بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

غلاف - كراس فلسطين

فلسطين: المقاومة والثورة والنضال من أجل الحرية

« السابق التالي »

كيف ينتصر الفلسطينيون؟

بعد مرور عشرين سنة على اتفاقات أوسلو، أصبح واضحًا أن فكرة ظهور دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل ليست إلا وهمًا. “الدولة” التي ولدت خلال هذه العملية الاستعمارية هي حطام متهالك. شعر ميرون بنفيزتي، أحد قلائل الأقلية المتبقية من القادة الصهاينة الأوائل، بالاشمئزاز من تداعيات هذه الإستراتيجية وتنبأ بأن سيادة هذه الدولة ستكون:

“محدودة بارتفاع مساكنها وعمق مقابرها، فالفضاء ومصادر المياه ستظلان تحت السيطرة الإسرائيلية. دوريات المروحيات وموجات الهواء والأيادي على مضخات المياه ومفاتيح الكهرباء وسجلات السكان وإصدار الهويات وأذون الدخول والخروج سيتحكم بها (بشكل مباشر أو غير مباشر) الإسرائيليون.

هذه الصورة الكاريكاتورية السخيفة لدولة فلسطينية مقطوعة الرأس وبلا أقدام أو مستقبل أو أي فرصة للنمو، تُقدَّم على أنها تحقيق لهدف الانسجام والعدالة المغروس داخل شعار “دولتين لشعبين”12

ومع هذا، لو تمخضت اتفاقيات أوسلو عن دولةٍ قابلة للحياة تحقق جزئيًا مطالب الفلسطينيين بعودة اللاجئين والمشاركة في القدس وتفكيك المستوطنات في الضفة الغربية وغزة، فهل تتحقق بذلك العدالة؟

الإجابة لابد أن تكون لا. هذا الحل لا يتطرق إلى الجريمة التاريخية التي أدت إلى وجود إسرائيل والذي اعتمد على تطهير عرقي لـ850 ألفًا من الفلسطينيين في 1948.

وسيترك هذا الحل دولة عنصرية استعمارية مدججة بسلاح الإمبريالية الأمريكية تشكل تهديدًا ليس على الفلسطينيين فقط، بل على المنطقة بأكملها. ولهذا السبب ترتفع أصوات عدد من النشطاء الفلسطينيين البارزين بالمطالبة بدولة واحدة علمانية ديمقراطية على مبدأ تساوي الحقوق لكل مواطنيها بما فيهم اليهود الإسرائيليون.

يقول عمر البرغوثي، العضو المؤسس في حركة المقاطعة BDS:

“إن قبول المستوطنين المستعمرين كمواطنين وشركاء كاملين في بناء وتطور مجتمع تشاركي جديد حر من الإذعان الاستعماري والفصل العنصري -على النهج النموذجي للدولة الديمقراطية- هو أكثر العروض كرامة يقدمها أي سكان اصليين لمضطهديهم، بعد عقود من القمع” 13.

لكن كيف يمكن لهذه الدولة أن تنشأ؟ فاحتمال أن يأتي الكفاح المسلح وحده بنصر كهذا هو احتمال لا يُذكَر. لا تستطيع المقاومة المسلحة الباسلة التي تقوم بها حماس وبقية الفصائل الفلسطينية أن تهزم آلة الحرب الصهيونية. الأنظمة العربية كذلك جزء مندمج في النظام الإمبريالي في المنطقة، لذا لا تستطيع ذلك ولن تدخل في مواجهة مع الجيش الإسرائيلي.

إن قيام إسرائيل جعل من الفلسطينيين أقلية مقموعة داخل بلادهم. وعودة اللاجئين الفلسطينيين ستجعل السؤال حول مستقبل فلسطين مطروحًا وحله هو الوسائل الديمقراطية كالاستفتاء مثلًا بناءً على قاعدة شخص واحد صوت واحد. ومسألة تقرير المصير أيضًا مسألة مركزية. فالفلسطينيون ليسوا أوراق مساومة في الصراع الدبلوماسي والعسكري، بل هم صناع القرار حيث أفعالهم هي التي تقرر مستقبل بلادهم.

إن للفلسطينيين الحق بأن يتسلحوا لتحقيق هدفهم، ولهم الحق أن يقرروا من يناضل ومن يتحدث باسمهم. والحركات الفلسطينية التي تحيي تراثًا ديمقراطيًا من الاحتجاجات الشعبية والعصيان المدني والإضرابات تهدد المشروع الإسرائيلي بعمق.

هذه الأشكال من التحرك تربط بشكل مباشر بين نضال الفلسطينيين في المناطق التي استولت عليها إسرائيل بالغزو المسلح الوحشي في 1948 مع إخوانهم واخواتهم في الضفة الغربية وغزة وباللاجئين الفلسطينيين خارج حدود فلسطين التاريخية.

