فلسطين: المقاومة والثورة والنضال من أجل الحرية
ارتبط وصول حركة المقاومة الإسلامية، حماس، إلى السلطة بشكل خاص باتفاقيات أوسلو وخيانة فتح للنضال الفلسطيني. جاء ظهور حماس في الانتفاضة الأولى 1987، لكن جذورها تعود إلى الجمعيات والمؤسسات الإسلامية الخيرية التي نشأت في غزة منذ السبعينات على أيدي ناشطين استلهموا تجارب الإخوان المسلمين في مصر.
بعد عقود من هيمنة فتح وفصائل اليسار الوطنية على قيادة الحركة الفلسطينية، شيدت القيادات الإسلامية، مثل الشيخ أحمد ياسين، دعمًا لنفسها بأشكال مختلفة. فمن خلال الوعظ الديني والأعمال الخيرية بنوا قاعدةً شعبية تنافس العلمانيين الوطنيين للسيطرة على المؤسسات المهنية. كان هدفهم الأساسي هو كسب الفلسطينيين نحو الحياة على الطريقة “الإسلامية”.
استدعى اندلاع الانتفاضة في ديسمبر 1987 تكتيكًا مختلفًا بشكلٍ كبير من النشطاء الإسلاميين. فقد دفعوا أنفسهم نحو حشد الدعم للانتفاضة الشعبية. وكلما استمرت الانتفاضة ارتفع صوتهم بالنقد لقيادات منظمة التحرير الفلسطينية على قبولهم التسوية مع إسرائيل وداعميها في الولايات المتحدة.
في البداية همشت اتفاقيات أوسلو الإسلاميين، ولكن مع تصاعد خيبة أمل الفلسطينيين في “عملية السلام” ازدادت شعبية حماس. وبينما استمر إقفال الحدود وخنق الاقتصاد الفلسطيني، وزاد بناء المستوطنات بشكل متسارع، بدا أن حماس تقدم بديلًا إستراتيجيًا لما تقدمه فتح.
عندما اندلعت انتفاضة جديدة في العام 2000 وردت عليها إسرائيل بقوة غاشمة، أطلقت حماس هجومًا عسكريًا ضد قوات الاحتلال. فقامت مجموعات تتبع الحركة بعمليات فدائية خارج الأراضي المحتلة أدخلت الرعب في قلب إسرائيل. وأظهرت تكتيكات حماس العسكرية الفارق الكبير في القوى بين حجم وموارد الإسرائيليين والفلسطينيين.
واصلت حماس السير على نهج طويل من العمليات الفدائية الفلسطينية كانت في طليعتها فتح وفصائل اليسار في منظمة التحرير الفلسطينية. بعض فصائل فتح استمرت على نهج المقاومة المسلحة ضد إسرائيل، ولكن سيطرة السلطة الفلسطينية على الأجهزة الأمنية جعل من ذلك تناقضًا مستحيلًا.
هل كان على قيادات فتح التخلي عن السلطة الفلسطينية وأجهزة السلطة التي خلقتها اتفاقيات أوسلو أم التخلي عن مقاومة إسرائيل؟ لقد اختاروا التخلي عن المقاومة تاركين ساحة المعركة إلى حد كبير لحماس.
أثبتت حماس أيضًا أنها منافس فعال ضد فتح في انتخابات 2006، إذ اكتسحت مراكز الانتخابات للمجلس التشريعي الفلسطيني في 2006 وأعلنت على الفور عرضًا بتهدئة عسكرية طويلة الأمد.
كان رد الولايات المتحدة وإسرائيل ومصر هو التآمر مع فتح ضد حكومة الوحدة التي تقودها حماس. أعقب ذلك محاولة انقلابية فاشلة قامت بها الأجهزة الأمنية الفتحاوية في غزة. بعدها، أطبقت حماس قبضتها على قطاع غزة لتواجه حصارًا عسكريًا واقتصاديًا فرضته إسرائيل وطبقته مصر.
وفي غضون ذلك زادت السلطة الفلسطينية التي تقودها فتح من وتيرة الضغط على حماس برفضها دفع رواتب موظفي الحكومة المحلية في غزة وتواطؤها مع إسرائيل في حجبها للخدمات الكهربائية عن القطاع. وزاد من الصعوبات التي واجهت حماس التنافس الإقليمي بين السعودية وحلفائها من جهة وإيران وحلفائها من الجهة الأخرى.
