بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

أزمة البيئة والمناخ: الرأسمالية والكارثة القادمة

« السابق التالي »

حجم الكارثة

أكد آخر تقارير البرنامج البيئي للأمم المتحدة أن السياسات والتعهدات الحالية لحكومات العالم حتى عام 2030 ستؤدي إلى زيادة في درجة حرارة الكوكب تتجاوز 2.4 درجات مئوية خلال هذا القرن. هذا في حين أن أي زيادة تتجاوز 1.5 درجة مئوية ستؤدي إلى سلسلة من الكوارث البيئية ستنهي الحياة البشرية على الكوكب (علمًا بأن الزيادة في درجة حرارة الأرض منذ الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر وصلت إلى 1.1 درجة مئوية حتى الآن).

ستؤدي التعهدات الحالية إلى انخفاض الانبعاثات الكربونية المتوقعة في عام 2030 بنسبة 1%، في حين أن البقاء في حيز 1.5 درجة مئوية يتطلب انخفاض في الانبعاثات بنسبة 45%، وهذا أيضًا طبقًا للبرنامج البيئي للأمم المتحدة.

ومن جانب آخر فقد طرح في التقرير السادس للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيير المناخ (IPCC)، لعام 2021، خمسة سيناريوهات للتغيير المناخي خلال القرن الحالي. أفضلهم هو أن تظل الزيادة في درجات الحرارة أقل من 1.5 درجة مئوية حتى نهاية القرن (وهو بالمناسبة سيناريو يُعتبر شبه مستحيل في تقارير عام 2022). هذا السيناريو يستدعي أن يصل الانبعاث الكربوني إلى ذروته خلال الثلاث سنوات القادمة وأن تنخفض الانبعاثات الكربونية إلى الصفر قبل عام 2050.

سيتطلب ذلك، طبقًا للتقرير، إيقاف إنتاج الفحم خلال السنوات العشر القادمة في كل أنحاء العالم. وضرورة الانتقال الكامل من استخدام البترول وكل الوقود الأحفوري إلى الطاقة الهوائية والشمسية، التي لا تشكل حتى الآن في العالم بأسره سوى نسبة 7% من إجمالي الطاقة المستخدمة، في حين أن المطلوب خلال 17 عامًا فقط أن تصل النسبة إلى 100%. هذا بالطبع مستحيل ليس فقط على مستوى الكلفة، ولكن لأن البنية التحتية للطاقة مشيدة على البترول والغاز والفحم.

أما السيناريو الأسوأ، وهو سيناريو واقعي في ظل محدودية التعهدات الحالية، فهو كارثي بكل المقاييس، وهو أن تصل الزيادة في درجات الحرارة إلى 4.4 درجة مئوية بحلول نهاية القرن، وهو ما يعني من الآن وحتى ذلك الحين سلسلة من الكوارث المناخية والبيئية ستجعل استمرار بقاء البشر مستحيلًا.

ينصب الاهتمام الإعلامي والسياسي، فيما يتعلق بقضايا البيئة، على التغيير المناخي وخطورة تجاوز حاجز 1.5 درجة مئوية في حرارة الكرة الأرضية. ولكن التغيير المناخي هو واحد من عشرة حواجز كوكبية يشكل تجاوزها تهديدًا لاستمرار الحياة البشرية. كل هذه الحواجز متداخلة ومتفاعلة بالطبع ولكن من المفيد التعرف عليها لمعرفة حجم الكارثة التي نواجهها.

الحاجز الثاني هو الزيادة في حموضة المحيطات، مما يتسبب في قتل كم هائل من مكونات الحياة بها، وبالتالي يؤثر على كل الكائنات الحية لارتباطها جميعًا في عمليات تفاعل حيوي. فالمحيطات والبحار تحتل تقريبا 72% من مساحة الكرة الأرضية، وبالتالي تغيير درجة الحموضة في مياهها سيكون له تأثير كارثي على التوازن الإيكولوجي للحياة على الأرض، وعلى مختلف الدورات الغذائية والكيميائية التي تلعب المحيطات دورًا محوريًا في استمرارها.

أما الحاجز الثالث فهو انقراض الأنواع، سواء النباتية أو الحيوانية. وقد قدر تقرير للمؤسسة العالمية للحياة البرية أن النشاط البشري قد أدى الى انقراض أكثر من 680 نوع من الفقريات وآلاف الأنواع من النباتات والأسماك. والأخطر من ذلك هو توقع ذلك التقرير أن يؤدي النشاط الإنساني إلى انقراض أكثر من مليون نوع خلال القرن الحالي. هناك حيوانات وأنواع من الأسماك وشعاب تواجدت وتطورت عبر ملايين من السنين، ظهرت الحيتان على سبيل المثال منذ أكثر من 50 مليون عام ولكنها تواجه اليوم خطر الانقراض، وذلك فقط بسبب النشاط البشري!

