بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

ثورات منسية.. الصورة الأخرى لتاريخ السودان

الكاتب بقلم سيد صديق

ثورات منسية.. الصورة الأخرى لتاريخ السودان

« السابق التالي »

تاريخ آخر كان ممكنًا.. مستقبل آخر لا يزال ممكنًا

هذا السرد العابر للمراحل الرئيسية في ثورات السودان إنما يقدم وجهًا آخر لتاريخ هذا البلد، على النقيض التام من تلك الصورة السائدة لشعب منكوب بالحكم العسكري ومجرد ضحية للصراعات على السلطة. هذا التاريخ الموازي هو ما تريد القوى الرجعية طمسه، وهو ما تريد قوى الإصلاح البرجوازي تشويهه من خلال تجاهل الدور القيادي الذي نهضت به قطاعاتٌ قوية من الطبقة العاملة في هذه الثورات.

إذا عدنا للسؤال حول حتمية هزيمة الثورات في السودان، فإن هذا المقال يسوق الادعاء بأن ما تثبته تجارب الشعب السوداني ليس حتمية فشل الثورة بل حتمية فشل القيادة البرجوازية للثورة في تحقيق ولو حد أدنى من الديمقراطية المستقرة. لقد أصبغ التطور المركب لتاريخ السودان سمات المحافظة والانتهازية على هذه الطبقة، فجعل منها خادمًا ذليلًا لرأس المال الأجنبي ومُلحقًا لا حيلة له أمام الحكم العسكري.

وإذا كان الحل الإصلاحي البرجوازي قد أثبت فشله في ثورات الماضي، فقد دمغ هذا الفشل بمزيد من الإثبات في ثورة ديسمبر، التي لم تضع أوزارها بعد رغم الصراع المرير بين طرفيّ الثورة المضادة العسكرية. يقوم المشروع السياسي للإصلاح البرجوازي على تحقيق أكبر قدر من الاستقرار في أسرع وقت، وإن كان بصورةٍ مُلفَّقة مع العسكر، بغرض توفير المناخ المناسب لجذب الاستثمارات والتمويلات الأجنبية (كان هذا هو الهدف نفسه للجيش والدعم السريع قبل أن ينقلبا ضد بعضهما). كان عبد الله حمدوك تجسيدًا لهذا المشروع. أخذ الخبير الاقتصادي البارز يمجِّد في الثورة فقط بالقدر الذي أتاحته لإطاحة البشير، لكن استمرارها أبعد من ذلك كان يعني تهديد قاعدة الاستقرار التي قام عليها مشروعه بأكمله. لذا، حين أطاحه العسكر في انقلاب 25 أكتوبر 2021، لم ينطق ببنت شفة لتحفيز الجماهير لمحاصرة سلطة الانقلاب، بل حتى دعا إلى التهدئة. وحين عاد إلى منصبه بفضل الضغط الهائل لهذه الجماهير على البرهان/حميدتي، وجد نفسه في مأزق لا يُحسَد عليه؛ فالسبيل الوحيد لمواجهة العسكر آنذاك كان تصعيد الحركة من أسفل، لكن هذا بالذات ما يقوِّض مشروعه السياسي. وبين مطرقة العسكر وسندان الجماهير، استقال حمدوك في عجزٍ ومهانة متخليًا عن المعركة في أوجها. حمدوك وأمثاله ينطبق عليهم قول لينين الساخر بأن “الليبرالي حين يُشتَم، يهتف حمدًا لله أنهم لم يضربونني. وحين يُضرَب يشكر العناية الإلهية لأنه لم يُقتَل. وحين يُقتَل يشكر السماء لأنها حررت روحه من جسدٍ زائل” (24).

