بوابة الاشتراكي

إعلام من أجل الثورة

روسيا: كيف أُجهِضت الثورة

التالي »

الثورتان

صيغت الفترة بين ثورتي فبراير وأكتوبر 1917 بعمليتين متزامنتين. وقعت الأولى في المدن، وتمثّلت في نموّ بالغ السرعة لوعي الطبقة العاملة. وبحلول «أيام يوليو»، يبدو أنّ العمال الصناعيين -على الأقل- قد بلغوا فهمًا لاختلاف مصالح الطبقات في الثورة.

أمّا في الريف، فوقع نمط آخر من التمايز الطبقي؛ لم يكن بين طبقةٍ مالكةٍ وأخرى لا تطمح حتى إلى ملكيةٍ فردية، بل بين طبقتين مالكتين، من جهةٍ ملاكُ الأراضي، ومن الجهة الأخرى الفلاحون. ولم يكن قصدُ هؤلاء اشتراكيًا؛ فقد كان هدفهم الاستيلاء على أملاك الملاّك وتقسيمها على أساسٍ فردي. وفي هذا الحراك شارك حتى «الكولاك»، أي الفلاحون الأثرياء.

لم تكن الثورة لتقع لولا تزامُن هاتين العمليتين. وما جمعهما لم يكن وحدةَ الهدف النهائي، بل إنّ البرجوازية الصناعية، لأسبابٍ تاريخيةٍ عَرَضيّة، لم تستطع أن تقطع سياسيًا مع كبار ملاك الأراضي. وقد دفع عجزُها هذا الفلاحين (وكان الجيشُ فعليًا جزءًا منهم) والعمّالَ إلى الوقوف في معسكرٍ واحد:

«من أجل تحقيق الدولة السوفييتية، كان لا بدّ من تقاربٍ وتداخلٍ متبادَل لعاملين ينتميان إلى نوعين تاريخيين مختلفين تمامًا: حربٍ فلاحية -أي حركةٍ تميّز بدايات التطور البرجوازي- وانتفاضةٍ بروليتارية، وهي الحركة التي تؤذن بانحداره.» [1]

ولولا تعاطف الجيش الذي يغلب عليه الفلاحون لما أمكن لانتفاضةِ المدن أن تنجح. كما أنّ الفلاحين أنفسهم ما كانوا ليخوضوا نضالًا ناجحًا لولا أن قادهم وتلّحم صفوفَهم قوةٌ مركزيةٌ خارجية. وفي روسيا عام 1917 لم تكن ثمة قوة ممكّنة لتأدية هذا الدور سوى الطبقة العاملة المنظمة. وكانت هذه الإمكانية، أي جذب الفلاحين
إلى جانبها في اللحظة الحاسمة، هي التي مكّنت العمال من الاحتفاظ بالسلطة في المدن.

لقد جرى نزعُ ملكيةِ البرجوازية وحلفائها من ملاك الأراضي. غير أنّ الطبقات التي شاركت في هذا النزع لم تكن تتقاسم مصلحةً مشتركةً بسيطةً على المدى البعيد. ففي المدن وُجدت طبقة يعتمد وجودُها ذاته على النشاط الجماعي؛ وفي الريف طبقةٌ لا يتوحّد أفرادُها -حتى فيما بينهم- إلا لحظةَ الاستيلاء على الأرض، ثم يزرعونها بعد ذلك فرديًا. وبمجرّد أن تنتهي عمليةُ الاستيلاء والدفاع عنها، لا يربطُهم بأيِّ دولةٍ إلا حوافزُ خارجية.

كانت الثورة، إذن، في جوهرها دكتاتوريةَ العمال على سائر الطبقات في المدن – وفي المدن الكبرى كانت حكمَ الأغلبية عبر السوفييتات- ودكتاتوريةَ المدن على الريف. وفي المرحلة الأولى من تقسيم الأملاك استطاعت هذه الدكتاتورية الاتّكاء على دعم الفلاحين، بل دافع عنها حرابُهم. ولكن، ماذا بعد ذلك؟

لقد شغل هذا السؤالُ الاشتراكيين الروس أنفسَهم زمنًا طويلًا قبل الثورة. وكان إدراكُ أن ثورةً اشتراكيةً في روسيا ستُبتلع حتمًا داخل الكتلة الفلاحية أحدَ أسبابِ نظر جميع الماركسيين في روسيا -ومنهم لينين، باستثناء تروتسكي وبارفوس في بداياته- إلى الثورة المقبلة بوصفها ثورةً برجوازية. ولمّا اقترح بارفوس وتروتسكي لأول مرة أنّ الثورة قد تُنتج حكومةً اشتراكية، كتب لينين:

«هذا لا يمكن أن يكون، لأنّ مثل هذه الدكتاتورية الثورية لا يمكن أن تحظى بالاستقرار … إلا استنادًا إلى الغالبية العظمى من الشعب. فالبروليتاريا الروسية تُشكّل الآن أقليةً من سكان روسيا».

وقد تمسّك بهذا الرأي حتى عام 1917. ولمّا قَبِلَ لاحقًا، وناضل من أجل، إمكانِ مآلٍ اشتراكيٍّ للثورة، فلأنه رآها مرحلةً من ثورةٍ عالمية توفّر للطبقة العاملة الأقليّة في روسيا حمايةً من التدخّل الأجنبي، ومعونةً لمصالحة الفلاحين مع حكمها.

وقبل ثمانية أشهر من ثورة أكتوبر كتب إلى العمال السويسريين: «لا تستطيع البروليتاريا الروسية، بقواها وحدها، أن تُكمِل الثورةَ الاشتراكية بنجاح». وبعد أربعة أشهر من الثورة (في 7 آذار/مارس 1918) كرّر القول: «الحقيقة المطلقة أنّه من دون ثورةٍ في ألمانيا سنَهلك».

التالي »