نقابة الأطباء المصرية بين ثورتين
بانهيار العقد الاجتماعي بين الدولة الناصرية والطبقة الوسطى، وبداية عهد الانفتاح الاقتصادي، وإلغاء السادات في سنة 1977 للاتحاد الاشتراكي واستبداله بالمنابر الثلاثة، صار قانون النقابات الخاص بحتمية انتماء عضويتها للاتحاد الاشتراكي معلقًا في الفراغ، وسقط ضمنًا هذا الشرط، وإن ظلت باقي القيود قائمة، خاصة المتعلقة بالنظام الانتخابي، والتي خدمت تنظيم الإخوان المسلمين إلى حد كبير، وهنا تجدر الاشارة الى طبيعة هذا النظام الانتخابي.
نص القانون واللائحة المنظمة لعمل نقابة الأطباء على تحديد الإطار القانوني العام الذي تجري فيه الانتخابات النقابية بما يصب في صالح التنظيمات الكبيرة، فوفقًا للمادة (18) من قانون ٤٥ لعام 1969″يشترط على المرشحين في النقابة العامة، وعددهم 6 أعضاء فقط، كل تجديد نصفي الترشح في كل أنحاء الجمهورية”، بما يعني الوصول لآلاف الأطباء موزعين على 29 محافظة من الإسكندرية وحتى أسوان، مما يعني استحالة الوصول لجموع الناخبين دون تنظيم قوي وقدرات مالية عالية.
وكذلك مندوبي القطاعات، فمندوب قطاع شرق الدلتا مثلًا، وهو واحد فقط في كل تجديد نصفي يجب عليه الوصول للأطباء في 8 محافظات وهي (دمياط – الدقهلية – الشرقية – بورسعيد – الإسماعيلية – السويس – شمال وجنوب سيناء – البحر الأحمر)، كما أن المرشحين بالنقابة الفرعية وعددهم أربعة أعضاء كل تجديد نصفي، لم يراعَ أثناء تحديد أعدادهم وآلية اختيارهم لتمثيل الإدارات الصحية، والمستشفيات الكبيرة، ودون حتى مراعاة للفارق بين المحافظات الصغيرة، والمحافظات الكبيرة.
كما تنص المادة رقم (41) من اللائحة المنظمة على إقامة الانتخابات بصناديق اقتراع في النقابة الفرعية فقط، مما يضع عقبات أمام التصويت خاصةً في المحافظات الكبيرة، كما يسمح للقوائم المدعومة من التنظيمات الكبيرة أو المدعومة من الدولة بحشد الأتوبيسات يوم الانتخاب، مما يخلق حالة من الزحام والتكدس أمام صناديق الاقتراع، ويدفع بعض الأطباء خاصة غير المسيسين للملل والنفور من المشاركة.
وهذا يعني ضمنيًّا أن الأكثر قدرة على الوصول لإدارة النقابة في الغالب هم إما قوائم المدعومين من الدولة، أو من أصحاب المستشفيات الكبرى، أو من مديري المستشفيات والمديريات والذين تم اختيارهم للمناصب وفقًا لتقارير أمن الدولة، وإما أعضاء من تنظيم قوي مثل تنظيم الإخوان المسلمين.
بالطبع لا يمكن الفصل بين ما حدث في نقابة الأطباء في تلك الفترة عن التغيير العام الذي شهدته مصر بالصعود الكبير لحركات الإسلام السياسي، والتي بدأت من النشاط الطلابي في الجامعة منذ السبعينيات، وانخرطت في مواجهات انتخابية وجسدية شرسة مع طلاب التيارات اليسارية والناصرية في معظم الجامعات، لترث هي عمليًّا الاتحاد الاشتراكي داخل الجامعات ثم النقابات، خاصة مع دعم السادات، الذي أراد تصفية المعارضة اليسارية والناصرية بالجامعات جزءًا من دعم سياسته الجديدة التي وضعت 99% من أوراق اللعبة في يد أمريكا.
كانت الخطوة التالية لهذا الجيل من الإسلاميين، والذي تصدره أسماء مثل عبد المنعم أبو الفتوح، وأبو العلا ماضي، وحلمي الجزار، وأسامة رسلان، وعصام العريان وغيرهم، هو العمل داخل النقابات المهنية، ومن ثم استغلال فترة الانفتاح السياسي في أوائل عصر مبارك لحيازة أغلبية مقاعد هذه النقابات، في الحقيقة لم يحدث ذلك بالصدفة، وإنما قدم الإسلام السياسي تطويرًا جديدًا لشكل العمل النقابي، جذب قاعدة كبيرة من عموم الأطباء والمهنيين لدعمهم.
