بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ثورات منسية.. الصورة الأخرى لتاريخ السودان

الكاتب بقلم سيد صديق

ثورات منسية.. الصورة الأخرى لتاريخ السودان

« السابق التالي »

ديكتاتورية – أبريل – ديكتاتورية

أعلن نميري حل جميع الأحزاب السياسية وأوقف العمل بالدستور وفرض الطوارئ، ومرةً أخرى جرَّم الإضرابات وأقرَّ الإعدام عقوبةً لمن يحرض عليها. وصحيح أنه ألغى هذه العقوبة لاحقًا، لم يكن ذلك إلا بغرض دمج النقابات في الاتحاد الاشتراكي الذي أسسه نميري أسوةً بعبد الناصر في مصر (13). وبصورةٍ عامة، مارس نميري قمعًا شرسًا على العمال، ولعل المثال الأبرز على ذلك هو نشر قوات الجيش لضرب عمال السكك الحديدية في إضرابهم في عطبرة، يونيو 1981، وحظر نقابتهم التي ضمت آنذاك 45 ألف عامل وحذفهم من سجلات العاملين بالحكومة (14). وتضخمت الأجهزة الأمنية بصورةٍ هائلة على مدار سنوات نميري، بالنظر أيضًا إلى التمردات المتواصلة في الجنوب.

لكن القمع لم يوقف الحركة العمالية إلى الأبد، فنهضت على يد المهنيين الذين بدأوا يقومون بدور متنامٍ. ومع تصاعد إضرابات المحامين والأطباء على وجه التحديد، أعلن نميري الأحكام العرفية في 30 أبريل 1984، ولم يكن يعلم أنه على موعد مع الثورة في العام التالي. استمرت الإضرابات العمالية والمظاهرات على مدار العام، وفي 3 أبريل 1985 سارت مظاهرة قوامها 20 ألفًا قادها أطباء ومحامون ومهندسون وموظَّفو طيران، وأسفرت عن تشكيل تحالف للمنظمات المهنية والعمالية أُطلِقَ عليه “التجمُّع النقابي”.

وفي اليوم التالي، 4 أبريل، دعا التحالف إلى إضرابٍ عام شارك فيه عمال السكك الحديدية والعمال في الخدمات وفي الكثير من الصناعات. تسبَّب الإضراب في قطع التيار الكهربائي وتعطيل خطوط الهاتف والمواصلات والملاحة الجوية والأسواق. حتى أن الإضراب شمل وكالة أنباء السودان وهيئة الإذاعة والتلفزيون، التي اكتفت بمذيعٍ واحد فقط لم يشارك في الإضراب (15). وتمكَّن الإضراب بعد يومين فقط من إسقاط نميري في 6 أبريل 1985. والمُلاحَظ هنا هو تحوُّل مركز الثقل في حركة الطبقة العاملة من عمال الصناعة والنقل، الذين لعبوا الدور القيادي في ثورة 1964، إلى المهنيين في ثورة 1985، مما يعكس التغيُّر في بنية الطبقة العاملة على مدار العقدين الفاصلين بين الثورة الأولى والثانية.

لكن مرةً أخرى هيمنت الأحزاب البرجوازية التقليدية على السلطة في ما بعد نميري. ولم يمانع الحزب الشيوعي في ذلك (اعتراضه الوحيد كان على مشاركة الجبهة الإسلامية القومية)، إذ كان بصورةٍ عامة يهدف إلى ترسيخ حلف طبقي واسع تكون فيه الطبقة العاملة خادمًا أمينًا للبرجوازية، وليس التعلُّم من أخطائه في الثورة الأولى والحفاظ على استقلالية الطبقة العاملة وشق طريقها إلى السلطة بدلًا من البرجوازية التي كبحت الثورة وأهدرت الديمقراطية من قبل.

فشلت الحكومات المتعاقبة بعد ثورة أبريل في الاتفاق على حلولٍ للمشكلات الاقتصادية المزمنة وقضية الجنوب، وخضعت بصورةٍ تامة لشروط صندوق النقد الدولي وطبَّقت برنامجًا تقشفيًا قاسيًا أشعل مظاهراتٍ كبرى في أكتوبر 1987. وصار المشهد السياسي يطغى عليه فساد الوزراء والمسئولين مع رجال الأعمال والخلافات الحادة حول تقسيم كعكة السلطة، وظلَّ الانقسام بين الأحزاب التقليدية حادًا إلى درجة انهيار الائتلاف الحكومي مرتين خلال ثلاثة أشهر فقط في العام 1987، وإلى درجة أن السودان أصبح بلا حكومة خلال الفترة من أغسطس 1987 إلى مايو 1988 (16).

لم تسع هذه الحكومات إلى تقديم أيٍّ من الإصلاحات التي نادت بها الثورة، وحتى خدمات الكهرباء والمياه واصلت التدهور. وواجهت الجماهير هذه الأوضاع المتردية بالإضرابات والمظاهرات، التي توالت حتى انفجرت في موجةٍ كبرى في منتصف العام 1988 احتجاجًا على نقص الخبز ومياه الشرب وقطع الكهرباء لساعاتٍ طويلة يوميًا. ونظَّم اتحاد المحاسبين إضرابًا استمرَّ 5 أيام، وخاض العمال الزراعيون إضرابًا لمدة 5 أيام أيضًا احتجاجًا على تدني الأجور، وخاض موظَّفو البنوك احتجاجاتٍ ضخمة مُنسَّقة بين 22 نقابة أخرى ضد خصخصة 76 مشروعًا مملوكًا للدولة، بما في ذلك 4 بنوك تابعة للقطاع العام (17).

لكن ارتباك وانقسام الأحزاب التقليدية في السلطة خلق المناخ الذي هيَّأ لانقلاب البشير في 30 يونيو 1989، بدعمٍ من الجبهة الإسلامية القومية، ليقطع الطريق على الحركة العمالية، التي كان يخشاها هو الآخر مثل نميري من قبله. أُعيدَت الكرَّة من جديد، وكان من أوائل مراسيم البشير أن حلَّ النقابات وصادر ممتلكاتها. ألغى نظام البشير النقابات الشرعية الموجودة بالفعل، ووضع مكانها نقابات أخرى غير مُنتخبة وعيَّن مجالس إدارة موالية له، ثم أصدر في العام 1992 قانون النقابات الذي جرَّم الحق في التنظيم أو الانضمام لنقابة في قائمة واسعة من المهن. حوَّل البشير جهاز الأمن الداخلي إلى قوةٍ هائلة ومخيفة، وصار النظام يلاحق القادة العماليين والنقابيين ويعتقلهم في ما عُرِفَ آنذاك بـ”بيوت الأشباح”، حيث يذوقون أبشع أشكال التعذيب.

« السابق التالي »