نقابة الأطباء المصرية بين ثورتين
تاريخيًّا، ظهرت فكرة انشاء نقابة الأطباء في 1918، لكن الفكرة أحبطت في الاجتماع الذي عقده الأطباء بدار الجامعة المصرية القديمة لصعوبة الوصول إلى اتفاق بين الأطباء المصريين والأجانب، ظلت الفكرة في عقول الأطباء حتى نشأت نقابة الأطباء عام 1920 في خضم أحداث ثورة 1919 تحت اسم الجمعية الطبية المصرية، وتولى علي باشا إبراهيم صاحب الفكرة رئاستها في 1926. ثم أعلنت كنقابة في عام 1940.
وقت ثورة 1919 كانت هناك موجة ضخمة من الاحتجاجات والإضرابات المرتبطة بالثورة مع ارتفاع الحس الطبقي العام، كما كانت هناك كذلك موجة ضخمة من تأسيس النقابات والجمعيات التي تجمع أبناء المهنة الواحدة في تنظيم واحد للدفاع عن مصالحها والمشاركة في الدفاع عن القضية الوطنية، وكانت بشكل خاص بين العمال والمتعلمين والموظفين وموظفي البنوك والفنادق والمحلات التجارية والصحفيين والترزية والنجارين والكهربائيين وعمال المطابع والخبازين والجرسونات والسائقين وميكانيكي السيارات وكتبة المحاميين وسائقي العربات والنقاشين والحلاقين لدرجة أن المانشيت الرئيسي للجريدة اليومية “لابورس اجيبسيان” في عددها الصادر في 21 أغسطس 1919 كان (السماء تمطر نقابات) ليتوج هذا المجهود النقابي المتواصل بتأسيس أول إتحاد عام للنقابات في مصر فبراير 1921 بمبادرة من القيادي اليساري جوزيف روزنتال، ثم تأسيس الحزب الاشتراكي المصري بعد ذلك بستة أشهر فقط، وكان مقر الاتحاد العام للعمال ومقر الحزب الاشتراكي المصري في نفس المبنى وفي شقتين متجاورتان ، مما يدل على مدى التداخل بين النقابي والسياسي وقتها.
كما يروي عبد العظيم رمضان في كتابة “تطور الحركة الوطنية في مصر” أنه خلال ثورة 1919 أرسل سعد زغلول الى عبد الرحمن فهمي، القائد السري للوفد في غياب سعد زغلول، تعليمات لمقاومة حركة البلشفيك، وانتشار المنشورات الشيوعية وسيطرتها على النقابات العمالية، مما قد يضعف موقف الوفد في التفاوض أمام بريطانيا وامريكا (كان سعد ورفاقه يرون انه حتى تجد مصر في أوربا وأمريكا أنصار داعمين لقضية الاستقلال، ينبغي ان يقاوم الوفد التوغل الشيوعي بين الطبقة العاملة، وفرض الوصاية البرجوازية على العمال عبر الإسراع بإنشاء النقابات المتصلة بحزب الوفد) وهو ما أفلح فيه عبد الرحمن فهمي في زمن وجيز وبعث تقرير الى سعد زغلول بتاريخ 17 أكتوبر 1919 يقول فيه: “عممنا انشاء النقابات بطول البلاد وعرضها، أثمرت المجهودات التي بذلناها في سبيل ذلك والحمد لله، وتشكلت لكل حرفة نقابة ولم يبق حرفة أو صنعة الا ولها نقابة، ولم تعترف الحكومة بهذه النقابات حتى الآن، ليس منظورا أن تعترف بها في الظروف الحاضرة، نقابات العمال مفيدة جدا للحركة الوطنية، وهي سلاح قوي لا يستهان به في الملمات، تجيب نداء الوطن بأسرع ما يمكن” وهذا دليل آخر على التداخل الشديد بين السياسي والنقابي في التاريخ المصري يجب هنا التنويه إلى أن نشأت النقابات في مصر سبقت ثورة 1919 بسنوات، وارتبطت بالأساس بصدور القانون الخاص بإلغاء نظام الحرف في 1980، حيث أسست أول نقابة في مصر عام 1899 تحت اسم “جمعية لفافي السجائر”، ثم تأسست “جمعية اتحاد الخياطين” في 1901، ونقابة المحامين في 1912، وكانت هناك تجربة الحزب الوطني بزعامة محمد فريد، والتي أولت اهتماما كبيرا بالنقابات وقامت بتأسيس نقابة الصنائع اليدوية التي كانت تضم 3000 عامل في 1912 وكانت تضم عمال السكة الحديد والميكانيكيون والمعماريون والطباخون.