قدمت دولة قطر تمويلًا حيويًا لحكومة حماس في غزة، واستضافت قادتها في المنفى بعد خروجهم القسري من سوريا قي 2012. لكن في يونيو 2017، تعرضت قطر نفسها إلى مقاطعة اقتصادية ودبلوماسية من السعودية كجزء من إستراتيجية عدائية تستهدف السيطرة على الخليج وتطويق التأثير الإيراني في المنطقة بشكل واسع.
دفعت كل هذه الضغوط حماس نحو المساومة، ففي أكتوبر 2017 وقعت معاهدة “مصالحة” مع فتح برعاية النظام المصري، ووافقت على تكوين حكومة وحدة وطنية تحت مظلة السلطة الفلسطينية وانتخابات عامة مزمعة في نهاية 2018.
وقدمت مسيرات الاحتجاج الضخمة على الحدود مع إسرائيل في مارس وأبريل من عام 2018 دليلًا حيًا على أنه رغم ضغط الحصار اللاإنساني، لم يستسلم الفلسطينيون في غزة بل واصلوا النضال من أجل العدالة. احتشد عشرات الآلاف على الحدود ليواجهوا عنفًا قاتلًا من قبل القوات الإسرائيلية. محتجون غير مسلحين يحملون الأعلام وأيضًا شباب أعلنوا تحديهم برمي الحجارة أُطلِقَت عليهم النيران وقُتِلوا على يد قناصة إسرائيليين مدججين بالسلاح. ففي أبريل 2018 قُتِلَ 17 فلسطينيًا على الأقل وأُصيبَ حوالي 1500، وفي 14 مايو قُتِلَ على الأقل 60 آخرون.
الرد الإسرائيلي العسكري الساحق “لمسيرات العودة الكبرى” لم يكن حادثًا عرضيًا، بل كان جزءًا من سياسات العقاب الجماعية الوحشية على سكان غزة أثناء الحصار. الفلسطينيون الذين يقاومون الاحتلال سواء عن طريق النضال المسلح أو الاحتجاج السلمي، سواء كانوا تحت راية حماس أو أي منظمة أخرى، دفعوا ثمنًا باهظًا. لهذا السبب وعلى عكس ما يقوله المتحدثون الإسرائيليون والمدافعون عنهم في الحكومات الغربية، فإن السبب لم يكن من يحكم غزة أو حماس، بل الحق في مقاومة الاحتلال وحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى أراضيهم المسلوبة.
نحو موقف ثوري من حماس
(مصطفى عمر، الاشتراكيون الثوريون، مصر)
لم يساو موقفنا أبدًا بين كل الحركات (الإسلامية) المتنوعة في الدول المختلفة وفي لحظات مختلفة في الزمن. ودائما ما نحاول أن نتفهم الحركات الإسلامية في سياق نشأتها التاريخية ومضمونها الاجتماعي والطبقي وأهدافها السياسية؛ ودائما ما نحاول أن نحلل ما إذا كانت هذه الحركات تقاوم الأنظمة الرجعية والإمبريالية، حتى ولو بشكل متذبذب أو مشوه، أو ما إذا كانت حركات رجعية صرف تعادي نضال ووحدة الجماهير المستغلة والمضطدة، وبالتالي تخدم مصالح الأنظمة الرجعية والإمبريالية.
وعلى أساس فهمنا المادي لهذه الحركات الاسلامية وعلاقتها بالجماهير وبالأنظمة الرجعية وبالإمبريالية حددنا دائما موقفنا منها على تنوعاتها. كما أننا نعدل ونغير من مواقفنا الاستراتيجية والتكتيكية تجاه هذه الحركات مع تطورها وتعرجاتها ومقاومتها للإمبريالية أحيانا وخيانتها للجماهير أحيانا أخرى.
فعلى سبيل المثال، نحن نعتبر أن حركات إسلامية مثل داعش في سوريا والعراق هي حركات رجعية في الصميم تٌقوي من خلال عنصريتها وجرائمها ضد الشيعة والمسيحيين إلي القضاء على فكرة أن توحد المضطهدين أمر أساسي لمقاومة الأنظمة الديكتاتورية والاستعمار، ولذلك فنحن نعتبرها حركة تخدم، وبالضرورة، مصلحة الأنظمة الديكتاتورية والاستعمار، ونعاديها من حيث المبدأ على هذا الأساس.
ونحن نفرق بين داعش الإسلامية الرجعية الصرف –من ناحية– وحماس الإسلامية أو حزب الله الإسلامي –من ناحية أخرى– لأن الأخيرتين نشأتا بهدف مقاومة الاستعمار ودخلت في صراعات ومواجهات عديدة مع الصهيونية والإمبريالية من أجل الحقوق المشروعة للشعبين الفلسطيني واللبناني.