إن اتفاقيات أوسلو والاستيلاء على الأراضي بالمستوطنات وبناء جدار إسمنتي ضخم يقطع الضفة الغربية، كلها صُمِّمَت من أجل منع أي ثورة من أسفل مرة أخرى، ولكن مع ذلك، فإن نضال الفلسطينيين لوحدهم أو حتى مع دعم حركات التضامن الدولية لن يكفي لتحقيق العدالة.

إن قمع الفلسطينيين هو حجر الأساس في النظام الإمبريالي في الشرق الأوسط، فهو نظام يعتمد على الأنظمة العربية بنفس قدر اعتماده على إسرائيل. ولهذا السبب لابد أن يرتبط النضال الفلسطيني مع بناء حركات ثورية مستقلة تناهض الأنظمة العربية. وهذه ليست فكرة جديدة بالنسبة للنشطاء في المنطقة، بل هي جزء من خبراتهم المشتركة في الفترة التي سبقت ثورات 2011.

إلا أن الموجة الثورية في 2011 كشفت أيضًا بعض نقاط الضعف خصوصًا في عدم وجود جذور لها في مواقع العمل والاحياء الفقيرة. وتبقى هناك مسألة شديدة الأهمية بالنسبة للنشطاء الثوريين العرب، هي ما إذا كان بالإمكان أن يصبح التضامن مع فلسطين مطلبًا أساسيًا للحركات العمالية المستقلة في العالم العربي.

إن عودة ظهور مثل هذه الحركة سيطرح أسئلة مختلفة وجديدة على العمال الإسرائيليين. وقد رأينا ملمحًا من ذلك التناقض السياسي والاجتماعي بين اليهود الإسرائيليين في 2011 عندما ألهمت الثورات في العالم العربي احتجاجات ضخمة داخل إسرائيل.

هذه الاحتجاجات لوحدها لا يمكنها كسر قبضة الأيديولوجيا الصهيونية الاستيطانية على ضمائر العمال اليهود في إسرائيل، لكنها أظهرت أن انتفاضات ثورية ناجحة جزئيًا قد تفضح الانقسامات الطبقية داخل المجتمع الإسرائيلي.

ونحن كاشتراكيين ثوريين ندرك أن معركة “دولة واحدة” في فلسطين لا يمكن في الغالب كسبها بدون تحول ثوري في المنطقة. نريد أن نرى أن النضال من أجل التحرر الوطني ينمو إلى نضال من أجل الاشتراكية. ليس فقط من أجل إسقاط الدكتاتورية والاحتلال الاستيطاني، ولكن من أجل تفكيك النظام الرأسمالي الذي يجد فيه القمع له موطنًا.

في هذه المعركة سيكون دور الطبقة العاملة المنظمة حاسمًا. وستكون طرق نضالها الإضرابات والاحتجاجات الجماهيرية والعصيان المدني: الحشد الذي يتضمن أوسع وأكثر أشكال المشاركة الديمقراطية. فنتائجها لن تُحسَم داخل الأبواب المغلقة بالدبلوماسيين أو الجنرالات (حتى لو كانوا من المقاومة).

لن يكون هذا الأمر سهلًا، فالثورة المضادة تخنق المنطقة. وسيكون من العسير كسب الدعم للفلسطينيين داخل مواقع العمل المصرية بينما النظام العسكري يطلق حملته الإعلامية الشرسة ليشيطن بها حماس. ومع هذا فإن غنيمة الانتصار في هذه المعركة ستكون هائلة.

وبالنسبة للشباب الذين يعيشون في ظل الاحتلال، لن يكون من السهل إقناعهم بعدم وضع ثقتهم في من قادوا الحركات على مدار عقود من الزمان، والاعتماد بدلًا منهم على عزمهم وتصميمهم وشجاعتهم. ورغم صعوبة ذلك، هناك فلسطينيون يقدمون هذا الطرح اليوم.

نحن أيضًا لنا دور مهم لنقوم به من خارج المنطقة. إسرائيل ترسل طائرات مسيَّرة صُنِعَت في بريطانيا لقتل الأطفال في غزة. الشركات التي تربح من وراء الاحتلال موجودة في مدارسنا وجامعاتنا وخدماتنا المحلية. كل ضربة نصيب بها الدولة البريطانية والطبقة الحاكمة البريطانية تقوض من استقرار الإمبريالية في الشرق الأوسط.

إن بناء تيار ثوري اشتراكي أممي أصبح الآن أكثر ضرورة مما مضى. إذا كنت توافق على ذلك انضم إلينا.

« السابق التالي »