بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

نقابة الأطباء المصرية بين ثورتين

« السابق التالي »

قانون 100 وتجميد النقابات

مع نهاية الثمانينيات كان النظام قد شعر بخطورة صعود التيار الإسلامي وسيطرته على النقابات المهنية، بالتزامن مع رغبته في تمرير سياسات صندوق النقد الدولي، وتدشين مرحلة جديدة في سياسات الليبرالية الجديدة بقوانين الخصخصة الشهيرة، مثل قانون قطاع الأعمال العام رقم 203 لعام 1991، وقانون تحرير إيجارات الأراضي الزراعية لعام 1997، و تسريح الآلاف بالمعاش المبكر بالتزامن مع خصخصة شركات القطاع العام، كان النظام يتقدم في إجراءات التقشف والإفقار بقسوة غير مسبوقة، ويضع ملايين المصريين تحت رحمة قوانين السوق، لذا كان لا بد من كسر الحركة العمالية والسيطرة الكاملة على النقابات، فجرى اقتحام إضراب عمال الحديد والصلب في 1989، والتضييق على الإخوان والمعارضة في المجالس البرلمانية، ومن ناحية أخرى كانت مناقشة قانون تجميد النقابات رقم 100 لعام 1993 سيئ السمعة والمسمى “قانون ضمانات ديمقراطية النقابات المهنية” والذي تم تمريره تحت شعار (القضاء على ديكتاتورية الأقلية)، في حين فرضته الدولة حقيقة لمنع سيطرة الإخوان على النقابات المهنية بعد مؤتمرها الذي نوهنا لو في الفصل السابق، وللأسف قابلته بعض الأحزاب المدنية وقتها بالتهليل والتصفيق.

لا يعني هذا عدم وجود معارضة للقانون، فقد عارض النواب خالد محي الدين وفكري الجزار القانون، كما نشرت الأهرام مقالا لإبراهيم نافع يعلن فيه عن معارضة التيار الليبرالي داخل الحزب الوطني للقانون، الا أن كل محاولات معارضة القانون باءت بالفشل. ولكن ما غاب عن ذهن غالبية المعارضين للقانون وقتها أنه حتى في حال عدم إقراره، فلا تزال النقابات مقيدة بغياب حق التعددية النقابية، ولا زال يشترط لممارسة المهنة عضوية النقابة والحصول على تصريح المزاولة منها، مما يقضي على مبدأ الحرية النقابية من الأساس.

وبالعودة لسياقنا، كشف إقرار هذا القانون عجز الدولة عن مواجهة الإخوان في الانتخابات، حيث فشلت الدولة برغم التضييق والتعسف في وقف تقدم الاخوان في انتخابات النقابة، واكتسحت كوادر الإخوان في انتخابات 1992 معظم مقاعد نقابة الأطباء بعد الوصول إلى صيغة توافقية مع رمز الحزب الوطني حمدي السيد.
ولهذا استخدم النظام إقرار هذا القانون ضمن أكثر من تكتيك لوقف تقدم الإسلاميين داخل النقابات، الأول كان تمرير القانون 100 لسنة 1993 كما سردنا في السابق، وسلب هذا القانون من الجمعية العمومية حقها الطبيعي في تنظيم وإدارة شئونها، وأكد على الفصل بين النقابات المهنية والنقابات العمالية، كما عطل الانتخابات واشترط لإجرائها موافقة رئيس محكمة جنوب القاهرة، أو عقد جمعية عمومية تضم 50% من أعضاء الجمعية العمومية للنقابة في الجولة الأولى، والثلث في الإعادة، على ألا تجرى الانتخابات في أوقات العطلات الرسمية، وغيرها من الشروط التعجيزية، مما منع قيام انتخابات حتى سقوط القانون بقرار المحكمة الإدارية العليا في الأول من يناير (كانون الثاني) 2011، وبعد الحكم مباشرة كان يجري الإعداد لقانون أشد للمناقشة والإقرار بتاريخ 23 يناير 2011، ولكن قيام ثورة يناير حال دون ذلك، وأعادنا إلى قانون 45 لسنة 1969.

والتكتيك الثاني كان فرض الحراسة على بعض النقابات المهنية مثل نقابة المهندسين والمحاميين بتعيين مسيرين من خارج النقابة يتولون الاشراف المالي والإداري عليها، وتحريك عناصر موالية للدولة داخل هذه النقابات لرفع دعوى حراسة على حساباتها المصرفية وممتلكاتها.

والتكتيك الثالث كان عمل قبضات أمنية لعدد من العناصر الناشطة داخل النقابات المهنية، مثل عصام العريان، وأبو الفتوح وغيرهم. وهكذا انتهى الوضع في التسعينيات بحالة من توازن الضعف داخل نقابة الأطباء مع حسم الوضع بباقي النقابات لصالح فرض الحراسة مثل نقابة المهندسين، لتظل نقابة الأطباء متنفسًا للإخوان، بشرط أن يكون حمدي السيد العضو بالحزب الوطني هو النقيب والمتحدث الرسمي للنقابة، والحرص على عدم الصدام مع رأس الدولة، استمر هذا الشكل حتى مطلع الألفية الجديدة.

« السابق التالي »