بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

غلاف - كراس فلسطين

فلسطين: المقاومة والثورة والنضال من أجل الحرية

« السابق التالي »

كلب حراسة الإمبريالية

تلقت دولة إسرائيل منذ العام 1948 مساعدات أمريكية بلغت 72 مليار جنيه إسترليني. لا توجد دولة في العالم وصل لها هذا الكم من المساعدات، ومع ذلك فإن العلاقة بين “كلب حراسة” الإمبريالية الإسرائيلي وسيده الأمريكي مرت بعدة مراحل دقيقة لكن مع تحولات مهمة.

تعكس تلك التحولات آليات عمل الاقتصاد والمجتمع الإسرائيلي، والتغيرات الواسعة في ميزان القوى في المنطقة. ففي السنوات الأخيرة تضخم التعاون العسكري الأمريكي-الإسرائيلي، وتراجعت المعونة الاقتصادية المباشرة تدريجيًا (بعد أن كانت من قبل مهمةً لبقاء الاقتصاد الإسرائيلي)، فالحفاظ على تفوق إسرائيل العسكري على جيرانها كان دائمًا ركنًا رئيسيًا من سياسة الولايات المتحدة.

ووفقًا لبيان موجز للكونجرس، فإن “المعونة العسكرية الأمريكية لإسرائيل وُضعت لتمنح إسرائيل “ميزة عسكرية نوعية” على جيوش جيرانها 10. أضف إلى ذلك أنه منذ 2008 تلتزم الحكومة الامريكية قانونًا بتبيان أن أي مبيعات أسلحة لبلد في الشرق الأوسط لن يؤثر سلبًا على إسرائيل.

ومنذ 1999 ومذكرات التفاهم العشرية (مدة التفاهم عشر سنوات) تحكم المعونة الأمريكية لإسرائيل. أول التفاهمات كانت في عهد إدارة كلينتون التي وقعت مذكرة تعطي إسرائيل ما مجموعه 26.7 مليار دولار معونات عسكرية واقتصادية، كان لحجم المعونة العسكري فيه حصة الأسد، فقد بلغت 21.3 مليار دولار.

في عهد إدارة جورج بوش، وُقِّعَت مذكرة تفاهم عشرية جديدة بلغت 30 مليار دولار، أما باراك أوباما فقد وقع اتفاقًا جديدًا مع إسرائيل في 2016 يتعهد بمبلغ 38 مليار دولار مساعدات عسكرية للسنوات المالية 2019-2028. ورغم تغير الرؤساء والإدارات، تظل هذه التفاهمات حجرًا أساسيًا في السياسة الخارجية الأمريكية لعقود.

أربعة عقود من المساعدات الامريكية شكلت الاقتصاد الإسرائيلي وعززت من دور الجيش داخل المجتمع الإسرائيلي. تحتل إسرائيل الآن المركز العاشر في تصدير السلاح على مستوى العالم. فصناعاتها الحربية عالية التقنية أصبحت المحرك الرئيسي للاقتصاد في العقدين الماضيين. تحولت إسرائيل من اقتصاد مشلول يعتمد على المساعدات الأمريكية في الثمانينيات إلى بلد صناعي ثري كما هو عليه الحال اليوم.

يمكننا ملاحظة تغير الميزان بين المساعدات العسكرية والاقتصادية في العشر سنوات الأخيرة. فالمعونة الاقتصادية المباشرة قد تلاشت تمامًا في 2007 مع ازدياد المساعدات العسكرية بشكل كامل. الاستثمار الإستراتيجي الأمريكي طويل المدى في قطاع تكنولوجيا السلاح منذ السبعينات حوَّل إسرائيل إلى حامية استعمارية، فأبحاث مختبرات تصنيع السلاح والقوة الضاربة النخبوية اندمجت معًا في وحدة واحدة.

أصبحت الطبيعة المتشابكة للصناعات الحربية الأمريكية الإسرائيلية في السنين الأخيرة أكثر وضوحًا.

ففي مارس 2014، وقعت الولايات المتحدة وإسرائيل اتفاقية إنتاج مشترك يمنح المصنعين الأمريكيين الحق في الوصول إلى التكنولوجيا خلف نظام الدفاع الصاروخي للقبة الحديدية. ويركز الاستثمار الأمريكي مؤخرًا في إسرائيل على التكنولوجيا التي يمكن نقلها إلى حروب الولايات المتحدة ضد “تهديد غير متماثل” من مجموعات مقاومة خفيفة التسليح.