كان التكييف القانوني لنقابة الأطباء كما هو حال باقي النقابات التي تأسست في هذه الفترة غامض وغير واضح بين المهني والعمالي، وحينها “لم يكن هناك في نصوص القوانين المصرية ما يوجب صدور قانون خاص بتكوين النقابات والجمعيات كما لا يشترط صدور هذا القانون لاكتساب تلك الهيئات الشخصية المعنوية” كما نص حكم محكمة مصر الابتدائية الأهلية في 20 مارس 1940 ومن الجدير بالذكر أنه قبل هذا الحكم بشهر واحد في 24 فبراير 1940 صدر حكم من محكمة الإسكندرية الكلية الأهلية يمنح العمال الحق في الإضراب حيث ذكر نص الحكم “وحيث ان من حق العمال في التوقف عن العمل فرادى وجماعات حق مقرر قد سلم لهم به الشارع.. فلا جناح على العمال إذا اجتمعوا وتشاوروا واتفقوا على أن مصلحتهم تقتضي عليهم الامتناع عن العمل وقرروا ذلك وعمدوا إلى إذاعة القرار”
ثم صدر قانون الوفد رقم 85 لعام 1942 والذي وضع قيود صارمة على تشكيل النقابات وأسلوب انعقاد جمعيتها العمومية وانتخاب مجلس إدارتها وقام بإخضاعها للتفتيش الدوري، كما أعطى هذا القانون للحكومة سلطة مطلقة في حل النقابات إداريا، وحظر القانون تشكيل اتحاد عام للنقابات، ولم يسر هذا القانون على موظفو الحكومة والمجالس البلدية وعمال الجيش والطيران والبحرية والبوليس والممرضون وعمال المستشفيات.
ومن هنا يبدو جليا أن نشأة نقابة الأطباء والنقابات المصرية عموما، كما هو حال النقابات عالميا، كانت من أسفل بمبادرة من أعضائها، وكان هذا سابق بكثير تاريخيا لعملية التأطير القانوني لها من أعلى من قبل الدولة، وأن الفصل بين النقابات المهنية والنقابات العمالية هو حدث تاريخي لاحق على تأسيس النقابات، كما أن التداخل بين النضال النقابي والنضال السياسي أيضا ظاهر بشكل قوي في التاريخ المصري كما هو الحال عالميا ومحاولات البرجوازية طمس هذا والتعتيم عليه تهدف إلى الحد من التأثير النقابي في المجال العام بالأساس.
عموما استقر رأي الدولة على الفصل التام بين النقابات العمالية والنقابات المهنية، واعتبار المهن الحرة كالطب والهندسة والمحاماة وغيرها مرافق عامة يتم انشاء نقاباتها بقانون من الدولة، ومنحها صلاحيات واسعة تحتكر من خلالها تسيير شئون المهنة، مثل حق منح تراخيص مزاولة المهنة، وتسيير الملفات التأديبية والعقابية في حق منتسبي المهنة، ليس هذا فقط، بل منح بدلات نقدية وعينية نيابة عن الدولة في بعض الأحيان، كما هو الحال في نقابة الصحفيين، مما جعل منهم جهازا إداريا ينوب عن الدولة الى حد كبير.
هذا هو وجه الاختلاف الأكبر بين النقابات المهنية والنقابات العمالية في التجربة المصرية، حيث تنشأ النقابات العمالية بإرادة مكونيها، ويحكمها مبدأ الحرية النقابية رغم القيود عليها والتي ينظمها قانون رقم 35 لسنة 1976 وما وضع عليه من تعديلات، (يتضمن هذا القانون وتعديلاته قيود على النقابات العمالية تعطي الحق لوزير العمل في أن يقوم بحل اللجنة النقابية والاتحاد العام إن دعوا العمال لممارسة حقهم في الإضراب).
وقد أكدت الأعمال التحضيرية للقانون 100 لسنة 1993 والخاص بالنقابات المهنية على هذا الانفصال بين النقابات العمالية والمهنية.
