بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ثورات منسية.. الصورة الأخرى لتاريخ السودان

الكاتب بقلم سيد صديق

ثورات منسية.. الصورة الأخرى لتاريخ السودان

« السابق التالي »

الطريق إلى الاستقلال

خلال العقود الأولى من الاستعمار البريطاني-المصري، كان كبار ملاك الأرض، الذين شكَّلوا لاحقًا الرأسمالية الزراعية، يعارضون بوضوح الحركات المناهضة له، إذ كان هؤلاء خاضعين كليًا للنظام الاستعماري، نظرًا لما وفَّره لهم من وسائل نقل وسكك حديدية وقنوات للتجارة الخارجية وميكنة للزراعة الآلية، إلخ. بل كانوا حتى يتفانون في إثبات الولاء لبريطانيا بالأخص. على سبيل المثال، عندما وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، من بين الوفد السوداني الذي سافر إلى إنجلترا في العام 1919 لتهنئة الملك جورج الخامس بالانتصار، كان هناك عبد الرحمن المهدي وعلي الميرغني، وكلاهما زعيمان دينيان، لكنهما أيضًا من كبار ملاك الأرض وأصبحا في ما بعد رأسماليَّين زراعيَّين بارزَين. وقد قدَّم عبد الرحمن المهدي “سيف المهدي” الشهير هديةً لملك إنجلترا برهانًا على ولائه التام له (6).

تطوَّرَت الحركة الوطنية السودانية لاحقًا، متأثِّرةً بثورة 1919 المصرية، وكانت ذات طابع برجوازي صغير بالأساس، فقد كانت الطبقة العاملة آنذاك حديثة النشأة، ولم يكن لديها بعد لا خبرات سابقة ولا تراث نضالي ولا تنظيمات مستقلة. وجاء أقوى تعبير عن الحركة الوطنية في ذلك الوقت في جمعية اللواء الأبيض، التي تأسَّسَت في العام 1923 على يد علي عبد اللطيف، وتنوَّعَت تركيبتها بين موظفين وتجَّار وضباط جيش صغار، وكذلك معلِّمين ومثقفين وطلاب، إلخ. وفي العام التالي على تأسيسها، نظَّمت الجمعية مظاهراتٍ حاشدة في المدن السودانية شارك فيها الجنود والضباط السودانيون إضافةً إلى الجنود المصريين المتمركزين في السودان، واندلع قتالٌ عنيف سقط خلاله عددٌ كبير من الضحايا بعد تحرُّك الاستعمار البريطاني لقمع اللواء الأبيض.
وهنا سارعت الزعامات الدينية وكبار ملاك الأرض، وعلى رأسهم أيضًا عبد الرحمن المهدي وعلي الميرغني، لإدانة الحركة الوطنية والتبرؤ منها، وبعثوا مذكرةً للحاكم العام قالوا فيها:
“نحن نقدِّر كثيرًا ما قام به المسئولون البريطانيون من أجل رفاهية السودان … نبعث بولائنا العميق وإخلاصنا للحكومة البريطانية والتي لا نرى لها بديلًا. ونودُّ أن نؤكِّد عدم وجود أي علاقةٍ بيننا وبين ما يحدث الآن في مصر” (7).

تعرَّضت الحركة الوطنية السودانية لانتكاسةٍ قوية بعد هزيمة 1924، ولكنها بدأت تستجمع قواها تدريجيًا ليشهد العام 1938 تأسيس مؤتمر الخريجين كممثِّل لـ”الأمة السودانية”. ورغم البداية علمانية الطابع، سرعان ما سقط المؤتمر فريسةً للتناحر بين القيادات الطائفية التقليدية الختمية والمهدية. وقد شكَّلَ إسماعيل الأزهري حزب الأشقاء، المرتبط بالطائفة الختمية (انقسم لاحقًا إلى حزبيّ الاتحادي الوطني والشعب الديمقراطي) في العام 1943، مناديًا بالوحدة مع مصر، فيما أسَّس الموالون لآل المهدي حزب الأمة في العام 1945، ليناهضوا الوحدة مع مصر ويطالبوا بتعزيز الارتباط ببريطانيا.

