بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ثورات منسية.. الصورة الأخرى لتاريخ السودان

الكاتب بقلم سيد صديق

ثورات منسية.. الصورة الأخرى لتاريخ السودان

« السابق التالي »

البشير وعساكره.. والثورة

في مواجهة قمع البشير، أُعيدَ إحياء “التجمُّع الوطني الديمقراطي”، الذي كان جبهةً للقوى السياسية المعارضة إبان عهد نميري، بعد أشهر قليلة من الانقلاب، وإلى جانب 13 حزبًا سياسيًا في التجمُّع، كانت مشاركة منظمات الطبقة العاملة بارزة، إذ انضمت 65 نقابة إلى هذه الجبهة (18).

كانت العقود الطويلة من القمع الذي مورِسَ على الطبقة العاملة قد أضعف تنظيماتها، لكن حركتها لم تختفِ تمامًا، إذ ظلَّت الظروف التي ناضلت ضدها في الماضي كما هي، بل وازدادت سوءًا. في التسعينيات، بدأت قطاعات من المهنيين في التحرك، وتصاعدت في العام 1994، وكذلك في 1996 حين نظَّم الأطباء إضرابًا كبيرًا في أبريل من ذلك العام.

اعتمد البشير، مثل نميري وحكومات ما بعد 1985، على سياسات اقتصادية ترتكز على التقشف ورفع الدعم وخصخصة منشآت الدولة واللهاث وراء استثمارات الخليج. وفاقمت هذه السياسات من ديون السودان، التي كانت هائلةً بالفعل منذ سنوات نميري، التي ازدادت فيها الديون الخارجية من 3 مليارات دولار في العام 1978، إلى 9 مليارات في وقت إطاحة نميري (19)، وصولًا إلى 13 مليار دولار عقب انقلاب البشير مباشرةً، وكان ذلك يعادل ربع الناتج المحلي الإجمالي السنوي (20).

استقرت الأمور نسبيًا مع اكتشاف حقول النفط في السودان في بداية الألفية، فسجَّل السودان أول فائض في ميزانه التجاري في 1999-2000 مع نمو اقتصادي بلغ 6% (21). وأدى الاستقرار الاقتصادي وتزايد عائدات النفط منذ العام 2000 إلى اجتذاب رؤوس الأموال الأجنبية من السعودية وبلدان الخليج وآسيا. وقد حقَّق الاستثمار الأجنبي زيادةً هائلة من 128 مليون إلى 2,3 مليار دولار في العام 2006 (22). كان المشهد الاقتصادي قاتمًا بالفعل مع العقوبات الاقتصادية التي استمرت نحو 20 عامًا إبان عهد البشير، لكن حتى فورة النفط هذه التي منحت البشير مُتنفسًا من الأزمة الاقتصادية المزمنة قد تلاشت مع انفصال جنوب السودان. فقد السودان إثر ذلك 75% من الإنتاج النفطي، الذي شكَّلَ من 85 إلى 93% من الصادرات السودانية في العقد الأول من القرن (23).

بالطبع عالج البشير أزمته بمزيدٍ من التقشف ورفع الدعم، في مقابل مواصلة تعزيز قبضته الأمنية والعسكرية. على سبيل المثال، خصَّصت ميزانية 2018، المعروفة بـ”ميزانية الجوع”، أقل من 6% لقطاع الصحة، بينما وصلت مخصَّصات الجيش إلى 60%.

دفعت هذه السياسات السودانيين لاستعادة النضال ضد نظام البشير، وانتفضوا في 2012 و2013، لكن دون نجاحٍ في مواجهة أمن النظام الذي أوقع شهداءً ومصابين يصعب حصرهم. وفي مقابل الإحباط من هذه الهزائم، التقطت بعض فئات الجماهير أنفاسها وبدأت من جديد تدريجيًا تحتج على خطط التقشف. وكان في مقدمة هؤلاء قطاعات من المهنيين الذين واصلوا احتجاجاتهم. وبعد إضرابٍ كبير للأطباء في 2016 امتدَّ إلى 65 مستشفى عبر السودان في 9 أكتوبر 2016، انضمَّت إحدى الهيئات المركزية في تنسيق حركة الأطباء، وهي اللجنة المركزية لأطباء السودان، إلى شبكة الصحفيين السودانيين وتحالف المحامين الديمقراطيين، لتشكيل تجمُّع المهنيين السودانيين، الذي ضم بعد ذلك أيضًا قطاعات مهنية أخرى، وقاد المرحلة الأولى من ثورة ديسمبر 2018 التي أسقطت البشير.

