نقابة الأطباء المصرية بين ثورتين
كان اختيار عبد الناصر للنبوي المهندس “سكرتير نقابة الأطباء” وزيرا للصحة في اكتوبر 1961 لغزا، فالبعض يرجع الاختيار الي سلسلة الاحتجاجات التي قام بها الأطباء على حال الصحة في مصر والتي سبقت هذا الاختيار بشهور، والبعض يرجع الاختيار الى استشعار عبد الناصر لوجود تصور عند النبوي المهندس لإصلاح حال الصحة في مصر بالتزامن مع قرارات يوليو 1961 التي وصفت بالاشتراكية، ومنهم من يرجع الامر الى استشعار عبد الناصر أن النبوي المهندس طبيب اطفال ويشعر بالمريض دون أن يتكلم كما يبرر عمر طاهر في كتابه “صنايعية مصر” ، الا أن ما يقع في خاطري هو أن السبب الرئيسي لاختياره، بالإضافة لبعض مما سبق، كونه سكرتير عام لنقابة الاطباء منذ 1951، وفي عهده لم تشارك نقابة الأطباء في أي فعل سياسي، وبالتالي كانت محل رضى من نظام يوليو.
فنحن لم نجد خلال بحثنا صوتا لنقابة الأطباء في أزمة مارس 1954 رغم المشاركة القوية لغيرها من النقابات في النضال من أجل الديمقراطية وقتها، كما أنه مثلا عند استشهاد الطبيب فريد حداد في المعتقلات الناصرية وفقا لكتاب عبد الناصر وحقوق الإنسان (قصة عبد الناصر والشيوعيين) للمؤرخ عبد العظيم رمضان ، لم يسجل أي رد فعل على هذا الحدث الجلل، بل ولم نجد أي موقف أو تعليق مسجل لنقابة الأطباء عن اعتقال الأطباء مثل د. عبد المنعم عبيد ود. حمزة البسيوني ود. مختار السيد ود. شريف حتاته ود. صلاح حافظ ود. شكري عازر ود. رؤوف نظمي ود. فريد رمزي ، كما لم تتحدث النقابة في أي بيان لها عن الوضع الصحي للمعتقلين داخل السجون الناصرية سواء من الأطباء أو من غير الأطباء.
وهنا نود أن نورد قصتين لبيان علاقة النقابة بالسلطة في العهد الناصري.. الأولى خاصة بالد. عبد المنعم عبيد ومعركته داخل نقابة الأطباء، حيث حاول الد. عبد المنعم عبيد حشد جمعية عمومية في 1959 للمطالبة بزيادة التمثيل الشبابي داخل مجلس نقابة الأطباء وجعل نصف عضويتها من الأطباء تحت 15 سنة خبرة بالعمل بمهنة الطب، وكان وقتها لا تزال سلطة الجمعية هي السلطة العليا داخل النقابة، وبالفعل اجتمعت الجمعية، ولكن الغريب والذي يستحق البحث هو انها رفضت الاقتراح، ربما بسبب المركزية الشديدة للنقابة والعصبوية التي اتسمت بها قياداتها، بالإضافة الى انحيازهم الصريح لنظام 23 يوليو.
لتعود الدولة وتقوم بإقراره بعد عشر سنوات في القانون رقم 45 لعام 1969، ولكن رافق هذا سحب السلطة المطلقة التي كانت للجمعية العمومية قبل القانون كما ذكرنا آنفا، ويجب التنويه إلى أن هذا التحرك من قبل د. عبد المنعم عبيد ألقى به في السجون الناصرية لخمس سنوات.
والقصة الثانية هي قصة د. رشوان فهمي نقيب الأطباء المنتخب في سنوات 1957 و1961 و1965 مع جمال عبد الناصر، والد رشوان فهمي هو أحد أهم قيادات الاضراب الجزئي العام المفتوح في 1951 ضد حكومة النحاس، هذا الإضراب الذي استمر ٥٠ يوما للمطالبة بتحسين أحوال الأطباء، والطريف انه وقتها لم يتم مقاضاته او التعرض الأمني له!!