لم يكن هذا التضارب في الهدف الإستراتيجي خلافًا عارضًا، بل انعكاسًا لمصالح اقتصادية أعمق لدى قادة كلا الحزبين الطائفيَّين. لم يكن من قبيل المصادفة آنذاك أن يطالب حزب الأشقاء، الذي قاده عددٌ من أغنى التجاريين في تصدير الماشية إلى مصر، بالوحدة مع مصر. أما حزب الأمة، الذي أيَّد الارتباط ببريطانيا، فقد ازدادت ثروة الكثير من قادته على خلفية السياسة البريطانية الرامية إلى خلق طبقة رأسمالية سودانية تتفق مع المصالح البريطانية، وارتبطت ثروة بعضهم بتصدير القطن إلى بريطانيا. كان إذًا الخلاف في إستراتيجية الاستقلال بين الحزبين انعكاسًا لتناقضٍ بين شرائح مختلفة من رأس المال في السودان، فصار الاستقلال بالنسبة لكبار الرأسماليين يعني إما الارتباط ببريطانيا وإما الالتحاق بمصر، لكن لا بناء سودان مستقل عن كلا الطرفين. وهكذا فرَّغت المصالح الاقتصادية للبرجوازية إستراتيجياتها للاستقلال من مضمونها.

في تلك الأثناء، كانت الطبقة العاملة السودانية تتشكَّل بوتيرة سريعة، إذ وجدت نفسها فجأة وقد تجمعت في أعداد غفيرة في مراكز محددة ومكثَّفة، وتحت تصرفها تشغيل المفاصل الرئيسية في السودان. نشأ الجيل الأول من الطبقة العاملة السودانية في مؤسسات النقل والمواصلات والصيانة والخدمات، وكانت أكبر كتلة عمالية هي عمال السكك الحديد، الذين أسسوا الحركة النقابية ولفوا حولهم عمال الصيانة والخدمات. ولاحقًا، توسعت صفوف الطبقة العاملة بعمال الصناعات الخفيفة، وصار هناك عمالٌ من خريجي الثانويات والمعاهد الفنية، وبدأوا يشكِّلون مجموعات ذات تأثير داخل حركة الطبقة العاملة.

وجدت الطبقة العاملة نفسها مدفوعةً إلى النضال مباشرةً بعد ولادتها. في أعقاب موجة التضخم إبان الحرب العالمية الثانية، قامت الحركة العمالية المنظمة وكان مركزها مدينة عطبرة، شمال الخرطوم، خاصةً في ورش وعنابر السكك الحديدية، التي عمل بها آنذاك حوالي 20 ألف عامل. ولم يكن غريبًا على الإطلاق أن تشق الحركة العمالية طريقها إلى الوجود منذ البداية في هذه المدينة، حيث مثَّلَ عمال السكك الحديدية وعائلاتهم تسعة أعشار سكَّان المدينة في العام 1946، وهؤلاء العمال شكَّلوا 40% من إجمالي عمال السكك الحديدية في السودان برمته (8). وبشكلٍ عام، نظَّم العمال المهرة أنفسهم في “هيئة شئون العمال”، التي أجبرت الحكومة على الاعتراف بها وإقرار قانون النقابات العمالية عام 1948، وفي غضون 4 سنوات فقط سُجِّلَت نحو 100 نقابة، واتحدت كبرى هذه النقابات في “مؤتمر العمال”، الذي تحوَّل في العام 1950 إلى “الاتحاد العام لنقابات عمال السودان”، تحت هيمنة نقابة عمال السكك الحديدية.

الأمر المهم في كل ذلك هو قدرة الطبقة العاملة على تعميم مطالبها بمجرد أن بدأت نضالها، فعلى سبيل المثال، طالبت نقابة السكك الحديدية في نوفمبر 1950 بزيادة قدرها 75% في الأجور لكل عمال السودان (9). المُلفِت أيضًا هو حالة التسييس المتصاعدة آنذاك بين العمال المنظَّمين في اتحاد النقابات، والتي دفعتهم إلى رفع مطالب سياسية من قبيل إنهاء الاستعمار وحق السودان في تقرير المصير، وكان معظم قادة الاتحاد منغمسين في أنشطة الحركة السودانية للتحرر الوطني (حستو)، التي تحوَّلَت لاحقًا في فبراير 1956 إلى الحزب الشيوعي السوداني.

« السابق التالي »