فقد طرح الإخوان مفهوم النقابة الخدمية، فبدلًا من أن يكون دور النقابة الدفاع عن مصالح أعضائها وانتزاع حقوقهم من الدولة باستخدام أدوات نضالية، مثل المظاهرات والاعتصامات والإضرابات، روَّج الإخوان لمفهوم النقابة التي تخفف عن أعضائها وطأة العيش وغلاء الأسعار، وتعينهم على الحياة بشكل كريم، عبر خلق شبكات تكافلية ومعارض سلع معمرة بأسعار مخفضة، لذا خلا تاريخ نقابة الأطباء في الثمانينات من الإضرابات والاعتصامات ضد نظام مبارك، أو حتى الاحتجاج على التدهور المستمر للرعاية الصحية، لكنه امتلأ بالعشرات من معارض السلع المعمرة والرحلات الترفيهية الرخيصة للأعضاء، وقروض الشقق السكنية والسيارات، والقروض الشخصية، ومشروعات العلاج المخفض، كانت النقابة تتحرك لسد الفراغ الناجم عن انسحاب الدولة عن دعمها الاجتماعي لمواطنيها، لكنها لم تكن تتحرك لفضح ووقف هذا الانسحاب، كما أن الدولة تغاضت عن هذا لما يقوم به الإخوان من تخفيف للعبء عن كاهلها.
جدير بالذكر أن الثمانينيات كانت أيضًا هي بداية ظهور شبكة المراكز والمستوصفات الخيرية، والتي مثلت استثمار رأس مال ضخم للجماعة وأنصارها العائدين من الخليج، ومتنفسًا لزيادة دخل الأطباء المطحونين في وزارة الصحة، ومخرجًا للمريض الفقير من غياب الدولة عن تقديم الرعاية الصحية بعد تدهور مستوى المستشفيات العامة والمراكز الصحية الحكومية.
وهكذا بقدر ما طبقت الدولة سياسات التقشف والليبرالية الجديدة، وانسحبت من دورها الاجتماعي، بقدر ما زاد الإخوان في النفوذ والتأثير والحجم واحتلالهم لهذا الفراغ سواء سياسيًّا ونقابيًّا، ومن الجدير بالذكر أن اليساريين والناصريين والليبراليين “القوى المدنية” اختارت نقابيًّا تكتيك اليسار الستاليني نفسه على المستوى السياسي، وانحاز معظمهم للدولة في مواجهة خطر التطرف الإسلامي والصعود الإخواني والقوى الظلامية وفق تعبيراتهم، ونتج عن هذا تحالف بعض الكوادر اليسارية والليبرالية النقابية مع كوادر الحزب الوطني أو حتى مع بعض الانتهازيين في مواجهة الإخوان، والمحصلة كانت خطابًا نخبويًّا داخل النقابات، أدى لاضمحلال التأثير النقابي للتيارات اليسارية والمدنية وانخفاض حجم المؤيدين لها خلال تلك الفترة، وهو ما حدث نفسه على المستوى السياسي.
كان الاختيار محسومًا بالنسبة للغالبية العظمى من الأطباء في هذه الفترة، ففي ظل غياب أي بديل نضالي يطرح تصورًا مختلفًا للعمل النقابي، كان الاختيار دومًا بين الحزب الوطني وآلته الحزبية المنتشرة على مستوى الجمهورية، أو جماعة الإخوان وآلتها التنظيمية الضخمة، والتي كانت تنمو بمعدلات خرافية، وبالفعل نجح الإخوان باكتساح في انتخابات 1984 و1988، ليس هذا فقط، بل إن الإخوان نجحوا في عقد مؤتمر داخل نقابة الأطباء في 1990، ضم ممثلين عن العديد من النقابات المهنية، وطرح عدد من المطالب الديمقراطية على مبارك، مثل إلغاء قانون الطوارئ، ورفع القيود عن الصحافة، ووضع ضمانات لنزاهة الانتخابات وتخلي الرئيس مبارك عن رئاسة الحزب الوطني ، وهو المؤتمر الذي خلق الصدام مع الدولة منذ التسعينيات، لتنتهي الثمانينيات بسيطرة ساحقة للإخوان على معظم النقابات المهنية، وعلى رأسها درة التاج –نقابة الأطباء- وفشل ذريع للحزب الوطني والتيارات اليسارية على مستوى معظم النقابات المهنية.






