بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

أزمة البيئة والمناخ: الرأسمالية والكارثة القادمة

« السابق التالي »

الرأسمالية والكارثة البيئية

اتهم الكثير من نشطاء البيئة كارل ماركس بأنه مدافع عن التصنيع والتقدم الرأسمالي وعن تطويع الإنسان للطبيعة وإخضاعها من خلال التكنولوجيا، وأن الاشتراكية التي كان يدافع عنها عليها أن تأخذ ما وصل إليه التصنيع الرأسمالي وتصل به إلى عالم يتحكم فيه الوعي البشري بشكل كامل. وبالطبع ساعد على تثبيت تلك الصورة التجربة السوفييتية في الصناعة والتي بُنيت بالكامل على جثث الفلاحين الروس وعلى مجاعات وكوارث بيئية ضخمة.

ولكن رؤية ماركس للعلاقة بين البشرية والطبيعة ولتأثير التصنيع والتراكم الرأسمالي على البيئة كانت تتناقض كثيرًا مع تلك الصورة. حتى في كتاباته الفلسفية المبكرة مثل مخطوطات 1844 نجد تصورًا للصدع الذي تخلقه الرأسمالية بين البشر والطبيعة، فالإنسان في الرأسمالية يُنتزع من الأرض، من أدوات الإنتاج، من الطبيعة التي يشكل جزءًا منها، وقتها تصبح الطبيعة خارجه لا ينتمي لها ولا تنتمي إليه فيغترب تمامًا عنها.

والحل في نفس تلك المخطوطات هو ضرورة عودة التناغم بين الإنسانية والطبيعة، كعنصر أصيل لقيام مجتمع شيوعي، فما يميز الإنسان عن باقي عناصر الطبيعة هو تفاعله معها بشكل واع، ولكنه في نفس الوقت هو مجرد جزء منها، ولا يمكنه خلق أي مستقبل خارجها أو ضد قوانينها.

تأثر ماركس بالطبع بعلماء زمنه، مثلا، هناك عالم ألماني يدعى جوستوس ليبيك (1803-1873) يعد الأب الشرعي للكيمياء العضوية، وأول من استخدم كلمة (إيكولوجي) فاصلًا بذلك علم البيئة عن علم دراسة الكرة الأرضية (جيولوجي)، ومن أعماله كتاب “الكيمياء الزراعية”، تحدث فيه عن خصوبة الأرض ودورة النيتروجين والفسفور وكيف تحل الرأسمالية النقص الحاصل فيهما، كان ليبيك صديقا لماركس وقارئًا جيدًا لكتابه “رأس المال”.

في المجلد الأول من “رأس المال”، يقول ماركس صراحة إن التطور الرأسمالي وانتشار الرأسمالية بالزراعة أو انتقال الرأسمالية للزراعة سيدمر مصدريّ الثروة: الأرض والإنسان، سيدمر الإنسان صحيًا ونفسيًا بسبب التمادي في استغلاله، وسيدمر الأرض بإفقادها خصوبتها. هناك جانب آخر تحدث عنه ماركس بصدد تأثير التطور الرأسمالي هو الاستعمار، مثلًا حولت إنجلترا أيرلندا لمزرعة لتربية المواشي لتغذية الصناعات والمدن البريطانية، موضحًا أن تحويل مناطق شاسعة من الأرض لزراعة محصول واحد سيدمر الدورة الإيكولوجية، ليس ذلك فقط بل سيؤثر على الفلاحين بوصفهم مرتبطين بالأرض وكجزء منها، فبدلًا من أن ينتجوا احتياجاتهم من الزراعة متنوعة المحاصيل يتحول اعتمادهم الكامل على السوق لتلبيتها، كانت نتيجة هذا التحول أن شهدت أيرلندا مجاعات كبرى بسبب نقص المحاصيل الأساسية للحياة. تحولت مصر والهند أيضًا في ظل الاحتلال الإنجليزي إلى مزرعة ضخمة من القطن، وانتُزعت الأراضي من الفلاحين لخدمة ذلك التحول بسبب عائد أرباحه الكبيرة، خصوصًا بعد انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية و”زوال” العبودية في الجنوب الأمريكي.

الرأسمالية إذًا تنزع الفلاحين من الأرض وتفصلهم عن الدورات الإيكولوجية الطبيعية التي كانوا جزءًا منها في الأنماط السابقة للرأسمالية، وبالتالي تتسبب في خلق ما وصفه ماركس بالصدع التفاعلي (Metabolic rift) بين الإنسانية والطبيعة.

الرأسمالية الصناعية تتركز في المدن، أو بالأصح، تتحول مناطق تركز الصناعية الرأسمالية إلى مدن. وينتج عن ذلك أكبر نزوح إنساني من الريف إلى المدينة في تاريخ البشري. ويتسبب التركيز السريع للسكان في المدن في كوارث بيئية وصفها فريدريك إنجلز في كتابه “حال الطبقة العاملة في إنجلترا”. كتب إنجلز عن تلوث الهواء والماء في المناطق السكنية العمالية، وانتشار الأمراض والأوبئة وأزمة المجاري في مدينة لندن في منتصف القرن التاسع عشر.

