بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ثورات منسية.. الصورة الأخرى لتاريخ السودان

الكاتب بقلم سيد صديق

ثورات منسية.. الصورة الأخرى لتاريخ السودان

التالي »

مقدمة

منذ 15 أبريل الجاري، اندلع القتال بين الجيش وقوات الدعم السريع في السودان في صراعٍ دموي على الانفراد بالسلطة. يدفع المواطنون السودانيون ثمن هذا القتال، إذ سقط إلى الآن المئات منهم قتلى، علاوة على آلاف الجرحى، في معارك لا يد لهم فيها بين جنرالات سبق أن تعاونوا بصورةٍ وثيقة للإجهاز على الثورة. وبالإضافة إلى دمار وتضرر خدمات المياه والكهرباء، توقفت عشرات المستشفيات عن العمل في مواقع القتال في الخرطوم، والكثير منها بسبب تعرضها للقصف المباشر. وتفيد تقارير باندفاع موجة كبيرة من النزوح من العاصمة إلى ولايات سودانية أخرى وإلى خارج السودان.

قد يبدو تاريخ هذا البلد مجرد سلسلة مأساوية طويلة من الانقلابات والصراعات العسكرية. لقد شهد السودان أول حكم عسكري في العام 1958، بعد عامين فقط من الاستقلال عن الاستعمار البريطاني، حين دشَّن اللواء إبراهيم عبود ديكتاتورية عسكرية خانقة استمرت 6 سنوات. وفي العام 1969، استولى العقيد جعفر نميري على السلطة في انقلابٍ غير دموي، لكن حملات القمع السياسي في السنوات اللاحقة أُعدِمَ فيها المئات واعتُقِلَ فيها آلاف النشطاء، واستمر هذا الحكم طيلة 16 سنة. وخلال تلك السنوات، شهد السودان زهاء 20 محاولة انقلاب واغتيال لنميري من داخل القوات المسلحة (كان مصيرها جميعًا الفشل) (1). وفي العام 1989، انقلب العميد عمر البشير على السلطة وأسس حكمًا عسكريًا/إسلاميًا استمر 30 سنة. هذا كله علاوة على الصراعات العسكرية الممتدة في الجنوب، التي استمرت منذ الاستقلال إلى أن انفصل جنوب السودان في 2011، إضافةً إلى الحرب الدموية التي شنَّها الجيش السوداني وميليشياته على دارفور.

بشكل عام، من أصل 67 عامًا منذ الاستقلال عن الاحتلال، عاش السودان 56 عامًا تحت وطأة الحكم العسكري. لكن هناك صورةً أخرى للسودان يبدو أن كثيرين يتناسونها تحت ستار أدخنة المعارك الدائرة اليوم. في الحقيقة، يزخر تاريخ السودان الحديث بثوراتٍ جماهيرية ربما أكثر من البلدان الأخرى في المنطقة. وقد اضطلعت الطبقة العاملة، بعمالها ومهنييها، بدورٍ حاسم في إسقاط الأنظمة في هذه الثورات، بسلاحها الأهم حتى الآن، الإضراب العام. أسقطت ثورة أكتوبر 1964 حكم الجنرال عبود، وكانت تلك أول ثورة شعبية تتمكَّن من إسقاط نظام سياسي في المنطقة العربية وإفريقيا، وتصدرت قيادة النضال في هذه الثورة “جبهة الهيئات”، وهي جبهة عريضة لنقابات عمالية ومهنية. وجاءت ثورة أبريل 1985 بقيادة “التجمع النقابي” وأسقطت حكم السفاح نميري بإضرابٍ عام زرعء تصدعات عميقة في النظام حتى أطاحه. وفي ثورة ديسمبر 2018، التي أنهت ثلاثة عقود من ديكتاتورية البشير، كانت الصدارة أيضًا للطبقة العاملة، أو على الأقل قطاع كبير منها، وهو “تجمع المهنيين”، الذي رفع راية الثورة وقادها، على الأقل في مراحلها الأولى، ومن ثم أفسح المجال للجان المقاومة.

لكن كل ثورة من هذه الثورات لم تكد ترسي مرحلةً ديمقراطية حتى ينقلب عليها الجيش ويعيد الكرَّة. بعد إسقاط عبود، الذي كان حكمه يمينيًا صريحًا، لم تكمل المرحلة الديمقراطية 5 سنوات إلى أن جاء انقلاب نميري، الذي أسَّس حكمًا قوميًا تحوَّل إلى يميني/إسلامي. وبعد إسقاط نميري، بالكاد أكملت المرحلة الديمقراطية 4 سنوات إلى أن جاء انقلاب البشير، اليميني/الإسلامي منذ بدايته، بدعمٍ من الجبهة الإسلامية القومية. وبعد محاولات فاشلة لتقاسم السلطة بين الجيش والمدنيين، انتهت بانقلاب آخر في أكتوبر 2021، يغرِق الجيش والدعم السريع البلاد الآن في مستنقع من الدماء.

هل هذا يعني أن المصير المأساوي الذي لاقته هذه الثورات كان حتميًا؟ يتغافل أنصار الإجابة بنعم عن الإمكانيات الجبارة التي أطلقتها هذه الثورات، وللأسف ينتهي الأمر ببعض المتاجرين بفشل الثورات بالهروب إلى أسباب نفسية أو جينية لشعب هذا البلد أو ذاك، أو أحيانًا التعالي على الشعب باتهامه بالجهل أو التكاسل، إلخ، من أجل تبرير “حتمية” الهزيمة والفشل. وخلال ذلك، يتعامى هؤلاء تمامًا عن آليات الثورة وطبقاتها ومصالح هذه الطبقات والوضع الإقليمي والعالمي الأوسع.

تعج ثورات السودان الماضية بخبراتٍ عميقة تستحق التنقيب فيها والاستفادة بها لمستقبل جماهير المنطقة والعالم. وعلى العكس، كان من الممكن أن تكمل هذه الثورات انتصاراتها حتى تأسيس ديمقراطية وعدالة راسخة وممتدة. كان من الممكن تفادي المآسي المتتالية التي عاشها الشعب السوداني. يهدف هذا المقال إلى إثبات أمرين رئيسيين؛ أولًا أن هناك وجهًا آخر لتاريخ السودان، هو تاريخ ثورة الطبقة العاملة والفقراء، تاريخ الجماهير من أسفل. وثانيًا، أن تاريخًا آخر كان ممكنًا في الماضي، ومستقبلًا آخر يظل ممكنًا في المستقبل. سنبدًا أولًا بنظرة سريعة على نشأة وتطور الطبقات الحديثة في السودان.

التالي »