ساعد صعود السلاح عالي التقنية أيضًا على ترسيخ سياسات الإقصاء الإسرائيلية العنصرية. فقد حرص الصهاينة دائمًا على إبعاد الفلسطينيين عن اقتصادهم حتى من قبل إنشاء إسرائيل.

ففي قطاعات مهمة كالزراعة والبناء كانوا مجبرين على استخدام أعداد كبيرة من الفلسطينيين كقوى عاملة رخيصة، لكن الصناعات عالية التقنية أثبتت أنه يمكن الاعتماد على قوى عاملة ضئيلة أكثر مهارة تحقق المكاسب دون الحاجة إلى استخدام العمالة الفلسطينية.

وبالتالي، فإنه رغم أنه بالإمكان وصف إسرائيل بأنها دولة فصل عنصري، فإنها تختلف بالتكوين عن نموذج دولة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. فقد أُسقِطَت الدولة العنصرية هناك من خلال عناصر أهمها تحرك الطبقة العاملة السوداء. كان للعمال السود في جنوب إفريقيا القوة الاقتصادية التي لا يملكها الفلسطينيون وحدهم.

هذه التحولات تساعد على فهم سبب الانجراف طويل المدى نحو اليمين في السياسات الإسرائيلية. كانت إسرائيل دومًا مشروعًا عنصريًا، لكن الاقتصاد أصبح أكثر اندماجًا من ذي قبل في الاقتصاد العسكري للولايات المتحدة. وهذا يغذي التوجه بأن إسرائيل تحتاج إلى قهر الفلسطينيين بدلًا من المساومة معهم. وعزز هذا بدوره اليمين في إسرائيل وكذلك تجربة الاحتلال.

كثف وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في نوفمبر 2016 من الضغوط على الفلسطينيين. فرغم استمرار سياسة الدعم العسكري لإسرائيل بشكل متزايد كما سبق وأوضحنا، والتي بدأت قبل عقود من انتخاب ترامب، جاء ترامب بسياسات جديدة كتطبيق قرار كان قد أُجِّلَ لفترة طويلة، وهو نقل السفارة الامريكية إلى القدس، والانسحاب من تمويل الأونروا، وهي أحد هيئات الأمم المتحدة التي تقدم إعانات اقتصادية للاجئين الفلسطينيين.

ارتبط دعم ترامب لهذه السياسات جزئيًا بالتقاء مصالح القوى السياسية لليمين المسيحي الأمريكي مع القوى السياسية لليمين الصهيوني في الولايات المتحدة وإسرائيل. فبعض المسيحيين الإنجيليين يعتقدون أن قيام دولة إسرائيل تنبأ به الإنجيل، وبالتالي فإن دعم هذه الدولة واجب ديني. تتوافق هذه المعتقدات وتتناغم مع اهتمامات الصهاينة بإزالة أي مؤشرات لمعارضة، حتى وإن كانت رمزية إلى حد بعيد، لهيئات دولية كالأمم المتحدة وحكومات أخرى لاحتلال الأراضي الفلسطينية.

كان الإنجيليون المسيحيون جزءًا مهمًا من قاعدة ترامب الانتخابية، وبعض المتبرعين لحملته كانوا صهاينة مثل قطب الكازينوهات شيلدون أديلسون. كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هو الآخر يحظى بدعم من أديلسون الذي يملك أيضًا أكبر صحيفة يومية دورية في إسرائيل. إلا أنه سيكون من الخطأ اختزال سياسات ترامب بشأن فلسطين بأنها راجعة إلى رغبة ترامب اليائسة لإرضاء المتبرعين الأثرياء وقاعدته الانتخابية.

فبالنسبة للولايات المتحدة، تعتبر إسرائيل جزءًا مهمًا من آلية الهيمنة على الشرق الأوسط. فإسرائيل تساعد بشكل إستراتيجي على السيطرة على منطقة حيوية غنية بالنفط. لابد أن تُفهَم شدة التحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل أيضًا في إطار التغيرات الأخرى التي تحدث في المنطقة.

« السابق التالي »