بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ثورات منسية.. الصورة الأخرى لتاريخ السودان

الكاتب بقلم سيد صديق

ثورات منسية.. الصورة الأخرى لتاريخ السودان

« السابق التالي »

التطور المركب في السودان

قبل غزو محمد علي السودان في العام 1820، وتأسيس الحكم التركي-المصري، سادت في السودان ممالك مختلفة، أشهرها مملكة الفونج التي سيطرت على الشمال وعاش نبلاؤها على نهب الفائض الزراعي من الفلاحين والإغارة على القبائل الأخرى لجلب الذهب والعبيد. وبعد ذلك اعتمد هذا الحكم الاستعماري على النهب المباشر لموارد السودان، حيث الثروة الحيوانية والزراعية الوفيرة والصمغ والعاج والذهب، إلخ. عمد الاستعمار أيضًا إلى غزو الجنوب للحصول على العبيد، وازدهرت إثر ذلك سوق العبيد في السودان ومصر والجزيرة العربية. هذا إضافةً إلى جباية الضرائب من القبائل، بالأخص في عهد الخديوي إسماعيل، من أجل سداد ديون مصر للدائنين الأوروبيين وتمويل الحروب المصرية للسيطرة على منابع النيل في منطقة الحبشة (2).

إلى جانب ذلك، تدخَّل الاستعمار بقوة من أجل تحويل الاقتصاد من الاعتماد على التجارة ضيقة النطاق للإنتاج الزراعي والحرفي إلى الاعتماد على تجارة الإنتاج السلعي المرتبط بالسوق الرأسمالية العالمية. ونشأت خلال ذلك مدنٌ مثل الخرطوم وكسلا لتكون حاميات عسكرية ومراكز إدارية (3).

واجه النظام الاستعماري أشكالًا مختلفة من المقاومة على مدار عقود، حتى أشعل محمد أحمد المهدي وأنصاره ثورةً ضده في العام 1881 كبَّدت الجيش المصري، ثم البريطاني (الذي احتل مصر نفسها في العام 1882)، هزائم ساحقة، إلى أن انتصرت “الثورة المهدية” في العام 1885. لكن الدولة التي تمخضت عنها هذه الثورة لم تصمد طويلًا، إذ انهارت أمام غزو الجيش البريطاني-المصري الذي استعاد السودان إلى حظيرة الاستعمار مرةً أخرى في 1898.

واصل الاستعمار البريطاني-المصري مسيرة التنمية الرأسمالية التي بدأها سابقه التركي-المصري على استحياء، وهذه المرة بصورةٍ أحدث وأكثر تكثيفًا. كان الاتجاه السائد للدول الاستعمارية منذ أواخر القرن التاسع عشر هو تصدير جزء من رأسمالها للاستثمار وزيادة الأرباح على أرض المستعمرات. فمع تصاعد تمركز رأس المال في البلدان المتقدِّمة إلى الدرجة التي أفضى بها إلى الاحتكار، لم تعد الحدود الوطنية تكفي لتوسع الرأسمال وتحقيق المزيد من الأرباح، وصار لابد من تصديره إلى الخارج. أولى الثوري الروسي فلاديمير لينين اهتمامًا خاصًا بهذه العملية، فيقول إن “الوضع الاحتكاري في بعض البلدان فائقة الغنى أدَّى إلى أن يبلغ تراكم رأس المال فيها مقاييس هائلة، وقد تولَّدَ تبعًا لذلك “فيضٌ ضخمٌ من الرساميل” في هذه البلدان”(4). ولمَّا كان من غير الممكن توجيه رأس المال الفائض إلى رفع مستوى معيشة الجماهير “المتاخمة للجوع”، لأن ذلك ببساطة لن يولِّد أرباحًا تُذكَر بل سيخفض هذه الأرباح، صار هذا الفائض يُوجَّه إلى رفع الأرباح “من خلال تصديره إلى الخارج؛ إلى البلدان المتأخِّرة، حيث الربح مرتفع عادةً، لأن الرساميل قليلة، وأسعار الأرض منخفضة نسبيًا، والأجور زهيدة، والخامات رخيصة”(5).

نتج عن ذلك أن أُدخِلَ نمط الإنتاج الرأسمالي إلى البلدان المستعمرة من أعلى على يد الاستعمار، جالبًا معه الوسائل التقنية والآليات الرأسمالية الحديثة. بالطبع ظلَّت هناك أنماط إنتاج ما قبل رأسمالية في هذه البلدان، جنبًا إلى جنب مع الرأسمالية الحديثة، لكنها أصبحت مُلحَقة بالرأسمالية ومندمجة في السوق العالمية. وهذا ما حدث بشكلٍ ما في السودان. وهذا التوازي بين النمط الرأسمالي الحديث والأشكال القديمة للإنتاج هو ما أطلق عليه الثوري الروسي ليون تروتسكي “التطور المركب المتفاوت”، حيث تتطور مراكز محدودة ومكثَّفة للتراكم الرأسمالي في المدن، وتُترَك أطراف المجتمع على تأخُّرها، بعلاقاتها التقليدية القديمة (كانت الترجمة الحرفية والأكثر فجاجة لهذا التفاوت بين المراكز والأطراف في السودان هي تهميش الجنوب ونهبه واضطهاد سكانه).

