بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

روزا لكسمبورج: النظرية والممارسة

« السابق التالي »

3- حرية بولندا

كانت روزا لكسمبورج قد قرأت بالفعل أعمال كارل ماركس وفردريك إنجلز منذ أتمت دراستها المدرسية والتحقت بالجامعة في زيورخ، وقد كان ذلك أمرًا استثنائيًا بالنسبة لامرأة في ذلك الوقت، ما مكَّنها من الدراسة المُكثَّفة لكل من النظرية الرأسمالية وناقديها. لكن منفاها لم يكن يعني انقطاعها عن الدراسة؛ ففي سويسرا المليئة بالمهاجرين السياسيين، قابلت لكسمبورج بعض الرموز الرئيسة للسياسة الثورية الروسية والبولندية، ولا سيما جورجي بليخانوف “أبو الماركسية الروسية”، كما قابلت ليو جوجيتشيس الثوري الليتواني المعروف كواحدٍ من أقدم وأنشط الاشتراكيين في فيلنا، وقد كانا في علاقة شخصية استمرت لعدة سنوات بعد ذلك، وعلاقة سياسية استمرت طوال حياة لكسمبورج.

حافظت لكسمبورج على انخراطها الوثيف في السياسة البولندية خلال الفترة التي قضتها في سويسرا، مثلها في ذلك مثل باقي المهاجرين. كما تنامَت ثقتها كمُنَظِّرة وكقائدة من خلال خوضها للنقاشات والمناظرات. في عام 1892 جَمَعَ اليسار البولندي المحطم شتاته، ليؤسِّس الحزب الاشتراكي البولندي مستمدًا ذلك من موجةٍ متصاعدةٍ من النضالات العمالية، لكن برنامج الحزب كان خليطًا مضطربًا من القومية البولندية والماركسية، فيما لم تكن لكسمبورج ورفاقها على استعدادٍ للمساومة على أمميتهم الثورية، مجادلين بأن العمال الروس هم حلفاؤهم ضد قيصر روسيا الذي يقمع الجميع.

كان هذا بمثابة رفضٍ لدعم كارل ماركس للاستقلال البولندي، ذلك الموقف الذي طوَّره ماركس في أربعينيات القرن التاسع عشر وظلَّ مُصِرًّا عليه حتى وفاته في 1883. في عصره، لم تكن هناك طبقةٌ عاملة روسية يمكن الحديث عنها، وبالتالي كان الانقسام الرئيسي يتمثَّل بين الأمة البولندية وقيصر روسيا. أما لكسمبورج فقد جادلت بأن الظروف قد تغيَّرَت مع تطوُّر الرأسمالية الصناعية في روسيا، والتحالف الآن أصبح ممكنًا بين العمال البولنديين والروس ضد الطبقتين الحليفتين للقيصرية، وهما الرأسمالية البولندية والرأسمالية الروسية الضعيفة.

اضطلعت لكسمبورج في يوليو 1893 بدورٍ مركزيٍ في إصدار جريدة اشتراكية ثورية جديدة، هي “قضية العمال”، التي أسَّسَها الشباب المنفيون في سويسرا بقيادة لكسمبورج ورفاقها القدامى من حزب “بروليتاريا”. وكان توقيت إصدار الجريدة مدروسًا بعناية، إذ كان أغسطس 1893 هو الموعد المنتظر لعقد المؤتمر الثالث للاشتراكية الأممية، وهو المؤتمر الذي يضم كل الأحزاب الاشتراكية من جميع أنحاء العالم، وفيه تُناقش السياسات والإستراتيجيات والتكتيكات للحركة الأممية. وكانوا يأملون أن يمنحهم إصدار جريدة “قضية العمال” الشرعية تمثيلهم كمجموعةٍ في المؤتمر وكجزءٍ من الوفد البولندي، ومن ثَم يُمكنهم خوض الجدال ضد قومية الحزب الاشتراكي البولندي.

كانت مسألة الاستقلال مهمةً للحركة البولندية، فبولندا مُقسَّمة بين جيرانها المتنازعين. لكن في الوقت الذي ينبغي فيه على الاشتراكيين أن يدعموا حق تقرير المصير، جادلت روزا لكسمبورج بأن الحزب الاشتراكي البولندي كان يدعم “استعادة” بولندا من منظور رجعي. وجادلت كذلك بأن التركيز على دولةٍ بولندية مستقلة سيعيق النضال من أجل تحرير جميع الكتل المضطهدة تحت حكم القيصر. وقد حضرت لكسمبورج المؤتمر مُجادِلةً بأنه ينبغي السماح لها بتفويضها مُمَثِّلةً عن وجهة النظر تلك، والتي يتبناها بعض الاشتراكيين البولنديين وإن كانوا أقلية. في المقابل كان وفد الحزب الاشتراكي البولندي ضد السماح لها بالحديث؛ لكنها وقفت لعرض رأيها على كل حال.

يصف أحد الحضور ذلك المشهد، وهو القيادي الاشتراكي البلجيكي إيميل فان ديرفيلد قائلاً: “كانت روزا؛ ذات الثلاثة وعشرين عامًا حينئذٍ، غير معروفة إلى حدٍّ ما إلا لدى بعض الحلقات الاشتراكية في ألمانيا وبولندا، وقد وجد معارضوها صعوبةً هائلة في التماسك أمامها، ويمكنني الآن تذكُّرها وكيف انطلقت وسط بحرٍ من أعضاء الوفود معتليةً أحد الكراسي ليصبح صوتها أوضح للسامعين؛ صغيرة، رقيقة، وأنيقة في ثوبٍ صيفي يخفي بمهارة مواطن ضعفها الجسماني، مدافعةً عن قضيتها بهذه الجاذبية في عينيها وهذه الكلمات النارية التي مكنتها من الاستحواذ والفوز على الغالبية العظمى للمؤتمر”.

لم تكن تلك الوفود صاحبة القرار للأسف، وإنما كان القرار للجنة منفصلة صوَّتت في ما بعد رافضةً أطروحة لكسمبورج بتسعة أصوات مقابل سبعة، فيما امتنع ثلاثة عن التصويت. يرجع ذلك جزئيًا إلى تأثير “بليخانوف” الذي لم يثق في ما طرحه الشباب الجدد القادمون من سويسرا – جوجيتشيس ولكسمبورج – وأيَّدَ في المقابل الحزب الاشتراكي البولندي.

غضبت لكسمبورج، لكنها واصَلَت البناء والنقاش داخل الحركة، وفي 1894 كانت قد تولَّت تحرير جريدة “قضية العمال”، وأعلنت المجموعة نفسها باسم الحزب الاشتراكي الديمقراطي بالمملكة البولندية. وقبل حلول المؤتمر التالي للاشتراكية الأممية في 1896، لم يكن هناك أي شك في حقها في الحضور والتحدُّث نيابةً عن الاشتراكيين البولنديين، على الرغم من تشويه أعضاء الحزب الاشتراكي البولندي لسمعتها ووصفها بالأنثى الهستيرية.

شقَّت لكسمبورج طريقها إلى مقدمة صفوف الاشتراكية البولندية وهي مازالت في العشرينيات من عمرها حينئذ. فقد كانت القوة الموجهة والمُعتَرَف بها في الحزب الاشتراكي الديمقراطي لمملكة بولندا، وقد صنعت لنفسها اسمًا في الحركة الأممية. وصارت بذلك جاهزةً للتحرُّك نحو أهم ميادين السياسة الثورية في عصرها: ألمانيا.

« السابق التالي »