فنحن ننظر إلى حركة حماس، والتى نشأت في خضم الانتفاضة الفلسطينية الأولى في نهاية الثمانينات واكتسبت شعبية واسعة بين الفلسطينيين لرفضها التنازل والاستسلامات التي قدمتها (فتح) للعدو الصهيوني والولايات المتحدة، ولمقاومتها العسكرية لأكثر من عدوان إسرائيلي غاشم على غزة – ننظر اليها على أنها حركة مقاومة للصهيونية والامبريالية.
ومن هذا المنظور فإننا ندعم حركه حماس عندما تناضل بشكل عسكري أو غير عسكري ضد إسرائيل –دعم غير مشروط: لأنه يضعف الكيان الصهيوني ويرعب الأنظمة العربية والولايات المتحدة– وبالتالي يقوي فرص النضال الطبقي في الدول العربية ضد هذه المنظومة الإمبريالية.
إلا أن دعمنا غير المشروط لحماس لا يعني ولم يكن ولن يكون دعمًا غير نقدي، لأننا نؤمن أن إستراتيجيات حركة حماس في النضال لتحرير فلسطين –مثلها مثل إستراتيجيات فتح واليسار الفلسطيني من قبلها– إستراتيجيات عجزت وستعجز عن تحرير فلسطين.
إن استراتيجية حماس في الارتباط ببعض الانظمة العربية (ومن ضمنها مصر حتى الأمس القريب) وغير العربية الرجعية التي تقمع شعوبها وتتآمر دائما لخنق النضال الفلسطيني (لأنها تدرك أن البطولة والصمود الفلسطيني هو أمر كان وسيكون دائما محفز لهذه الشعوب، وهي الظهير الطبيعي لنصرة القضية الفلسطينية على الثورة ضدهم)، هذه الاستراتيجية التي تستنسخ استراتيجية فتح واليسار الفلسطيني منذ الستينات لن تحرر فلسطين؛ فبدلا من أن تتضامن حماس مع نضالات الجماهير العربية التي لها مصلحة في التخلص من الإمبريالية والصهيونية، تمضي حماس في استراتيجية التحالف مع الأنظمة التي تتعاون وعن طيب خاطر مع الإمبريالية والصهيونية.
ثانيا، فرغم البطولات الخارقة لمقاتلي حماس الذين يتصدون ببسالة لكل عدوان إسرائيلي وفي ظروف مستحيلة – هذه البطولات التي أضاءت قلوب الملايين حول العالم بالأمل في لحظات هزيمة للربيع العربي – رغم هذه البطولات فإن أسلوب حماس الفوقي في التفاعل مع الجماهير الفلسطينية – وهو ذات الأسلوب الذي اعتمدته من قبلها حركة فتح واليسار الفلسطيني في تعاملها مع الشعب الفلسطيني – كأدوات يقتصر دورها على مساندة النضال المسلح والسمع والطاعة للقيادة الثورية بديلا عن المشاركة الشعبية الواسعة في تطوير استراتيجية المقاومه والمشاركة في اتخاذ القرار – هو منهج يضعف قدرات المقاومة الجماهبرية على المدى الطويل في ظل وجود عدو تزداد أسلحته الفتاكة يوما بعد يوم.
ولهذا السبب فإن تأييد القوي الثورية لحماس وللمقاومة الفلسطينية ليس فقط تأييد غير مشروط بل هو تأييد نقدي أيضًا.
وبنفس المنطق فأننا، رغم تأييدنا له في أي مواجهة مع إسرائيل، ندين الموقف المعادي للثورات العربية التي اتخذه حزب الله بوقوفه إلى جانب السفاح بشار الأسد في سوريا.
تأييدنا للمقاومة في فلسطين هو تأييد غير مشروط لأن النضال الفلسطيني ضد الصهيونية شوكة في عنق الإمبريالية، ولأن للشعب الفلسطيني، وله هو فقط، مثله مثل كل الشعوب المستعمرة، الحق في تقرير مصيره، وذلك يتضمن حقه في اختيار قياداته واختيار وسائل المقاومه التي يراها مناسبة لطبيعته وظروفه.
وهو تأييد أيضًا نقدي لأن مصير التغيير الثوري في العالم العربي يرتبط عضويا بالمقاومة الفلسطينية والعكس صحيح.