بهذا التكييف القانوني جرى الفصل بين النقابات المهنية والعمالية، بعد مرحلة تدجين واحتواء شملت كليهما خلال الحقبة الناصرية، بداية بإلغاء نقابات المنشآت في 1959 والأخذ بنظام النقابة العامة على مستوى الصناعة، ثم استصدار قانون رقم 62 لسنة 1964، والذي يشترط موافقة الاتحاد الاشتراكي على الترشح والانضمام لأي مستوى من مستويات مجالس النقابات العمالية (لم يكن هناك فصل واضح وقتها بين المهني والعمالي) تم دمج النقابات في جهاز الدولة، وأعطي كثير من العمال وظائف رسمية براتب حكومي ، ثم جاء القانون رقم 45 لسنة 1969 المنظم لعمل نقابة الاطباء، والذي جعل من مؤسسات الدولة مرجعية دائمة للنقابة، وضمن رقابة صارمة على أداء مجلسها وسيطرة كبيرة على عضويتها، وألغي أي شكل من اشكال التعددية النقابية للمنتسبين للمهنة فهو يشترط في مادته الأولى على أن النقابة تباشر نشاطاتها في إطار السياسات العامة للاتحاد الاشتراكي، ووفقًا للمادة (3) لا يجوز مزاولة المهنة بأي صورة من الصور، إلا بعد القيد في الجدول العام للنقابة والتسجيل بالنقابة الفرعية، كما أن استمرار القيد شرط من شروط مزاولة المهنة، ولا يمكن تعديل هذا القانون سوى من الجهة التشريعية، كما أن اللائحة المنظمة رقم 253 لعام 1974 تنص على عدم جواز تعديلها إلا بعد موافقة وزير الصحة، وهو ما يعطي للدولة الوصاية الكاملة على قرارات الجمعية العمومية، والتي يفترض أنها السلطة العليا داخل أي تنظيم نقابي.
كما يقضى هذا القانون على خيار التعددية النقابية بالتبعية الإجبارية لكل ممارسي المهنة لنقابة واحدة، ولم يضع القانون أي شروط للحد الأقصى لدخل العضو بالنقابة، وهو ما خلق تركيبة غير متجانسة اقتصاديًّا واجتماعيًّا بداخلها كان لها أثر كبير (مع اتساع الفوارق الطبقية بين الأطباء منذ نهاية السبعينيات) في إضعاف أي إمكانية لخلق تماسك على مجموعة من المطالب الواضحة والناجزة، والتوافق على آليات لتنفيذها نظرًا للتناقض في المصالح بين مكوناتها، فمثلًا صاحب المستشفى الخاص لن يقبل بتحسين مستوى الخدمة بالقطاع الحكومي، أو عمل تأمين صحي شامل بالمجان، أو عمل كادر خاص للأطباء العاملين بأجر، فهذا يتعارض مع مصالحه المباشرة ويقتطع جزءًا من أرباحه، وكذلك تتعارض مصالح الأطباء ذوى المناصب الإدارية العليا مع الأطباء الشبان في المستشفيات، والمراكز الصحية، إذ يكون ولاء أصحاب المناصب، ومصالحهم مع السلطة التنفيذية أكثر بكثير من ولائهم ومصالحهم مع زملائهم الأطباء و أخيرا لم يضع القانون أي سقف لعدد فترات تمثيل العضو في مجلس النقابة، مما يفتح الباب أمام استمرار عضوية البعض لفترات طويلة، ويعيق تجديد دماء المجلس.
و قد كان إقرار هذا القانون وهذه اللائحة في الستينيات والسبعينات جزءًا من سياسة عامة استخدمتها دولة ضباط يوليو، لتأميم الحركة النقابية كجزء من تأميم الحراك الجماهيري بالكامل وإلحاقه بهيئة التحرير ثم الاتحاد الاشتراكي، ويجب ألا ننسى الصدام الكبير الذي جرى بين الضباط الأحرار، وهيئة التحرير، والقيادات العمالية المعارضة للديمقراطية والمؤيدة لعدم عودة الجيش لثكناته من جهة، وبين نقابة المحاميين والصحفيين وأعضاء هيئة التدريس والقضاة وعمال الترام وغيرهم من العمال والقيادات النقابية المطالبة بالديمقراطية وعودة الجيش لثكناته في أزمة مارس 1954 من جهة أخرى، والتي أُطلق عليها أزمة الديمقراطية والتي سنسرد بعض تفاصيلها في الفصل التالي.






