بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ثورات منسية.. الصورة الأخرى لتاريخ السودان

الكاتب بقلم سيد صديق

ثورات منسية.. الصورة الأخرى لتاريخ السودان

« السابق التالي »

الاستقلال والانقلاب

أعلن السودان استقلاله في 1 يناير 1956. وفيما سيطرت البرجوازية على حكومة بعد الاستقلال، لم تسع هذه الطبقة إلى أيِّ تغييرٍ جوهري في الهياكل الاقتصادية والاجتماعية التي أرساها الحكم الاستعماري، فقد حقَّقَت منافع كبرى في ظلِّ هذا الحكم، وكانت لديها مصلحة طبيعية في الحفاظ على الإطار الاقتصادي والاجتماعي الذي خلَّفه.

واجهت سلطة البرجوازية أربع مشكلات رئيسية. أولًا التوترات العنيفة مع الجنوب الذي لطالما عاش تهميشًا على يد الاستعمار وآن الأوان ليطرح مطالبه، وجاء ذلك عبر النضال المسلح. ثانيًا، تفاقم الحركة العمالية والنقابية بقيادة الحزب الشيوعي. ثالثًا، التوتُّرات مع مصر في ما يتعلَّق بتقسيم مياه النيل، حيث طالب السودان بإعادة التفاوض حول الاتفاقية الأنجلو-مصرية لعام 1929 بشأن نصيب البلدين من مياه النيل. ورابعًا، العلاقة مع الولايات المتحدة، إذ طلب السودان بصورةٍ رسمية دعمًا اقتصاديًا وعسكريًا من الولايات المتحدة في فبراير 1957، ومن ثم قدَّمَت الولايات المتحدة عرضًا بمدِّ العون في صورة قروض. وكانت مشكلة العون الأمريكي مرتبطة بشدة بالتوترات مع مصر، إذ رأت سلطة عبد الناصر العرض الأمريكي باعتباره بسطًا لنفوذٍ إمبريالي من نوع جديد يحل محل الوجود البريطاني السابق في امتدادها الإفريقي.

دبَّت الخلافات بين حزبيّ الحكومة (الأمة والشعب الديمقراطي) بالأخص حول مشكلتيّ التفاوض مع مصر والعون الأمريكي. فبينما كان حزب الأمة يدفع باتجاه التصعيد في المفاوضات المتوترة مع مصر وكان متحمسًا بالقدر نفسه للعرض الأمريكي، اتخذ حزب الشعب موقفًا يميل إلى التهدئة مع مصر وعزف عن قبول القروض الأمريكية. كان ذلك الخلاف المزدوج يشير بقوة إلى عجز البرجوازية السودانية عن توحيد نفسها، عبر أحزابها السياسية، في مسائل بهذه الأهمية الكبرى.

قوبِلَ العرض الأمريكي بمعارضة ضارية من أسفل كان في صدارتها الحزب الشيوعي والنقابات، وبتعاون تكتيكي من الحزب الاتحادي، الأمر الذي ولَّد تخوفًا كبيرًا لدى حزب الأمة من فقدان الثقة حال الموافقة على العرض الأمريكي بمفرده في مواجهة شريكه في الحكومة والمعارضة المتصاعدة في الشارع. وفي مواجهة هذا المأزق، الذي زادت طينته بلة بتصاعد الحركة العمالية والتمردات في الجنوب، سلَّمت الحكومة، برئاسة عبد الله خليل، الأمين العام لحزب الأمة، السلطة للجيش بقيادة اللواء إبراهيم عبود في 17 نوفمبر 1958، ليؤسس أول حكم عسكري في السودان بعد الاستقلال.

لم يكن ذلك انقلابًا عسكريًا بقدر ما كان تسليمًا طوعيًا للسلطة على طبق من ذهب للجيش. وما وقف وراء هذه الخيانة لآمال الجماهير السودانية هو المصالح الرأسمالية المباشرة لقيادات حزبيّ الحكومة. فمن بين العدد الصغير آنذاك للرأسماليين في السودان، كان أربعة منهم يقودون حزب الأمة؛ أحدهم رأسمالي زراعي، واثنان مرتبطان بالتجارة الخارجية، والأخير أحد أكبر الرأسماليين الصناعيين. حزب الشعب أيضًا لم تكن معارضته للعون الأمريكي معارضةً من حيث المبدأ، بل كان حريصًا فحسب على عدم إغضاب السلطة في مصر، وكان يقوده عددٌ من الرأسماليين البارزين المرتبطين بمصر (10). كان القطاع الأهم في البرجوازية السودانية شديد الارتباط بالسوق الرأسمالية خارج بلده، ومن أجل تعزيز هذا الارتباط قدم الديمقراطية قربانًا للجيش.

مرَّر عبود القروض الأمريكي، وصعَّد من القتال في الجنوب، والتفت كذلك إلى الحركة العمالية، التي كانت قد بدأت للتو فقط تلتقط أنفاسها في أعقاب الاستقلال، ودشن جملةً من الإجراءات القمعية، من أبرزها حل النقابات، وإقرار الإعدام عقوبةً للإضراب، واعتقال عدد غفير من القيادات العمالية وتقديمهم لمحاكمات عسكرية صورية.

« السابق التالي »