نقابة الأطباء المصرية بين ثورتين
كان إضراب أكتوبر 2012 الشهير (والذي قام على خلفية إعلان الطبيب مصطفى البحيري الإضراب عن الطعام والاعتصام بمقر النقابة العامة لحين تحسين أحوال الأطباء والصحة في مصر، وتم هذا بالتنسيق مع ثلاثة من عضوية أطباء بلا حقوق كنت أحدهم).
هذا الإضراب الجزئي المفتوح الذي لا يشمل الاستقبال والرعاية والحالات الحرجة، تم إقراره في جمعية عمومية حاشدة حضرها نحو 1500 طبيب بتاريخ 21 سبتمبر 2012، طالبت بكادر الأطباء وزيادة موازنة الصحة وتأمين المستشفيات.
حاول نقيب الأطباء المراوغة في موضوع المواد التأديبية للمخالفين لقرار الاضراب أثناء الجمعية، والخروج من القاعة لإجهاضها، لكن الأطباء رفضوا خروجه وأصروا على استكمال الجمعية، وحينها عاد النقيب، وأقر المادة المطالبة بتحويل المخالفين لقرار الإضراب لمجلس تأديبي، وحين بدأ النقاش حول تشكيل اللجنة العليا للإضراب والمنوط بها إدارة الإضراب والتفاوض مع الحكومة، هرب النقيب من الباب الخلفي، ومعه أعضاء النقابة العامة المنتمون لجماعة الإخوان المسلمين، نظرا لمطالبة الأطباء بتشكيل لجنة محايدة من أطباء وزارة الصحة وتحييد مجلس النقابة العامة، لكن الأطباء استمروا في عقد الجمعية برئاسة أكبر الأعضاء سنا وهو نقيب الإسكندرية
ملاحظة : ساهم المناخ الثوري العام في الشارع من ناحية، ووجود أعضاء تنظيم بلا حقوق بين حشود الأطباء في الجمعية العمومية من ناحية أخرى، في توجيه الجمعية باتجاه اتخاذ قرار الإضراب، كما أن وجود أقلية من بلا حقوق على المنصة، نظرا لنجاحهم بالانتخابات النقابية السابقة، تصدى لمحاولات عضوية المجلس المنتمية للإخوان التحايل على قرارات الجمعية العمومية ومحاولة إفشالها.
وهنا تجب الإشارة إلى مستوى الوعي المتقدم الذي وصلت له تحركات الأطباء الاحتجاجية، التي انتصرت على النزعات الانتهازية لدى بعض القطاعات من الأطباء المطالبين بالاكتفاء بالمطالب المباشرة للأطباء في الكادر وتأمين المستشفيات، وقامت بتضمين مطلب زيادة موازنة الصحة وتحسين أحوال الخدمة الصحية في مصر إلى باقي مطالبها، ليتحول الأطباء في هذه الفترة إلى الرافعة التي تصعد عليها مطالب باقي الشعب المصري في خدمة صحية لائقة ومجانية.
كما ثار نقاش في تلك الفترة حول مفهوم الكادر نفسه بين شباب الأطباء، وطفى على السطح توجه داخل بلا حقوق يشترط في إقرار كادر للأطباء بأن يكون ضمن هيكل عادل للأجور لجميع العاملين بالدولة، وحد أدنى وأقصى للأجور يضبط الأسعار وينظم القدرة الشرائية بالمجتمع.
استمر هذا الإضراب إلى ما يقارب الـ 3 أشهر، في مواجهة نظام محمد مرسي ومجلس النقابة العامة للأطباء ذات الأغلبية الإخوانية الرافضة لإقراره، بل وقام الأطباء الإخوان من كبار السن بكسر الإضراب في العديد من المستشفيات، كما لوحظ ما خلقه هذا الإضراب من استقطاب طبقي قوي بين قيادات الجماعة من الأطباء المصرين على كسر الإضراب وشباب الأطباء المصرين على استكماله.
كما أتاح هذا الإضراب فرصة لبلا حقوق لالتقاط الأنفاس، وهروب المجموعة المركزية من الانتقادات الحادة لمحور المعارضة الشبابي حول المركزية داخل الحركة، وحول الأداء المتدني للنقابات الفرعية التي حازت أطباء بلا حقوق على أغلبية مقاعدها، وحول الشكوك المتزايدة حول الحلفاء في نقابة الإسكندرية وأدائهم النقابي الانتهازي والذي يختلف كثيرًا عن الخطوط العامة للحركة، وعلاقتهم برجال النظام القديم والدولة العميقة، كما كشف الإضراب القوى والممتد مجلس نقابة الأطباء المنتمي للإخوان، وأحرقهم أمام جموع الأطباء بشكل لا رجعة فيه، ليس هذا فقط بل أحرجهم بشدة أمام قواعدهم التنظيمية من شباب الأطباء المنتمين للجماعة، كما أن ما حدث من تنسيق سري بين المجموعة المركزية لبلا حقوق مع وفد الرئاسة دون إعلام أي من عضوية بلا حقوق بالمحافظات، كشف عن حالة المركزية والوصاية التي تفرضها أغلبية مجموعة القاهرة على باقي المجموعات، وأن هناك حالة من غياب الشفافية مع قواعد الحركة، باختصار كان إضراب 2012 كاشفًا على كل المستويات.