شكَّل هذا التطور المركب نشأة الطبقات الحديثة في السودان بصورةٍ مختلفة عن المسار الذي اتخذته في البلدان الرأسمالية المتقدمة. ففي هذه البلدان، نشأت الرأسمالية على أنقاض المجتمع الإقطاعي القديم، وقامت الطبقة البرجوازية بدور ثوري في هدمه. أما في السودان والكثير غيره من البلدان المتأخرة، فقد نشأت في رحم النظام القديم وفي ارتباط وثيق به. قامت في ظل ذلك البرجوازية السودانية من فئاتٍ مثل زعماء القبائل وزعماء الطوائف الدينية والتجار المحليين وبعض المنتمين لبيروقراطية الدولة، وكانت منذ نعومة أظفارها شديدة الارتباط برأس المال الأجنبي وضعيفة أمامه ومتذيلة إياه. ونظرًا لنهم رؤوس الأموال المحلية والأجنبية على السواء لتحقيق أكبر قدر من الأرباح وتجاوز التأخُّر الرأسمالي الشديد في أسرع وقت، كانت المراكز الرأسمالية حديثة النشأة هذه شديدة التكثيف، وترعرعت فيها طبقة عاملة متركِّزة بشدة وسط محيطٍ واسع من أشكال الإنتاج المتأخِّرة ما قبل الرأسمالية في الزراعة والرعي.

أفرز هذا المسار من التطور المركب مجموعةً كبيرة من التناقضات الطبقية في المجتمع السوداني، وهذه التناقضات هي التي شكلت الحياة الاقتصادية والسياسية في هذا البلد على مدار تاريخه اللاحق قبل الاستقلال وبعده. يمكننا تلخيص أبرز هذه التناقضات في تاريخ السودان على النحو التالي:

أولًا، انعكس ضعف البرجوازية السودانية وتذيلها لرأس المال الأجنبي في اتجاهاتها السياسية، فجعلها طبقةً محافظة وجبانة؛ تخشى أي تغيير على يد الجماهير أو تهديد لاستقرار وتدفق رأس المال الأجنبي الذي ترتبط به مصالحها وحياتها. علاوة على ذلك، عجزت هذه البرجوازية طوال تاريخها عن التعبير عن مصالحها بشكلٍ مستقل عن الطوائف السائدة (مثلًا حزب الأمة المعبِّر عن طائفة الأنصار، وحزب الاتحادي المعبِّر عن طائفة الختمية). وهذا في حدِّ ذاته انعكاسٌ للتطوُّر المركب المتفاوت في حقل السياسة، حيث الحفاظ على أشكال قديمة موروثة من ماضٍ سحيق للتعبير عن مصالح عصرية حديثة.

وفي المقابل، لم تكن الطبقة العاملة، رغم صغر حجمها في البداية، مُكبَّلة بأيِّ مصالح تمنعها من المُضي قُدمًا في النضال الديمقراطي والوطني إلى نهايته، أي أنها كانت ثورية. وأخذت هذه الطبقة تعبِّر عن نفسها ومصالحها بالأشكال الحديثة المتلائمة مع هذه المصالح. ولعل الأدوار التي قامت بها النقابات والحزب الشيوعي في تاريخ ثورات السودان لهو أبرز دليل على ذلك.

ثانيًا، بينما كانت الطبقة العاملة صغيرة نسبيًا مقارنةً بإجمالي السكَّان، كانت قوتها السياسية تتنامى بصورةٍ أكبر كثيرًا من حجمها العددي، نظرًا لتكثيفها الشديد وظروف معيشتها شديدة التقارب ومصالحها الموحَّدة، مما انعكس إيجابيًا على قدرتها على قيادة النضال في مراحل مفصلية في تاريخ السودان.

ثالثًا، كان الفلاحون والرعاة على النقيض التام من ذلك، إذ ظلَّ معظمهم يعيشون تهميشًا اقتصاديًا وتنمويًا بالغًا، ورغم أنهم شكَّلوا أغلبية المجتمع، كانت هذه الأغلبية مُبعثَرة عبر أرجاء شاسعة من البلاد، ومصالحها متفاوتة بين الفلاحين الأغنياء والمتوسطين والمستأجرين والفقراء، ومالكو الماشية، بالتفاوتات الكبرى في ملكياتهم، والرعاة العاملين لديهم. وهذه التفاوتات الكبيرة انعكست سلبًا على قدرتهم على الاضطلاع بدور قيادي أو مستقل في النضالات عبر تاريخ البلاد، لكنها أيضًا جعلت منهم (بالإضافة إلى العاطلين والفقراء على هامش الإنتاج الرأسمالي) حلفاءً للطبقة العاملة المنظِّمة في النضال، وجعلت هذا التحالف ضروريًا لمشروع الثورة.

لقد حدَّدت هذه التناقضات المسارات السياسية التي اتخذتها الطبقتان الرئيسيتان في المجتمع الرأسمالي في السودان (البرجوازية والطبقة العاملة)، ولابد من الانطلاق منها لفهم مواقف القوى الطبقية في ثورات الماضي، وللإجابة على سؤال لماذا أُهدِرَت ثورات الماضي، بل ولتحديد مهام المستقبل.

« السابق التالي »