اندلعت الثورة ضد سياسات البشير الاقتصادية المجحفة، وديكتاتوريته العسكرية/الإسلامية، وجرائمه الممتدة في الأقاليم السودانية شاسعة الأرجاء، التي نهبها لصالح العسكر ورجال الأعمال ورأس المال الخليجي، والتي مارس اضطهادًا عرقيًا ودينيًا إزاء سكانها. سقط البشير في أبريل 2019 بعد أكثر من أربعة أشهر من الاحتجاجات المتواصلة والإضرابات القوية التي شلَّت قطاعاتٍ اقتصادية حيوية في البلاد، واضطلع تجمع المهنيين بدورٍ رائد تتطلَّع إليه الجماهير لقيادة احتجاجاتهم. وبعد أن أُجبِرَ جنرالات الجيش والدعم السريع (الذي أنشأه البشير لحماية سلطته وخوض حربه القذرة في دارفور) على التخلي عن البشير، بدأت سلسلة من المفاوضات من أجل التوصُّل إلى صيغة لتسليم السلطة للمدنيين بعد فترة انتقالية تجري فيها الترتيبات اللازمة لذلك.

على نفس منوال 1964 و1985، تصدَّرت الأحزاب البرجوازية التقليدية المشهد هذه المرة أيضًا، وخاضت المفاوضات نيابةً عن ثورة لم تكن ضلعًا فيها إلا بالكاد، وتوصَّلت إلى اتفاقٍ بعد آخر بشروط مُجحفة خلت من أي ضماناتٍ لتسليم السلطة. هرعت هذه الأحزاب، تحت مظلة “قوى الحرية والتغيير”، للجلوس مع العسكر على طاولة التفاوض، من أجل تأمين مصالحها، غير عابئة بالمطالبات الجماهيرية التي ظلت الثورة تنادي بها، وفي تجاهلٍ أيضًا للمذابح التي ارتكبتها السلطة في تلك الأثناء (مذبحة القيادة العامة، يونيو 2019، مثلًا أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 110 شهيدًا، علاوة على إصابة واغتصاب واعتقال وتعذيب أعداد لا تُحصى من المتظاهرين).

كانت هذه الأحزاب مجردة تمامًا من أي سلطة في الشراكة المفترضة بين المدنيين والعسكريين في المجلس الانتقالي، وارتضت بدورها كواجهة للحكم العسكري، وأطلقت نداءاتها إلى الجماهير للتوقف عن المظاهرات والإضرابات، لكي تواصل تفاوضها مع العسكر دون إزعاج الضغوط من أسفل. كان دورها عمليًا هو احتواء الثورة.

في تلك الأثناء، انتقل دور قيادة الحركة الجماهيرية وتنظيمها على الأرض إلى لجان المقاومة، التي نهضت في أحياء الولايات وانتشرت على نطاقٍ شديد الاتساع وحتى في مواقع لا تخطر على بال؛ في مشاريع نهر القاش الزراعية نواحي كسلا، وفي الزريبة في شمال كردفان، وفي نيرتتي في جبل مرة. عملت اللجان، ولا تزال، على تنسيق وتوحيد الاحتجاجات الجماهيرية، وتدخلت لمراقبة الكثير من الخدمات، بل وتنظيمها وإدارتها في بعض الحالات، وتوزيع المواد الغذائية في بعض المناطق. والأهم أنها في خضم ذلك ضربت أروع النماذج في الممارسة الديمقراطية القاعدية في اتخاذ القرارات وصياغة التصورات والمقترحات السياسية، ووضعت الجماهير في قلب المعادلة السياسية، ووقفت حائط صد لمقاومة الحكم العسكري والتعبئة ضده. ولا يزال لديها طاقات ثورية أكبر يمكن أن تطلقها في المستقبل، رغم التحديات الهائلة.

« السابق التالي »