يؤدي انقراض الأنواع إلى تجاوز الحاجز الرابع وهو فقدان التنوع البيولوجي. يعد التنوع البيولوجي بين الكائنات من أساسيات بقاء الحياة على الأرض، بمعنى أن الحياة على الأرض يحكمها ارتباط كلي بين مكوناتها، لا يوجد مكون خارج المنظومة ولا يمكن تصور جزء غير مرتبط وغير متفاعل حيويًا مع باقي الأجزاء. هذه هي الطريقة التي حدث بها التطور بشكل غير إرادي عبر ملايين السنوات، أيضًا العلاقة ما بين الكائنات الحية وغير الحية أي العالم العضوي وغير العضوي بنيت على توازن حرج جدًا، لا يحتمل أن يهتز أو يفقد أحد قوانينه، لكنه خلال العقود القليلة الماضية اهتز هذا التوازن بشكل غير مسبوق وبشكل متسارع جدًا.

تجاوز الحاجز الخامس، والذي بدأ مع التحول إلى الرأسمالية الصناعية في القرن التاسع عشر، هو قطع دورة النيتروجين والفسفور. تبدأ هذه الدورة في الأرض الزراعية، حيث تنتقل هذه المواد والتي تلعب دورًا حيويًا في الحفاظ على خصوبة الأرض، إلى المحاصيل الغذائية والتي يأكلها البشر والحيوانات. وبما أن غالبية البشر والماشية كانت تعيش قبل الثورة الصناعية في الريف على الأرض الزراعية كانت هذه المواد الحيوية تعود إلى الأرض من خلال فضلات البشر والحيونات كنوع من السماد الطبيعي الذي يعيد الخصوبة إلى الأرض. هذه هي دورة النيتروجين والفسفور.

ولكن هذه الدورة قد انقطعت مع الثورة الصناعية من جانب والتحول الرأسمالي للزراعة من الجانب الآخر. فالأرض الزراعية انتُزعت من الفلاحين وانتقل غالبية السكان من الريف إلى المدن ومن العمل في الزراعة إلى العمل في الصناعة والتجارة والخدمات كعمال أجراء. وانتُزعت بالتالي عناصر السماد الطبيعي وتحولت الفضلات البشرية من عنصر مغذي لخصوبة الأرض الزراعية إلى مصدر للتلوث البيئي في المدن. وأصبح من الضروري البحث عن مصادر أخرى للسماد. في القرن التاسع عشر بدأت الإمبراطورية البريطانية في الاستيلاء على مواد تحوي أشكال السماد الطبيعي مثل عظام وجماجم القتلى في أراضي المعارك النابليونية، لاستخراج المعادن منها واستخدامها لاسترجاع خصوبة الأرض الزراعية.

مثال آخر في بيرو، حيث استخدم الاحتلال الإنجليزي عبيدًا لجمع مخلفات الطيور المدفونة في الرمال (guano)، ونقله لإنجلترا لاستخدامه في تسميد الأرض كتعويض عن أزمة اختلال دورة النيتروجين والفسفور.

أما الحاجز الكوكبي السادس الذي يتم تجاوزه، فهو فقدان غطاء الأرض. تلعب الغابات والطمي وكل أنواع الزراعات دورًا جوهريًا في حماية الأرض وتقليل آثار التسونامي والعواصف التي تتسبب في هلاك سكان وتدمير منازلهم. الغابات الكثيفة مثلًا لا تحمي فقط الأرض والبشر من الكوارث ولكنها تحافظ أيضًا على التوازن الإيكولوجي للحياة على الأرض عمومًا، لذلك انتشرت حرائق الغابات وأصبحت الأعاصير والعواصف أكثر تأثيرًا لأن الأشكال الطبيعية الحمائية يتم تجريفها بتجريد الأرض منها، لاستخراج كل أنواع المواد الخام للصناعة، من المعادن في جوف الأرض، إلى أخشاب الغابات التي كانت تغطيها.

فقدان المياه العذبة وزيادة التصحر هما الحاجز السابع، إذ يؤدي فقدان المياه العذبة إلى انتشار التصحر واتساع رقعته على حساب الأراضي الخصبة، ولأن مصادر المياه محدودة ولأنها تعد مصدرًا للحياة والزراعة وتوليد الطاقة، فكلما ازداد استهلاك الرأسمالية لها تعرضت الحياة للخطر، وهو ما يفسر الصراعات الدائرة حول الأنهار والتي قد تصل إلى نزاعات وحروب للسيطرة على منابعها أو الاستحواذ على حصص أكبر من المياه العذبة.