يرتبط انتصار الثورة في السودان أشد الارتباط بتجاوز مصالح رأس المال وتقديم قيادة بديلة متحررة من هذه المصالح لتشق الطريق إلى الديمقراطية. وهذه القيادة البديلة لابد أن تكون قيادة الطبقة العاملة، التي فرضت نفسها على الأرض في ثورات الماضي، لكنها لم تُتوَّج بالوصول إلى السلطة السياسية. لم تفتقر الطبقة العاملة إلى أيٍّ من الشروط “الموضوعية” التي تؤهِّلها لذلك، بل ما افتقرت إليه كان حزبًا سياسيًا ينظِّمه القطاع الأكثر ثورية من داخلها ويتبنى هذه الإستراتيجية (وهو شرط “ذاتي” لابد منه في هذا المسار ولا يزال إلى الآن لابد م توفيره). كان ذلك ليضفي أبعادًا اجتماعية جذرية للثورة، ويوحِّد معركة الديمقراطية بالنضال من أجل العدالة الاجتماعية. كان ذلك ليفسح المجال أمام ما أطلق عليه ليون تروتسكي “إنضاج” الثورة الديمقراطية إلى ثورة اجتماعية شاملة. ومن دون هذا “الإنضاج”، ظلَّت ثورات الماضي تتأرجح بين هذه القيادات البرجوازية أو تلك، التي كبحت طاقات الجماهير لكي تضمن عدم تجاوز الإطار الذي تتحقق فيه مصالحها.

هذا ليس رثاءً للماضي، بل محاولةً لفهمه واستخلاصًا لإستراتيجيات للمستقبل. إذا كانت الطبقة العاملة قد مارست في الماضي قدراتٍ نضالية فائقة بينما كانت أقليةً في المجتمع السوداني، فهي حتى لم تعُد أقليةً الآن. ربما تكون الصورة الشاملة للطبقة العاملة الآن قد تعقَّدت كثيرًا بسبب عقودٍ من الحرب والهجرة، وبالتأكيد الخصخصة التي جرَّفت الشركات والبنى التحتية المملوكة للدولة وشرَّدت أعدادًا هائلة من العمال. لكن لا تزال هناك نقاط تمركز عمالية تتمتع بقوةٍ كبيرة، بل تشير الإحصاءات بين عاميّ 2010 و2021 إلى اتساعٍ في صفوف الطبقة العاملة في المدن، مقارنةً بالفلاحين مثلًا. ففي حين انخفضت نسبة التوظيف في الزراعة في تلك الفترة من 45.6% إلى 39.7% من إجمالي القوى العاملة، زادت النسبة في الفترة نفسها في الصناعة والخدمات من 54.4% إلى 60.3% (25).

على مدار السنوات القليلة السابقة، تسلَّمت لجان المقاومة راية الثورة وقادتها على الأرض ببطولة منقطعة النظير خلال مراحل شديدة الصعوبة. ولابد أن ترتكز على القوة الجبارة الكامنة للطبقة العاملة. والآن لا تزال لجان المقاومة تقدم نموذجًا مبهرًا في الصمود في أثناء الصراع الدموي بين شقيّ الثورة المضادة العسكرية، ذلك الصراع الذي يهدِّد بإغراق الثورة في الدماء. تبرز هذه اللجان الآن قدرةً تنظيمية هائلة بناءً على الاحتياجات الملحَّة خلال هذا الصراع، حيث توزيع المواد الغذائية والإغاثات الطبية والحماية المدنية وغير ذلك.

رغم التحديات الكبرى، لا يزال أمام الثورة جولات أخرى، وكما كتب الرفاق الاشتراكيون الثوريون في حركة “قدام” في السودان، فإن “من يخرج منتصرًا من هذه المعركة -إن لم تتحول إلى حرب أهلية- سينكل بقوى الثورة … على الثوريين من الآن الاستعداد للعصيان المدني العام”. واستناد لجان المقاومة إلى مواقع الطبقة العاملة والتشكيلات المهنية والعمالية المناضلة سوف يمنحها قوةً جبارة استعدادًا للموجة المقبلة من الثورة.

« السابق التالي »