بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

غلاف - كراس فلسطين

فلسطين: المقاومة والثورة والنضال من أجل الحرية

« السابق التالي »

الثورة والثورة المضادة في العالم العربي

ردت الانتفاضات التي اندلعت في 2011 على الادعاء الكاذب بأن التغيير من أسفل في العالم العربي هو حلم مستحيل. فلقد سقط الحكام الديكتاتوريون في تونس ومصر عندما اندفع المحتجون إلى الشوارع وشلت الإضرابات قطاعات رئيسية في الاقتصاد. من بنغازي في ليبيا والمنامة في البحرين من حمص في سوريا إلى صنعاء في اليمن، خرج مئات الالاف رافعين شعارًا عذبا واحدًا ” الشعب يريد إسقاط النظام”.

دفعت هذه الأزمات الثورية لأول مرة إليها ملايين الناس إلى النشاط السياسي، إذ شكل هؤلاء لجانًا شعبية ونظموا إضرابات تركل عملاء النظام الحاكم من أماكن العمل وتنشئ نقابات مستقلة وتُطلق الصحف والمواقع على الإنترنت. الأقليات الدينية كالأقباط المسيحيين في مصر أخذوا مطالبهم في المساواة والعدالة إلى الشوارع، وانتشرت الحركات الجديدة التي تتحدى قمع النساء.

أُصيبَ المعلقون الغربيون بحيرة في البداية. عجز الصحفيون والأكاديميون عن التفكير وهرعوا للبحث عن إجابات. هل كان الفيسبوك هو السبب؟ هل كانت الانتفاضات الشعبية تواقة إلى الديمقراطية الغربية أم أنها تنادي بقيام نظام إسلامي جديد؟

عاملان أساسيان وقفا وراء انفجار الأزمة الثورية في المنطقة. الأول هو تبني السياسات النيو ليبرالية عبر المنطقة. كان التحول التدريجي في سياسات اقتصاد الدولة عاملًا مزعزعًا للاستقرار لأنظمة الحكم الوطنية التي ظهرت جراء الموجة المعادية للاستعمار بعد العام 1945. فمعظم هذه الأنظمة منحت الأمان الوظيفي والدعم للاحتياجات الأساسية، وتبنت رسميًا الخطاب المناهض للاستعمار في مقابل السبات السياسي الكامل.

في السبعينيات، عندما انزلق الاقتصاد العالمي إلى الأزمة، أدركت حينها الطبقة الحاكمة أن مجرد الحفاظ على نظام دعم متهالك من العقد السابقة سوف يأكل من أرباحها. وانخرطت حكومات المنطقة في برامج تعديل إصلاحية هيكلية وقروض من صندوق النقد الدولي وتبنت نهج النيوليبرالية.

العامل الرئيسي الثاني هو هزيمة الولايات المتحدة في العراق. أثبت الغزو والاحتلال بعد 2003 أخطاءً كارثية في التقدير من جانب هذه القوة العظمى. غاصت أقدام القوات الامريكية في الوحل بقتالها المتمردين العراقيين. والنظام العراقي الطائفي الذي خرج من عباءة هذه الفوضى كان تحت تأثير الجارة إيران، ولكن مع سيطرة البيت الأبيض عليه في نفس الوقت.

تصاعدت الأزمة الاقتصادية العالمية بعد 2008، وأصبح من الصعب تمويل تكلفة الاحتلال أو دعم الأنظمة المعتلَّة اقتصاديًا والمتحالفة مع الولايات المتحدة. هذا الانحدار النسبي لقوة الولايات المتحدة منح حلفاءها وكذلك أعداءها مساحةً أكبر لتنفيذ أجنداتهم الخاصة، مما زاد من حدة التنافس بين دول المنطقة.

وقد شكل هذا التشابك بين المطالب السياسية والاقتصادية للحركات الجماهيرية من أسفل تهديدًا بالغًا على الطبقات الحاكمة في المنطقة. فللمرة الأولى منذ عقود تطالب حركات المعارضة بالديمقراطية، وتلقى آذانًا صاغية من ملايين الناس العاديين، ومنهم عمال منظمون ممن اكتووا بنيران الإصلاحات النيوليبرالية.