أما الحاجز الثامن فيتعلق بالتلوث الكيميائي والنووي. تُعد الصناعات البتروكيميائية من أهم مصادر التلوث الهوائي والمائي والكيميائي. اللدائن (Plastic) مثال جيد جدًا للتلوث الكيميائي. كم الأدوات المستخدمة في مناحي الحياة المختلفة المصنعة من البلاستيك تفوق الخيال. الولايات المتحدة الأمريكية تنتج وحدها تريليون كيس بلاستيك سنويًا، ويشكل عالم التعبئة والتسويق الرأسمالي ما يقرب من 10% من إجمالي الناتج العالمي، ويدخل البلاستيك في غالبية الصناعات الحديثة. ويتسبب البلاستيك واستخدام أي شيء معبأ فيه أو مغلف به أمراض السرطان والتحولات الجينية، وهو ما يؤدي إلى تشوهات خلقية على مدار أجيال وأجيال. ليس فقط ذلك، فالأسماك تأكل المخلفات البلاستيكية التي تلقى في البحار، وتقتات عليه الحيوانات من النفايات، هذا غير ذرات البلاستيك المنتشرة حولنا في الجو والتي نتنفسها مع الهواء دون أن نراها كجزء من عملية تلوث كبيرة مثل عوادم السيارات ومخلفات المصانع والإشعاعات النووية، وبذلك يدخل البلاستيك إلى أجسادنا كجزء من دورة الحياة.

تلوث وأمراض خطيرة تتحرك معنا في كل وقت، نستخدمها مثلما نتنفس. ومن المفارقات أن هذا الكم الهائل من المنتجات البلاستيكية سيظل موجودًا إلى الأبد حتى لو انتهت الحياة تمامًا على الأرض، سيكون مشهدًا في غاية الغرابة: عالم يكسوه البلاستيك دون أي حياة فيه.

أما عن الكارثة المحدقة فهي التلوث النووي، ليس فقط الناتج عن الانفجارات النووية كتجارب تترك إشعاعاتها في الجو أو التي حصدت ملايين البشر في هيروشيما وناجازاكي وقامت بتشويه أجيال أخرى، والحوادث النووية الكبرى مثل تشيرنوبل (1986) وفوكوشيما (2011)، ولكن أيضًا التلوث الناتج عن مخلفات عملية إنتاج الطاقة النووية وسباق تشييد المفاعلات النووية التي أصبحت مجالا للتنافس العالمي بين الدول الكبرى وإحدى مسببات الصراعات في العالم. ستظل هذه الانبعاثات تشع لملايين السنين، وحتى طرق التخلص منها تأتي عبر دفنها في باطن الأرض في دول العالم الثالث، مما يساعد على تدمير إيكولوجيا الأرض.

الحاجز التاسع، وهو ربما الحاجز الوحيد الذي تمكنت البشرية من تأجيل تجاوزه هو تآكل طبقة الأوزون وما كان يمثله من مخاطر إشعاعية. يعتبر تراجع تآكل طبقة الأوزون هو النموذج الوحيد لنجاح اتفاقية دولية في مواجهة خطر بيئي.

أما الحاجز العاشر التي تتجاوزه اليوم البشرية يتعلق بالأوبئة، مع التوسع الرأسمالي، ومع حركة البشر إلى مناطق لم يكن للإنسان أي تفاعل معها من قبل (غابات، وحيوانات، وطيور، وسلالات وأنواع لم يسبق لنا التعامل معها). أدى ذلك إلى ظهور أوبئة وانتشارها بشكل غير مسبوق (فيروس كوفيد 19 مثلًا يعتبر مجرد النموذج الأول من سلسلة جديدة من الفيروسات القاتلة).

إذًا نحن بالفعل أمام حالة طوارئ تخص كوكب الأرض كله. ويعتبر الكثير من علماء الإيكولوجيا أننا دخلنا في عصر الأنثروبوسين منذ منتصف القرن العشرين (مع انتشار الصناعات البتروكيماوية والبلاستيك والتفجيرات النووية)، حيث أصبح النشاط الإنساني هو المصدر الرئيسي للتغييرات البيئية والمناخية. ونحن الآن قد وصلنا إلى مفترق طرق، وبدأ بالفعل انتقام الطبيعة بالفيضانات والحرائق والأوبئة. كيف وصلنا إلى هنا وكيف تتصالح البشرية من جديد مع الطبيعة؟

« السابق التالي »