بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ثورات منسية.. الصورة الأخرى لتاريخ السودان

الكاتب بقلم سيد صديق

ثورات منسية.. الصورة الأخرى لتاريخ السودان

« السابق التالي »

ثورة أكتوبر المُجهضة

بيد أن القمع لم يوقف الحركة العمالية، فقد توالت الإضرابات للمطالبة برفع الأجور، ولم تنحصر في المطالب الاقتصادية، بل امتدت إلى الاحتجاج ضد حل النقابات وحالة الطوارئ، علاوة على التضامن مع المعتقلين. كانت الطبقة العاملة خلال سنوات عبود تبني الزخم للثورة عليه، وساعدها في ذلك ما طرأ من توسع كبير في صفوفها، لاسيما في الصناعة، التي شهدت طفرةً عما كانت عليه إبان فترة الاستعمار.

بالإضافة إلى هذا الزخم، فشل عبود في تسوية مسألة الجنوب، وكانت الهزائم المتتالية هناك تشعل الغضب تجاه السلطة العسكرية. وأجبرت هذه الهزائم النظام على فتح الموضوع للنقاش أمام الرأي العام، فنظَّم الطلاب ندوات واجتماعات للنقاش، وسرعان ما تحوَّلت النقابات إلى التحريض المباشر لإسقاط النظام. وفي 21 أكتوبر 1964، تدخلت قوات الأمن لفض ندوة بجامعة الخرطوم، وقتلت الطالب أحمد القرشي وأصابت عددًا كبيرًا من الطلاب. وفي اليوم التالي انطلقت جنازة القرشي في مظاهرة حاشدة، انضم إليها المهنيون، الذين نظَّموا أنفسهم في “جبهة الهيئات”. وأخيرًا، أعلنت النقابات العمالية بقيادة الحزب الشيوعي إضرابًا عامًا في 26 أكتوبر، وأدى إلى شلل كامل في الخرطوم والمدن الرئيسية الأخرى، حتى أنه قطع خطوط الإمداد عن الجيش في الجنوب (11). وجراء ذلك أُجبِرَ عبود ومجلسه العسكري على التنحي في 15 نوفمبر.

كانت قيادة الطبقة العاملة لثورة أكتوبر لا منازع لها، وقد حسمت المعركة بإضرابها السياسي العام، وذلك حتى رغم الصغر النسبي لحجمها، بينما كان القطاع التقليدي يحاصر آنذاك 75% من السكان في إطار علاقات الإقطاع القبلي وشبه الإقطاع (12). لقد منح التطور المركب للطبقة العاملة وزنًا سياسيًا أكبر بكثير من حجمها. وبشكل عام يمكننا القول إن الطبقة العاملة في ثورة أكتوبر استعادت بنضالها المسار الديمقراطي الذي خرَّبته البرجوازية بانقساماتها وخانته بتسليمها السلطة للجيش في 1958.

لكن بينما وقفت الأحزاب البرجوازية التقليدية متفرِّجةً على الثورة من موقعها في ما سُمِّيَ بـ”جبهة أحزاب المعارضة”، كانت هي من تسلَّمت السلطة بعد إسقاط عبود. كانت الطبقة العاملة تفتقر آنذاك إلى قيادةٍ تشق طريقها إلى السلطة السياسية بدلًا من أن يتسلَّمها آخرون خانوا الديمقراطية من قبل. لم يكن الحزب الشيوعي، الذي هيمن على حركة الطبقة العاملة سياسيًا، يتبنى هذه الإستراتيجية من الأصل (ربما لا يتسع المجال هنا لتناول هذا الموضوع، وسنعود إليه في مقال آخر).

تشكَّلت حكومة ما بعد عبود من الأحزاب البرجوازية الثلاثة (الأمة والشعب والاتحادي)، وللأسف بمشاركة الحزب الشيوعي، الذي قيَّد نفسه بالجبهة معهم وأضعف استقلاله السياسي عنهم كممثل للطبقة العاملة. حصل الحزب على 11 مقعدًا في البرلمان، الذي أثار فيه مناقشات عديدة بناءً على مطالب وشعارات ثورة أكتوبر، مما صعَّد من غضب البرجوازية تجاهه وخوفها من هذه المطالب، ولم تقف مكتوفة الأيدي إزاء ذلك. في 6 نوفمبر 1966، نظَّمت هذه الأحزاب، إضافةً إلى جبهة الميثاق الإسلامي (الإخوان المسلمون آنذاك في السودان) وبتحريضٍ منها، حلفًا برلمانيًا لطرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان وحظره من الحياة السياسية، بل وعدلوا الدستور خصيصًا لهذا الغرض. وكان الغطاء السياسي لذلك هو ادعاء “مواجهة الإلحاد” الذي شنوا به حملةً شعواء ضد الحزب ومنظماته وصحيفته المركزية “الميدان”.

ردَّت البرجوازية الجميل للطبقة العاملة بطرد حزبها السياسي من البرلمان وحظره، بعد أن كانت واقفةً في الثورة يأكلها القلق من نتائجها المحتملة. أرادت البرجوازية السودانية، ككل برجوازية أخرى بالأخص في البلدان المتأخرة، ديمقراطيةً على مقاسها دون إزعاج أي مطالبات اجتماعية واقتصادية، فكانت حريصةً على تجريد الطبقة العاملة من سلاحها الأهم، الحزب السياسي، ولو كان ذلك يعني إجهاض الديمقراطية.

لكن إذا كانت البرجوازية قد اتحدت ضد الحزب الشيوعي، فهذا لا يعني أنها كانت موحَّدة في كل القضايا الأخرى. كان إسقاط عبود بالنسبة لهذه الطبقة يعني فرصةً لتقسيم الكعكة، وقد ولَّد ذلك خلافاتٍ شلَّت السلطة وأغرقت المشهد في الانقسامات وفاقمت من المشكلات المزمنة في المجتمع السوداني وشوَّهت المرحلة الديمقراطية. وفي الإجمالي، تعاقبت 5 حكومات بعد ثورة أكتوبر، لم تستمر أي منها أكثر من 11 شهرًا. وفي ظل هذا الجمود والشلل، تدخَّل الجيش بانقلاب عسكري آخر، هذه المرة بقيادة جعفر نميري في مايو 1969، وفرض ديكتاتورية ساحقة.

« السابق التالي »