – الأجور = 10 جنيه – 5 جنيه = 5 جنيه.
معدل الربح = فائض القيمة / الاستثمار = 5 جنيه / 50 جنيه = 1/10.

هوامش:
(3) هذا المثال العددي سيتم عرضه باختصار وبالأرقام في نهاية الكراس.

(4) هذا المثال العددي الذي ذُكر في الجزء الثاني من الكراس؛ وهو يشرح ببساطة نموذجا لما يحدث في الرأسمالية. وبرغم توضيحه لكيف تتم المنافسة وكيف تؤدي المنافسة لتقليص الأرباح؛ إلا أنه لا يجب أن يؤخذ حرفيا. وقد ذكر ماركس في مجلده الثالث من رأس المال أن فائض القيمة يتم إعادة توزيعه بين الرأسماليين بشكل يمنح السلع أسعارا تختلف عن قيمتها المدمجة فيها. وقد ذكرنا أسماء بعض الكتب لمن اراد التعرف على مثل هذه المسألة بعمق وتفصيل. والنتيجة الإجمالية هي ان الميل نحو خفض معدل الربح لا يقتصر على رأسمالي بعينه أو صناعة بعينها وإنما يتم ذلك على مستوى النظام ككل.

« السابق التالي »