لذا لم يكن من المستغرب أن الطبقة الحاكمة التي تقود التراكم الرأسمالي في المنطقة والتي سوف تخسر كثيرًا من انتصار الثورات أن ترد وتدشن الثورة المضادة. فحكام السعودية مع دعم شرائح كبيرة من الطبقة الحاكمة في الخليج كانوا في قلب إستراتيجية العمل على دحر الانتفاضات الشعبية بالجمع بين القمع العسكري المباشر والترويج للطائفية بين المسلمين السنة والشيعة لتقسيم الحركة من الأسفل.

كانت جزيرة البحرين مسرحًا لأول اختبار لهذه الإستراتيجية. غزت القوات السعودية البحرين في 16 مارس 2011 لتقمع الانتفاضة الشعبية بناءً على طلب من الملكية السلطوية الفاسدة هناك. وقفت الطبقة الحاكمة في السعودية أيضًا خلف الثورة المضادة في مصر، ومنحت النظام العسكري دعمًا تمويليًا ضخمًا ساعدته في الانقلاب على محمد مرسي في 2013 وعلى قيامه بمذابح مروعة للإخوان المسلمين ومؤيديهم في أغسطس من العام نفسه.

وفي سوريا، قاد نظام الأسد بنفسه الثورة المضادة لكن بدعم قوى أخرى في المنطقة؛ دعم من إيران التي وسعت نفوذها في العراق وسوريا ولبنان. وكما في الخليج، حيث يتخذ الصراع على السيادة شكلًا طائفيًا، كذلك النظام السوري يقدم نفسه كحام للمسلمين من غير السنة والأقليات الدينية الأخرى ضد الجماعات الإسلامية السنية الطائفية.

وفي واقع الأمر، فإن سياسات القمع الوحشية للنظام السوري نفسه بتنفيذ عقاب جماعي للمناطق التي تؤيد الثورة السورية بقوة، كانت العامل الأكبر في تحويل الثورة إلى حرب أهلية طائفية. وتسارعت هذه العملية بتدخل دول الخليج في الحرب الأهلية السورية بمساندتها أكثر الجماعات السنية رجعية وطائفية.

كان النضال الفلسطيني حاضرًا طوال الثورات العربية. ففي تونس، احتفل المحتجون بسقوط بن علي وهم ينادون بتحرير القدس. وفي مصر، سار عشرات الآلاف إلى السفارة الإسرائيلية في سبتمبر 2011 وأغلقوها بالقوة. وفي سوريا، انضم اللاجئون الفلسطينيون في مخيمات دمشق إلى الحراك الثوري ودفعوا ثمنًا باهظًا بحصار الأسد لمخيماتهم.

في المقابل، أعادت الثورة المضادة زمام المبادرة لأعداء التحرر الفلسطيني. النظام العسكري بقيادة السيسي اضطهد الفلسطينيين الذين يعيشون في مصر، وجرت شيطنة حركة حماس، وشُدِّد الحصار على غزة بتدمير الأنفاق التي تُستَخدَم في تهريب البضائع ودُمرت بيوت الأهالي على الجانب المصري من الحدود.

ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الذي أُقرَّ بأنه القوة الصاعدة للعرش في الرياض قال علنًا إنه يؤمن “بحق الإسرائيليين في أن يكون لهم أرضهم”. ووفقًا لما أوردته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية فإن هذا الدفء الجديد نحو دولة طالما أدانتها السعودية رسميًا لعقود كانت له انعكاسات اقتصادية وجيوسياسية.

“بدلًا من أن يرى الأمير محمد إسرائيل كعدو، فأنه أصبح يرى الدولة اليهودية كمركز جذب اقتصادي وتكنولوجي في المنطقة وكشريك محتمل في الحرب الباردة للمملكة مع إيران. وبمقتضي ذلك الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، فمن الأفضل أن يكون ذلك في سياق معاهدة سلام مع الفلسطينيين”11

« السابق التالي »