ولكن في عام 1966 عندما انتقد د. رشوان فهمي خطاب عبد الناصر الذي قال فيه “نحن استطعنا ان ندير قناة السويس ولكننا لم نستطع إدارة القصر العيني” وكان عبد الناصر يقصد اهمال الأطباء وتخاذلهم، ورد د. رشوان في أحد المؤتمرات مدافعا عن الأطباء قائلا “أعطوا القصر العيني الإمكانات المتاحة لقناة السويس وسترون ما يمكن إنجازه”، وايده في ذلك الدكتور عثمان وهبي الذي علق بان د. رشوان رد للأطباء كرامتهم واعتبارهم.
فقام نظام عبد الناصر بفرض الحراسة على د. رشوان فهمي ود. عثمان وهبي، وتم فصل د. رشوان فهمي من الاتحاد الاشتراكي ومستشفى التأمين الصحي، كما اجتمع مجلس النقابة العامة بتحريض من السلطة وقام بفصل د. رشوان فهمي من عضوية مجلس النقابة ومن منصب نقيب الأطباء، حتى خط التليفون تم قطعه عن منزله.
وهنا نود الإشارة الى التأييد الكامل الذي كان يكنه د. رشوان فهمي لنظام عبد الناصر ودعمه له على كل المستويات طوال السنوات السابقة على هذا الصدام، ولكن بمجرد انتقاده العلني لتصريح واحد لجمال عبد الناصر كان هذا مصيره.
عموما، برز اسم النبوي المهندس كأفضل من تولى مسئولية وزارة الصحة في تاريخ مصر، ليقوم بإعادة تخطيط قطاع الصحة، ويضع حجر الأساس لنظام الوحدات الصحية في الريف، فافتتح بنفسه أكثر من 2500 وحدة تخدم ستة عشر مليوناً من الفلاحين وتقدم لهم الدواء مجانا، كما كان أول من فكر في انشاء المستشفيات المتخصصة وعياداتها الخارجية، وأول من حول الإسعاف لوحدة عمل مستقلة بعيداً عن ميزانية المستشفيات، فأسس بهذا فكرة هيئة قوية بمحطات لاسلكي وأجهزة تنفس صناعي ونقل دم، وتحول الاسعاف من مجرد سيارة لنقل المريض لوحدة انقاذ وعلاج، وكان أول من تبنى الطب الوقائي وبرامج تطعيم الأطفال، ليغلق الباب أمام أوبئة كثيرة كان من الممكن أن تستوطن مصر مثل الدرن الرئوي، كما أسس مشروع تنظيم الأسرة، واستطاع أن يضبط الصحة الانجابية محافظا على صحة المواليد وأعدادهم، كما استخدم الطب في دعم منظومة العمل والانتاج، فأسس نظام التأمين الصحي، الذى يتكفل بعلاج العاملين بمن فيهم المصابين بأمراض مزمنة بعد أن كان مصيرهم الموت، وطور نظام القومسيون الطبي الذى حدد لكل شخص العمل الذى يناسب حالته الصحية، وأسس معهد السمع والكلام ومعهد القلب.
وأيضا في العهد الناصري طرحت أكثر من فكرة لإعادة صياغة وتشكيل نقابة الأطباء، مثل توسيع مظلتها لتشمل كل العاملين بتقديم الخدمة الطبية كالتمريض وغيرهم وهو ما لاقي معارضة شديدة داخل نقابة الأطباء وفشل النظام في تمريره، كما عمل النظام على توسيع مساحة قاعدة الأطباء الممثلين داخل نقابة الأطباء بداية في التوسع في عمل مقار نقابية بالأقاليم ونهاية بإصدار القانون رقم 45 لسنة 1969 الذي تحدثنا عنه سابقا.. اذن كانت كل محاولات السيطرة على نقابة الأطباء وإعادة هندستها جزءا من سياسة عبد الناصر للسيطرة على المجتمع واعادة هندسته بما يتناسب من مشروعه السياسي والاجتماعي.