ومن الجانب الآخر يؤدي طرد الفلاحين من الأرض ونزوحهم إلى المدن، وتركيز الأراضي الزراعية في أيدي كبار ملاك الأرض والتحول من الزراعة التقليدية إلى الزراعة أحادية المحصول، وتحويل تربية المواشي إلى صناعة رأسمالية مميكنة، إلى تغيير البيئة الزراعية لمناطق شاسعة من العالم. وكلما توسعت الرأسمالية وانتشرت إلى مختلف بقاع العالم، يزداد التناقض بين الريف والمدينة وبين الإنسانية والطبيعة ويزداد عمق ذلك “الصدع التفاعلي”.

إذًا التحول من أنماط الإنتاج السابقة على الرأسمالية إلى نمط الإنتاج الرأسمالي، طبقًا لماركس وإنجلز، هو تحول شديد التناقض. فمن جانب يخلق التطور الصناعي والتكنولوجي وتركيز السكان في المدن إمكانيات غير مسبوقة في أيدي البشر، ولكن لأن ذلك التطور يحدث في إطار العلاقات الاجتماعية الرأسمالية وفي إطار فوضى التنافس في السوق العالمي، تكون النتيجة كارثية فيما يتعلق بعلاقة الإنسان بالطبيعة. إن الرأسمالية هي أول نمط إنتاج في تاريخ البشرية يدفع في اتجاه تدمير البيئة وفناء البشر.

إن هدف الإنتاج الرأسمالي ليس إنتاج احتياجات البشر، بل إنتاج سلع تحقق أرباح في السوق. تُلبى احتياجات البشر بشكل غير مباشر ويكاد يكون عرضيًا من خلال التبادل في السوق.

وحتى يحقق الرأسمالي ربحًا، لابد أن ينمو حجم رأس المال مع كل دورة إنتاجية. هذا النمو يحدث في إطار تنافسي بين الشركات ويدفع بشكل دائم نحو إعادة الإستثمار على نطاق أوسع. هذا هو سر التحولات التكنولوجية الدائمة في الصناعة الرأسمالية وهو أيضًا سر عدم وجود حدود لحجم ومدى التراكم الرأسمالي. فعلى سبيل المثال، كان حجم رأسمال الشركات الكبرى في القرن التاسع عشر يُحسب بملايين الدولارات. تحول ذلك إلى المليارات في القرن العشرين. أما الآن يتجاوز رأسمال الشركات الكبرى مثل جوجل وأمازون رقم التريليون دولار. لا يوجد حدود للتراكم الرأسمالي!

ولكننا نعيش على كوكب ذي موارد محدودة. المواد الخام، سواء كانت زراعية أو معدنية أو غيره، لها حدود طبيعية. الصناعة القائمة على التنقيب واستخراج الوقود والمعادن وخلافه من باطن الأرض مستمرة وتتوسع بسبب تراكم رأس المال في هذا القطاع، وكلما ازدادت كمية المستخرج من الأرض، ازدادت الأرباح أكثر فأكثر. لكن تكمن المشكلة الحقيقية والتي لا تعيرها الرأسمالية الاستنزافية اعتبارًا في أن المستخرج من الأرض له حدود، هذه الحدود تفرضها الطبيعة في مكوناتها ومنها الأرض، فكيف يلتقي الضدان؟!

الرأسمالية قائمة بالأساس على التراكم الذي يحاول طيلة الوقت تجاوز الحدود، التراكم قائم بالأساس على الحركة الدائمة ما بين السلعة والنقد، السلعة تتحول لنقد، ثم النقد يتحول إلى سلعة، يليها تحول السلعة إلى نقد.. دواليك. وكل تحول من هذه التحولات يساعد في نمو السلعة وزيادة استخداماتها وبالتالي نشهد نموًا موازيًا ومضاعفًا للنقد. نموذج مثالي على ذلك سفينة (MV Ever Given) التي جنحت في قناة السويس (مارس 2021)، فمنذ الستينيات من القرن العشرين قامت الرأسمالية الصناعية بتطوير سفن نقل السلع موحدة أحجامها، وشكل وحجم الحاويات (Container) وشكل وإمكانيات اللوريات التي تنقل الحاويات للأوناش ثم إلى السفن، أيضًا الأدوات والتكنولوجيا الخاصة بالموانئ ومساحات التخزين بها، ومن ثم أصبح التنافس في أوجّه في بناء وتشييد سفن عملاقة أكبر من ذي قبل تستطيع لنقل كميات مضاعفة من البضائع في آن واحد مما يزيد من تدفق الأرباح. والنتيجة هي أن السفن ازداد حجمها تقريبًا 30 ضعف ما كانت عليه منذ 50 عامًا، إلى الدرجة التي بات جنوحها وحشرها في الممرات المائية والمضايق أمرًا لا مفر منه، فما الحل؟ الحل في حالتنا هذه نفذته الدولة أكثر من مرة: مزيد من الحفر والتوسعة في قناة السويس، أي ضخ رأس مال ثابت أكثر من أجل مرور هذه السفن العملاقة منها. ولكن هل هناك حد معين لهذه التوسعة؟ الإجابة ستجدونها عند رئيس شركة ميركل، منتجة السفينة الجانحة، عندما سُئل: هل ستوقف الشركة بناء سفن عملاقة أكثر بعد حادث جنوح السفينة؟ الإجابة كانت: مستحيل، نحن مضطرون لعمل سفن أكبر وأكبر من التي جنحت إلى الأبد بسبب التنافس. بالفعل هناك 10 شركات أخرى عالمية تنتج سفن شبيهة ولا مجال للتراجع أمام التراكم الرأسمالي، فهو لا تحده أية حدود!

« السابق التالي »